الكاتب التونسي، الأسعد زعراوي، يكتب:” الريف”

وسط السهوب أو الجبال أو الغابات الوعرة من المناطق النائية بالبلاد التونسية يلتقي المرء من حين إلى حين بقرى صغيرة سكانها ألف أو ألفان، مبنية كلها بالآجر الأحمر، دميمة كل الدمامة، لها جامع و مدرسة و سوق صغير و مقبرتان. فإذا أردنا أن نصفها موجزين قلنا إنها أكثر شبها بريف من القرون الوسطى منها إلى قرية بمعنى كلمة القرية. إن السكان أناس بسطاء لا تعصف برؤوسهم الأفكار اليسارية الثورية أو الأفكار الليبرالية تلكما سواء، و لهم عادات و تقاليد قديمة رسخها الزمن. و الموظفون الذين يمكن أن نسميهم بالطبقة النبيلة في الريف هم إما أناس من تلك البلاد نفسها أي ريفيون متأصلون، و إما أناس وافدون من المدن. فأما هؤلاء الوافدون من المدن فهم قادمون من القرى الصغيرة رأسا يحدوهم المرتب المتوسط و المعونة و المنح التي تقدمها لهم الدولة، كما تحدوهم آمال أخرى تتعلق بأمور فلاحية و مشاريع صغرى و التي لا تقل عن المنح إغراء. فالذين يعرفون كيف يحلون مشاكل الماء المنقطع على الدوام و الكهرباء المتخلخلة المتزعزعة و التنقل و شبكات الاتصال، يمكثون في الريف دائما على وجه التقريب و يستقرون فيها إلى الأبد، ذلك أن الثمرات الوفيرة اللذيذة التي يجنونها بعد ذلك تعوضهم عن خسارتهم خير تعويض. أما الآخرون، و هم أناس خفاف لا يعرفون كيف يحلون مشاكل الحياة فإنهم ما يلبثون أن يسأموا و يضجروا ثم  يتساءلوا حسرة و أسفاً : لماذا ارتكبوا حماقة المجيء إلى هذه البقاع النائية ؟ و هم يسلخون السنوات المحددة لإقامتهم؟ متذمرين متململين قد نفذ صبرهم، حتى إذا انصرمت المدة التمسوا العودة و رجعوا إلى بلادهم و هم يقدحون في القرى و الأرياف و يهزؤون بها و يسخرون منها.
ألا إنهم لمخطئون، إن الريف بلاد هناءة و غبطة، بهيجة راضية عن نفسها كل الرضى. المناخ فيها رائع، و الهدوء فيها لا يشترى بكنوز الدنيا، و التجار أثرياء مضيافون، و الميسورون من أهله كثير. أما صباياها فأشبه بورود متفتحة، و أخلاقهن لا غبار عليها، لمن يريد أن يتزوج.. و الخير يجري في شوارعها و يرتمي على الناس ارتماء، و الأئمة في المساجد أكفاء عارفون، و الفلاحون يحصدون من الغلال في بعض الأحيان أضعاف ما بذروا خمس عشرة مرة. إن البلاد الريفية كثيرا ما تترك في الأنفس ذكريات جميلة لا تمحى. صفوة القول : الريف أرض مباركة، و إنما ينبغي الانتفاع به و الاستفادة منه و ما أيسر ذلك !

عن abdalla

شاهد أيضاً

دقّةُ التّعبيرِ القرآني (التّرابطُ بينَ الآيات) …..بقلم خليل الدّولة

قالَ تعالى (إنّ الّذينَ آمنوا والّذينَ هاجروا وجاهدوا في سبيلِ الّلهِ أولئكَ يرجونَ رحمتَ الّلهِ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: