الإعلام الناقص وسنواته العجاف!...كلام حول "وزير الدولة للإعلام" (3- 10): د.أيمن منصور ندا يكتب : لماذا لا يتم تعيين اللواء عباس كامل وزيراً للإعلام؟

البحث عن صفوت الشريف
لم يكن تصريح السيد صفوت الشريف رجماً بالغيب، ولم يكن حلماً كاذباً، أو رأياً زائفاً عندما أشار إلى كونه “آخر وزير إعلام في مصر”، فقد كان توقعه حقاً وصدقاً؛ إذ توالى على وزارة الإعلام بعده أسماء يمكن اعتبارهم قائمين بعمل الوزير، أو موظفين تنفيذيين أكثر من كونهم وزراء حقيقين..
كان السيد/ “صفوت الشريف” كبير الطهاة في المطبخين السياسي والإعلامي.. وكان قائماً ببعض الأدوار السياسية والحزبية الكبرى، وينوب عن الرئيس في بعض مهامه، ويحمل رسائل خاصة منه إلى رؤساء بعض الدول والحكومات.. كان الشريف مشاركاً في العملية السياسية، ومقترباً بشدة من الدائرة الأضيق لاتخاذ القرار وصنع السياسات.. وكانت الصورة كاملة لديه، وكانت سيطرته كاملة على المشهد الإعلامي إلا قليلاً..
تغيير السيد/ صفوت الشريف كان إيذاناً وعلامة على تغير العلاقة بين النظامين السياسي والإعلام.. في زمن صفوت الشريف، كان الإعلام(ممثلاً في وزيره) حاضراً ومشاركاً في صنع السياسات العامة، وكان الإعلام في الوقت ذاته منفذاً لهذه القرارات والسياسات ومراقباً لنتائجها..
بعد صفوت الشريف، تم حصر دور الإعلام في التنفيذ بدون نقاش أو مجادلة، وفي تلقي التعليمات بغير تعقيب أو مساءلة .. أصبح الإعلام آخر من يعلم بشأن كثير من القضايا، وأصبح الإعلام يدار من خارجه؛ بأجهزة الريموت كنترول البشرية أحياناً، وبأجهزة السامسونج اللاسكية أحياناً أخرى.. وعُهِد بالوظيفتين الأخريين (التخطيط والتقييم) إلى جهات أخرى بعيدة عن الإعلام، وغير مدركة لأبعاد العمل الإعلامي.. والإعلام أخطر من أن يترك لغير المتخصصين!
أسامة هيكل والغرق في بحر الظلمات
في تاريخنا المعاصر، أسماء عديدة لوزراء كانوا إضافةً للمنصب وقيمة مضافة له.. وفي المقابل، هناك أسماء كثيرة معروفة ومشهورة كانت عبئاً على الوزارات وعلى النظام السياسي، وكانت خصماً منهم ومن رصيدهم الشعبي.. وهناك أسماء كانت “خاملة وغير نشطة” بالمفهوم الكيميائي، و”غير ذات دلالة” بالمفهوم الإحصائي.. لم يكونوا إضافةً ولم يكونوا خصماً؛ كان وجودهم صفرياً، أو كما وصف أحمد فؤاد نجم أحدهم “كأنك مفيش” .. وكثيرٌ ما هم ..
أسامة هيكل، وزير الدولة السابق للإعلام، كان وزيراً خاملاً.. لم يكن إضافة ولم يكن خصماً.. حالة صفرية واضحة في وزارته الأخيرة.. مهام الوزير كما حددها قرار رئيس مجلس الوزراء (رقم 210 لسنة 2020) فضفاضة جداً، ومتضاربة مع اختصاصات كيانات أخرى قائمة.. ويمكن أن يقوم بها شخص بدرجة “مستشار وزير” وليس وزيراً.. كذلك، فإن الصلاحيات الممنوحة له كانت محدودة إن لم تكن منعدمة.. والوزير كان في حصار شديد بسبب علاقته المضطربة مع الإعلاميين المحسوبين على تيار معين وجهة معينة في الدولة.. خسر أسامة هيكل كثيراً بقبوله هذه الوزارة المنقوصة.. وخسر المنصب كثيراً بوجوده فيه.. كلاهما لم يضف للآخر: الوزير والوزارة.. وكلاهما خصم من الآخر ما كان موجوداً من رصيد أو من تطلعات..
في البداية، عوَّل الإعلاميون كثيراً على عودة منصب وزير الإعلام في وضع سياسة إعلامية واضحة للإعلام المصري.. وفي التنسيق بين الأذرع الإعلامية المختلفة.. وفي تسويق صورة إيجابية لمصر في الخارج، وفي الرد على الحملات الخارجية التي تستهدف مصر وتنال من سمعتها الدولية.. غير أنَّ أسامة هيكل خيَّب توقعات الكثيرين .. لم يضع الرجل شيئاً ذا بال واكتفى بالدور البروتوكولي، إدراكاً منه لطبيعة ملكية وإدارة وسائل الإعلام حالياً، وخضوعها لغير سيطرته، وبعدها عن مجال نفوذه.. ارتضى وزير الدولة باللقب دون الوظيفة، وبالوجاهة الاجتماعية دون النفوذ السياسي.. وخسر كل شيء بالاستمرار في الوضع الخاطىء.
أكاد أزعم أن تاريخ “أسامة هيكل” ككاتب أفضل منه كرئيس تحرير لجريدة الوفد.. وأداءه كرئيس تحرير أفضل منه كوزير في حكومة عصام شرف.. ودوره كوزير أفضل منه كوزير دولة في وزارة مصطفى مدبولي.. ولو كنت مكانه لما قبلت المنصب بوضعه الحالي، أو كنت استقلت يوم عرفت أنه منصب وكيل وزارة، أو مستشار إعلامي لوزارة، وليس منصباً وزارياً بالمفهوم السياسي له.. وهذا ما ذكرته له في اللقاء الوحيد الذي تم بيننا منذ عدة أشهر..
اللواء عباس كامل والبحث عن أمل جديد
“تكرار الإجراءات نفسها وتوقع نتائج مختلفة في كل مرة” هو التعريف الأمثل لعدم النضج وفقاً لإينشتاين.. وتوقع نتائج جديدة من وزير دولة جديد للإعلام مع وجود نفس المعطيات هو ضرب من التفكير بالتمني.. مشكلة أي وزير دولة قادم للإعلام أنه سيجد صعوبة في التعامل مع ثلاث هيئات مستقلة لها ثلاثة رؤساء بدرجة وزير.. الكيانات الأفقية عادة متصارعة.. في المثل العربي يقولون “أنا أمير، وأنت أمير، فمن منا إذاً يقود الحمير؟”.. لابدَّ من وجود مسئول أعلى وله نفوذ أقوى .. فلماذا لا يكون اللواء عباس كامل مسئولاً عن هذه الوزارة إضافة إلى مسئولياته كرئيس لجهاز المخابرات العامة؟
قبول اللواء عباس كامل لهذه الوظيفة سيحل الإزدواجية القائمة في السيطرة على ملف الإعلام ) de jure vs de facto): هناك من يتقلد مناصب لا يقوم باستحقاقاتها، وهناك من يقوم بمهام وظائف دون تقلد مناصبها.. هذة الإزداجية خلقت مناطق فراغ في السياسات الإعلامية المصرية لابدَّ من سدها.. وأوجدت نوعاً من التراخي والاتكالية لابد من القضاء عليهما.
جزء كبير من مشكلة الإعلام المصري يكمن في الدور الذي تقوم به “الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية” وفي طريقة إدارتها للملف الإعلامي.. من يسيطر على هذه الشركة يسيطر على الإعلام المصري.. المشكلة أن تحليل أداء هذه الشركة يشير إلى أنه لا يوجد بها من يجيد القيام بدور “الكوتش” أو “المدير الفني” الذي يضع الخطط، ويوجه الجهود لتنفيذها.. إدارة المشهد الإعلامي بواسطة هذه الشركة يغلب عليها طابع الهرجلة إلى حد الهرتلة، والتجريب إلى حد التخريب.. وسواء كانت تبعية هذه الشركة للقطاع الخاص أو لأحد أجهزة الدولة، فإن وجود اللواء عباس كامل على رأس وزارة الإعلام سيجعله قادراً بشكل مباشر على إدارة المشهد الإعلامي المصري بدون وسطاء أو أجراء، سواء من خلال هذه الشركة أو من خلال ماسبيرو.. وسيكون قادراً بمساعدة بعض الخبراء والمتخصصين على إدارة المشهد بشكل أكثر احترافية وفعالية..
إضافة إلى ذلك، فإن هناك أوجه شبه كبيرة في درجة الاستغراق في العمليتين السياسية والإعلامية بين اللواء عباس كامل، وبعض وزارء الإعلام الذين تركوا بصمات واضحة في الإعلام المصري، على سبيل المثال أمين هويدي، وحسنين هيكل، ومحمد حسن الزيات، وعبد القادر حاتم، ومنصور حسن، وصفوت الشريف.. كل هذه الأسماء كانت في منتصف دائرة صنع القرار السياسي، وكانوا على رأس وزارة الإعلام، وكل منهم ترك أثراً مميزاً أثناء فترته، مع اختلاف التوجهات والأهداف والفترات السياسية..
في تاريخنا القريب، هناك وزراء عديدون تولوا مناصب في غير تخصصاتهم.. فؤاد سراج الدين باشا كان وزيراً للداخلية، وللزراعة، وللشئون الاجتماعية، وللمواصلات، وللمالية، وغيرها .. وتولى مكرم عبيد وزارة المالية، والمواصلات.. وتولى الدكتور فؤاد محي الدين وزارات الحكم المحلي، والشباب، والصحة.. المهم أن يكون مع المسئول متخصصون أكفاء ومستشارون علماء يقدمون له الرؤية الصادقة والمعلومات الصحيحة.. وما ذلك على اللواء عباس كامل ببعيد أو بصعب..
إن خسارة الدولة من ضعف الإعلام الحالي لا يقل عن خسارتها من أي مجال حيوي.. وإصلاح الإعلام لا يقل أهمية وضرورة عن أهمية الإصلاحين السياسي والاقتصادي.. والتأخير في اتخاذ القرارات الحاسمة يكلفنا كثيراً جداً.. وقد يضيع الوقت ونحن نبكي على اللبن المسكوب وعلى الريادة الضائعة..

عن العربي اليوم

شاهد أيضاً

عصام البوهلالة يكتب: القضاء تحت المجهر

  إن المادة 201 من قانون العقوبات العراقي تنص بما يلي: (يعاقب بالإعدام كُل من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: