د. نيفين عبد الجواد تكتب :الحاء الأكثر إزعاجًا

 

 

 

يقولون إن حاء الحياة تتسع لكل شيء؛ لذلك فهي الأكثر رحابة وتنوعًا ومن ثم فهي الأكثر شمولًا. ويقولون إن حاء الحب هي الأكثر دفئًا والأكثر أمنًا؛ لأنها تحتضن كل غريب فلا يشعر بغربته وتشبع لهفة المشتاق فينسى وحدته. ويقولون إنه لولا حاء الحب لما صمدت حاء الحياة في وجه كل الشرور حتى النهاية ولما اكتسبت أية حلاوة؛ فلا الحياة يمكن لها أن تطيب بدون حب، ولا الحب يستطيع أن يصمد في قلب الحياة بدون حرية.

لذلك فإن حاء الحرية هي الأكثر أهمية وهي أيضًا الأكثر إزعاجًا لغير الأحرار. والحرية لا تبدأ بقول “نعم”؛ بل تبدأ بقول”لا”؛ فمن لا يملك القدرة على قول كلمة “لا” بقوة وعن وعي لن تكون لكلمة “نعم” إذا صدرت منه أية فائدة أو أهمية بل ستصبح مجرد تحصيل حاصل.

إنها التجربة الإنسانية التي تجعلنا نعرف ما نرفضه وما لا نقبله وما لا نريده، وفي الوقت نفسه ندرك ونعي ما نوافق عليه وما نقبله وما نريده. فإذا لم يلسع أصابعنا لهيب الحرارة فيؤدي ذلك إلى أن نقول “لا” لملامسة كل جسم ساخن، فلن نستمتع بالبرودة ولن نكون مدركين لقيمتها وقيمة الابتعاد عما يؤذينا لهيبه. فما نرفضه ونقول له “لا” من داخلنا هو الذي سيقودنا إلى تحديد ما نقبله ونقول له “نعم” بقوة ووعي.

لذلك هي حريتنا في أن نقترب مما يدهشنا ويثير فضولنا كي نكتشف صفاته عن قرب ونتعرف عليه بعد سابق جهلنا به. فهل إذا فقدنا تلك الحرية بعد التعرف على ما يؤلمنا من واقع سيكون قبولنا به رغمًا عنا هو قبول حقيقي عن رغبة فيه، أم مجرد تحصيل حاصل لا جدوى منه ولا طائل؟!

إن الإنسان ما دام جاهلًا فسيظل يسعى إلى التعلم وذلك إذا ما أدرك حقيقة جهله وما قد يسببه له من تعاسة وشقاء، فإذا تعلم ولم يستفد مما تعلمه فحال الجهل يكون آنذاك أفضل له وأكرم. وكذلك الشعوب إذا لم تتراكم خبراتها ومعارفها كي تكون في حال أفضل وأرقى فلا فائدة من طول عمرها واتساع معارفها وتراكمها عبر مئات السنين. فما جدوى حضارات قامت واختفت لشعوب هجرت الاستفادة من العلم واستسلمت للتقليد وسلمت باتباع كل ما هو مفروض عليها بدون أية حرية اختيار؟

لذلك فإن الشعوب المحرومة من خوض التجارب ومن الاختيار هي شعوب محرومة من التعلم ومن التقدم والتطور، ولا يكون إيهامها بعدم قدرتها على الاختيار وعدم استعدادها لنيل حريتها سوى المخدر الضامن لقبولها بضعفها والواقي لها من خروجها عن صمتها واستسلامها. وبالقطع فإن السجين المحروم من حريته والمكبل في أغلاله وقيوده هو الخاسر بينما المستفيد من أسره لن يتخلى بسهولة عن الربح الذي يعود عليه من جراء تكميم الأفواه وتقييد الحريات.

وبالتالي فإن نضال الشعوب من أجل استعادة حريتها هو أولى خطوات رغبتها في التقدم والتطور، فمن السهل صنع حضارة سلطوية شمولية مستبدة يعود نفعها على فئة محدودة، بينما من الصعب بناء حضارة حقيقية تخدم الإنسانية جمعاء دون تمييز أو استثناء أو قهر أو استغلال. لذلك ستظل حاء الحرية هي الأكثر  إزعاجًا لكل من يصم أذنيه عن سماعها خاصة إذا كانت تعانق حاء الحق، ولكنها ستظل دومًا مدوية مهما طال أمد كبتها ما دامت كلمة “لا” هي التي تدل الإنسان على ما لا يقبله وما لا يرضاه وما لا يطيقه، وهي التي ستدله على ما يجب أن يقول له “نعم” بعد فهم ووعي كي تكون كلمة “نعم” ذات قيمة ولها أهمية.

 

عن العربي اليوم

شاهد أيضاً

عصام البوهلالة يكتب: القضاء تحت المجهر

  إن المادة 201 من قانون العقوبات العراقي تنص بما يلي: (يعاقب بالإعدام كُل من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: