عَلاء أبوعوف يكتب..”الخُذلان”

** الخُذلان **

 

بِنِسَبٍ متفاوِتة ..

تجَرَعَ كلٌّ مِنا مرارةَ الخِذلان ..

في كأسٍ حوافها مكسورةً ..

الكلُّ قد أخذَ نصيبهُ ..

ذاقَ ما يُخلّفه هذا الشعور ..

مِن وجعٍ مُخُصّبٍَ ..

مُشرِِعٌ أنيابَه إفسادًا في خَلايا الذّاكِرة ..

 

لِلخِذلان وقعٌِ على النّفس قاسٍ ..

يَنبُع مِن مَدى مَحبتِنَا ..

و الإفراطِ ثقَةً بمَن نَظُنه يستَحِق ..

و مرارَة الأسَف تتضاعَفُ ..

كلّما كان هذا الشَّخصُ قريبًا ..

هُنا ..

الألمُ والخيبةُ أكبرُ ..

وَ وقعُهما على النّفسِ أعظمُ ..

 

حينَ نأملُ وَ نرتَجي ..

فتفاجئنا صَفعاتُ الخيبةِ تلو الأخرى ..

حينَ نتعاملُُ مَعهُم بكلّ الحبِ و الوِد ..

نعايشُ بكل الصِدق أحزانَهُم و أفراحَهُم ..

نَغزِل معَهُم خيوطًا مِن السَعادَةِ ..

فتَغدو ذّكرياتً ..

تومِضُ فَرَحًا في ذاكِرتِنا ..

ثم ..

تتوالى الطعناتُ عِند الإختبار ..

كاشِفَةً وَهَنَ الأواصِر ..

تُُظهَر لنا زيفُها ..

نرتطمُ بواقعٍ مَريرٍ ..

كانَ أحيانًا ما يبدو صوبَ أعيننا مُنذ البداية ..

لكنّنا ..

و بحسْن الظَن و نقاءِ النوايا نتغافَلُ عنه ..

برغبَة و إرادَةٍ الّا نُبصِره ..

 

الخذلان ها هُنا كفيلٌ بأن يُخبرنا ..

أنّ كل اللّحظات الجميلة ..

ما هي إلاّ …….

فقاعات ..

بالرَغمّ مِن تَشَبُثِنا و بكل القوَة ..

إلا أنها تطايرَت إلى أماكِنَ لا يَحقّ لنا الوصُول إليها ..

معُلِنَةً نهايَةَ علاقة وُلِدَت بتاريخ إنتِهاء صَلاحيّتها ..

 

خِذلان يُحرِق مِساحات قلوبٍ بيضاء ..

فتَصيرُ رَمادًا ..

تولَدُ مشاعِرٌ لا تُكتَبُ ..

بَل ..

تُدمِع الأعيُنَ في مَواسِم الذّكريات ..

و بالرّغم مِن هذا النَهر من الآلامِ ..

لا نتوقّفُ عن مَنحهمِ فُرَصًا جديدة ..

وَ هُم بدورِهِم ..

لا يتوقّفونَ ..

و نتيجَةً لأفعالِهم ..

يتمَلّصُ القلبُ مِنهم شيئًا فشيئًا ..

حَتى يُصبِحوا غرباءً ..

تَمامًا ..

و كأنّهُم لَم يكونوا يومًا ما قَلبُ القلْبِ ..

 

وجدُتني أقِفُ مُتأمِلًا ..

لأجِدَ الحقيقة التي أخفيتُها في أعماقِ الروح ..

و كنتُ دائمَ الهروبِ مِنها ..

إنّها فُرصٌ ظَنَنتُ أنني أمنحُها لأمثالِهم ..

و إكتَشَفتُ أن المَنحَ في الواقِع ..

كان مَنحًا لِخافِقي و روحي ..

تتكون به لهُما القُدرة على التعوّد والصَفحِ ..

للبدءِ مِن جَديد ..

لأن أصبِحَ قادِرًا على بِناءِ علاقاتٍ أخرى ..

مَع أُناسٍ آخرين ..

دون أن أرسِمَ للنَفسِ حدودًا ..

و أضِعُ لها الحواجِزَ ..

فالحياةُ تستَمِر ..

و لا خيرَة لنا أو قرار إلا َ المُضيّ فيها ..

و لَكِن ..

دونَ محازَفَةٍ ..

و أيضًا دون تَصَنُع ..

 

في وَقفَةَ التأمُلِ ..

رأيتُ خذلاننا لأنفُسِنا ..

ان نتركَها تركضُ خلف الهَوى ..

إهمالٌ يؤذيها ..

حتّى تنطَغئ شعلة الإيمان فيها ..

ان ترسِمَ لها أحلامًا ..

لا سبيلَ لها ..

إنّه خذلان الذّات ..

القادِرُ على تَدمير جزءٍ مِن الرّوحِ ..

قَد لا يُحييه أحَدٌ مَرّةً أخرى ..

 

رأيتُ و عايَشتُ أحداثًا كثيرة ..

سرقَت بتواليها صَفاءَ الإبتِسامَةَ ..

و سرَقَت معها أناسٌ كُثر ..

فَلَم يتبَق للروحِ ..

إلّا تنادي الله ..

بكُلّ النَقاء و حُسنُ الظَن ..

إكتَشَفتُ هُناكَ رُكنٌ مُنزوٍ ..

لم يَطرُقه خذلانُ البَشرِ بَعد ..

لَم تَصفعَه الحياةُ ..

لَم تَطله لَعنَةُ الألَمِ ..

لَمْ تُدَنِسُه الكراهية ..

في ذاكَ الرّكنِ ..

وَجَدتُ الـ “أنا” ..

تِلكَ التي انسلّخَت عَنها ..

و عَن الحياةِ ذاتَ يومٍ مَخدوعًا ..

عُدتُ ..

بعد أن أوجعني دَنس خُطواتِ الغُرَباء بثنايا الروح ..

وجَدتُ في ذاكَ الرّكن مُسعِفًا للذات ..

يصرخُ مناديًا ..

يُخاطِبني :

– لا تعضَّ بالنواجِذِ نَدَمًا على كل أمنياتك ..

مهمَا بَدَت صعوبَتها ..

و ليَكُن تحقيقها هَدَفًا ..

جاهِد ألا تُخطئه ..

– صارِع الدنيا لتنعِش أحلامَك ..

مَهما احتَضََرت ..

مَهما كان الواقِع بهذا البؤس ..

– اعلِم ..

أنّه لا أحدًا قادِرٌ على هَزيمَتِك ..

سِوى نَفسكَ ..

– لا تَخََف ..

فما زالَت هُناكَ فُرصَةٌ ..

ما دُمْتَ على قَيدِ قَلبٍ ..

– لا تُبالغَ في أيّ شَيءٍ ..

فخلف كلّّ مبالغةٍ صَفعةُ خِذلان ..

– انصُر كلّّ مَن خَذلوكَ ..

في المَواضع التي يظنونَ أنّك ستخذِلهُم بها ..

فقط لتُخبِرهُم ..

بأنّهم خَذلوا أنفسَهُم بأنفُسِهم حينمَا خذلوكَ ..

– إعلَم ..

أنّه لا خذلانَ أسْوأ مِن خذلانِ العَبدِ لربّه ..

حينما يتمَادى عليه بعِصيانه ..

– تَذكّر دائمًا ..

أنّك عبدٌ فقيرٌ لربٍ غني عَنه ..

– لا تَنس ..

أن الخذلان الاكبر ..

هو خذلان المَرء لنفسِه و لحُلمه و لطُموحِه ..

و لكلِّ جَميل به ..

و كُلّ ما عدَا ذلك ..

دروس في الحياة ..

ليسَ أكثرَ ..

** عَلاء أبوعوف **

عن heanen ameen

شاهد أيضاً

دقّةُ التّعبيرِ القرآني (التّرابطُ بينَ الآيات) …..بقلم خليل الدّولة

قالَ تعالى (إنّ الّذينَ آمنوا والّذينَ هاجروا وجاهدوا في سبيلِ الّلهِ أولئكَ يرجونَ رحمتَ الّلهِ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: