كتاب وشعراء

أنين الذات وحمحمة الكلمات_ قراءة في ديوان الشاعر التونسي محمدحمدي “خربشات على جدار فاطمة”_ بقلم الاستاذ إبراهيم سليماني _ تونس

ديوان : خربشات على جدار فاطمة لمحمد حمدي
أنين الذات وحمحمة الكلمات
__
ليس يسيرا أن تكتب وأن تسطر على الورق آهات الذات وما يكتنز داخلك من عمق العبارة التي نامت مديدا فصاتت فتشكلت نصا ينطق مبنى ومعنى
هذا وليدك البكر ولاشك انتظرته بعد مخاض عسير قرأناه وفهمناه فقررنا أن نتدارسه ولا نزعم الماما بما يكتنزه من معان
_ دلالات العنوان :
خرشات على جدار فاطمة مركب شبه اسنادي قد يكون مبتدأ لخبر محذوف عنوة وقد يكون مفعول به لنواة اسنادية محذوفة عمدا كأن يقول الشاعر رسمتُ على جدار فاطمة دلالة على الكتابة ونبذا للجمود والسكون .
خربشات على الجدار قد تكون مسروقة من الزمن ولا رقيب وقد تكون رسالة مكتوبة بدم القلب بعد أن مُنع الشاعر البوح مباشرة
_ الانا في الديوان :
هي الذات الشاعرة ولاشك بكل ما تحمله من معنى ، تجرع ألم الواقع ومرارة هجير الايام سنين عددا ، حمحمت اللغة بين الضلوع فصاتت بعد طويل صمت داخل حياة رتيبة
ذات عاشقة ، حالمة ، متألمة، محاصرة ، وباحثة عن حرية تلوح في الافق غير بعيدة
_الشخوص :
تنوعت في الاثر تنوعا لافتا فهي أولا فاطمة المرأة الرمز ، حمّالة المعنى ومعشوقة الشاعر ونَخَالُها وتدَ القصيد وعنوان البوح .
هي الساكنة بين ضلوع الشاعر لاتكاد تفارقه ، منها استلهم عذب الكلام ومن طيفها نسج خيوط القصيدة . هي الذات وقد تشكلت قصيدة حبلى بالمعاني هي الغزالة ( ص 12) و هي الحبيبة (نفس الصفحة ) وهي قبيلة الجميلات (ص26) وهي التي تتلقى رسائل العشق من شاعر اكتوى بنار العشق حتى لكأنه النار المستعرة لحب أزلي اختار من الفؤاد العليل مقيلا . وهي الوطن الام في معناها البعيد . وهي كذلك الزلزال الذي يهز أركان النفس المتعة فيحطم داخلها ماتبقى من ركام السنين التي تمر كالشهاب فتترك في النفس عميق أثر وهي مرة فاطمة وحينا آخر فاطنة .
ومن الشخوص المذكورة كذلك بين ثانيا النص الشعري الاهل وهم العشيرة والقبيلة ومكان الامنيات والاحلام الوئيدة ، هم رجع الصدى للذات الشاعرة وها أن الذات الشاعرة فد تعرضت في نظمها لخيوط القصيد الى السجناء فاقدي الحرية التائقين كما الشاعر الى الانعتاق والحرية في فجاج الارض المديدة وكذا الحال بالنسبة الى الحكّام والساسة والشردين في الارض وهم رموز للواقع في اتساعه وعمق أدرانه الكاتمة للنفس الجريحة التي تألمت فأخصبت من الشعر وفيره ومن الاهات مُرّقا وحُرقتها.
ومن الشخوص كذلك المعلم الذي يفك طلاسم الجهل في الذات الشاعرة عندما يفك القيد عن معارف مؤودة تنتظر من يبعث فيها نفخة البعث الاول .
_الامكنة :
تنوعت الامكنة تنوع تحليق الذات الشاعرة بين ثنايا المكان الممتد حينا والمنغلق حينا آخر فهي البحر في اتساعه أفقا مُتَخيّلا وهي الحقول الفسيحة على مدى البصر وهي الصحراء مترامية الاطراف حاضنة الغزال الشارد ومرتع البوح العميق للذات الشاعرة
وهي البداية في عمق تجليها لأن الشاعر بدوي عاشق للترحال ومسافر بعيدا من أجل نسج خيوط قصيدة أمست عصية أمام عسس الشوارع وصعاليك الليل . والمكان كذلك كوخ صغير يبتنيه الشاعر ليرتاح بين جنباته من تعب الايام وصخب الدنيا التي اخذت وما أعطت وقست فما أخصبت
_الازمنة :
الزمن عدو الانسان وعدو الذات الشاعرة حيث تجري بنا الايام سريعة ولانعلم منتهاها هو زمن الطفولة الاولى وتشكل الذات حيث كان الشاعر طفلا صغيرا يتلقى العلوم من معلمه والايام بتتاليها كانت حاضنة البوح ، وشاهدة عليه وصانعته
هو زمن العشق ولحظات المخاتلة للحبيبة ان كان واقعا أو خيالا يفيض مشاعر مستعرة كالنار في الهشيم .
لقد قسا الزمن على الذات الشاعرة فأذاقها من الالم والمعاناة صنوفا شتىّ وجعلها تسعى لكتابة بوح الروح ومناشدة الحرية الضائعة رغما عنّا
_ مواضيع البوح
تعددت المواضيع التي تناولها الشاعر في ديوانه فقد كتب عن فاطمة آلهة الرقص على أوتار القلب ومعشوفة الشاعر السابحة في الدم مُستوطنة فيه سنينا عددا .كتب كذلك عن الاهل الطائرين بريش الايحاء على حد عارة الشاعر (ص9) كتب عن الجلاد والضحية والسارق والمسروق عن النساء اللواتي مررن من قلاع الذات الشاعرة وتركن أثرا عميفا .كتب عن الغيمة السابحة في اتساع السماء حلما تحمله على عاتقه(ص33) هي متحركة غير ثابتة ولاشك كما الذات الشاعرة محلقة في كل الفجاج باحثة عن مستراح .
كتب عن الوطن الام رقعة ممتدة بين جنبات النفس انتماء وتربة ، أهلا وصَحبا وأحلاما مؤودة تنتظر زوغ شمس الصباحات الاولى . كت عن الام كائنا سحريا يفيض محة وحنانا غير كل البشر .
كتب عن المُشردين والعاهرات والطرق المقفرة الموحشة التي تذكر الذات الشاعرة بالنفس الجريحة والمتعبة من عفن الواقع. عن الصبْية وعن الدراويش وسخّر كل عناصر الطبيعة لارادته فغدت طيعة لتشكل أوتادا لقصائده لأن الطبيعة هي الاصل ومن طيينها تشكل الانسان فنما وأخصب
_مواطن الطرافة في الديوان :
هو الوليد البكر للشاعر نسج خيوطه عبر حقب متعاقبة من الزمن تنوعت عناوين القصائد وحوت من المواضيع وفيرها و من الافكار والرؤى عميفها .
تجلت عفوية الشاعر في ماخطه الشاعر دون ضبط الحدود وترك الذّات تبوح بمكنوناتها حرة طليقة سابحة في الخيال راسمة لمواضيع متنوعة تلخص مسيرة في الحياة مديدة وعشقا للحرف والكلمات حد الانتشاء .
لم يترك ظاهرة في المجتمع الا كتب عنها بكل عفوية مما أكسب نصه الشعري واقعية فتجاوزت القصيدة حدود الخيال لتكون صدى للواقع في صفائه وفوضاه في فرحه وألمه وفي جده وعبثه .
فأضحت القصيدة سفرا جميلا نحو فجاج ليس باليسير على الاقدام أن تطأها.

الاستاذ / ابراهيم سليماني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى