الإثنين , سبتمبر 20 2021

قراءة في نص الكاتبة السورية فوزية اوزدمير ” رحلة مع الذات ” ……. بقلم // الناقدة السورية عايدة حاتم

من الحكمة إمعان النظر في كل ما حولنا وإطالة النظر نحو أشياءٍ تتماهى مع حقائق عارية تدفعنا للتساؤل الدائم..
كيف؟… من ؟… .متى؟….. لِمَ ؟
هذا ما تفعله نصوص الكاتبة المتفردة بالقارئ بنكهتها الفلسفية الوجودية وبلوحاتها السوريالية…..
بين يدينا نص تأبى الكاتبة أن تعنونه بل تترك ما تكتب بلا عنوان لتقول للقارئ اخترله ما يناسبه من الأسماء فهو لك….
وأنا سأسمي هذا الطفل الناضج الجميل ..
رحلة مع الذات… .
تستهل الكاتبة نصها بتساؤل يطرق أبواب ذاكرتنا كل صباح ومساء… بدهشة الحائر… .الباحث عن حقيقة وجوده..

كثيراً ما شعرتُ كم فاتتني أشياء ؟
في خلوة مع الذات نتسلل صوب حارات الذاكرة نتسكع… .
هنا وهناك…
عندما تتكرر زياراتنا للماضي… فنحن نعاني من واقع بائس
نعود لنبحث عن جذور المشكلة…
أنثى متأملة يقلقها واقع لا تدري كيف وصلنا إليه…
تستخدم الكاتبة عبارات غالبيتها تمتاز بالطول وهو ما يناسب الحدث تسكع في الذاكرة يحتاج لنفس طويل وجَلَد لعلنا نصل لإجابات شافية…
يبدو أن الأنثى مغرر بها من لحظة مغادرتها لرحم الأم التي لا نعلم كيف كانت رحلتها مع الذات وقد نستشف بعض مراحلها بعد حين بعد ان نجتاز ذات الطريق..
في تعبير مجازي دقيق وباذخ..
حدث مرات… .
الأنبياء يصمتون… حين بعت أقراطي الذهبية ..
وما الأنبياء هنا سوى تشبيه لاذع يبطن نوعاً من السخرية لبعض الذكور الذين نصبوا أنفسهم خلفاء الآلهة فتتغيب العقول بحضورهم لتتلقى أفكاراً بالية وضعها جهلة لتتحول لدساتير ربانية بشرية الصنع ..
وما الأقراط الذهبية سوى زينة تتفرد بها الأنثى وهنا انزياح مبهر لتعبر عن العقل واستماع النصح…
أنثى جسدها مائدة شهية يتقاتل عليها الفرسان وهي الأميرة المحظوظة ببطل لكل الأزمنة…
طفلة ترسم حلماً..تكتشف متأخراً بأنه لم يكن وردياً كما أخبروها ..
بل رمادياً بلا ملامح…
قديماً مهترئاً كصور قديمة معلقة على الجدران ..
يخيل لك أنها ذات قدسية تمنح الأمكنة جلالاً
فإذا بها أفكاراً مجردة سطحية جعلت من عقل الآخر مغيب لقرون.
تنكفئ الذات تتكور كالجنين في الرحم ..
هذه الوضعية يقول علماء النفس في لغة الجسد عندما يتخذها شخص فهو فاقد لشئ ثمين ينقصه الحنان والأمان والدفء يريد الهروب من واقعه واللجوء لمكان آمن هادئ…
ورغم كل المحاولات للخروج من تلك الدوامة ..
تتسلل الأفكار من جديد تراوغني بنعومة… أحاول احتضانها بلذة. حضن الأم لرضيع..
كل المحاولات للهروب من تمرد الفكرة من البحث عن الحقيقة من رحلة سرمدية، تبوء بالفشل…
أعاود البحث وكلما اقتربت من لمس الحقيقة وتسطع أمامي كالشمس… يعاود الواقع البائس تهدئة روعي ..
كيف يسجد إبليس ؟
ألهذا الحد الحقيقة مؤلمة… .وتصفع كبرياء من نصبوا أنفسهم آلهة….
هنا تعود الكاتبة لترسم بكلماتها صورة جميلة جداً ..
وكأنها لأطفال يلعبون الغميضة اللعبة الشعبية البسيطة التي تحمل معها أجمل لحظات الطفولة…
مراوغة تتكرر ..وصراع بين العقل والواقع
بين الصواب والخطأ… لا ينتهي ..
دهشة تجتاح الأنثى الكاتبة والتي نطقت بلسان حال كل أنثى ذات عقل رزين بعيدة عن الغالبية السطحية من إناث هذا العصر…
واللواتي لهن الحظ الأوفر في مرارة هذا الواقع ..
فما تكونت السحب المبرقشة. لولا أنفاس خبيثة تتصاعد للأعلى لتعود مطر السوء الذي يخرج زرعاً خبيثاً… .
قلب الموازين وجعل من الحياة فوضى كل ما فيها خبط عشواء…..
في خاتمة النص تستسلم الكاتبة وقد أرهقها سير طويل بين جدران الذاكرة وأرض الواقع… .
وكأن جسدها خرقة بالية تخاط بإبرة صدئة ..
هنا الصورة بصيغة المبالغة المدهشة التي أوصلت لنا حال البطلة وما تعانيه من إرهاق جسدي هو نتاج إرهاق العقل والتفكير ..في إشارة ذكية جداً بأن الجسد فقط هو المرهق أما الروح فما نالها وصب ولا نصب….
ينتهي النص بكلمة آمين ..
وهي بمعنى استجب..
نهاية مفتوحة مدهشة متعددة التأويلات والاحتمالات…
قد يكون آمين لتغيير الحال للأفضل ..
آمين لراحة بتنا بأمس الحاجة لها…
آمين لكل ما في قلوبنا وليس كل ما في القلب يقال…..
نص مدهش أبدعت فيه الكاتبة المتألقة فوزية أوزدمير
وتفوقت على نفسها… .لتصبح كل أنثى عاقلة وتتكلم بلسانهن جميعا..
نجحت في اختيار المفردات والصيغ المناسبة لكل موضع
وبرعت جداً بالرسم بالكلمات ليصل إلينا رائعاً جداً…
متكامل معنى ومبنى… دون إسفاف أو ابتذال
ودون إسراف في اللغة ..
موسيقا هادئة وكأنها عزف ناي حزين ..
تعمدت الكاتبة كتم صرخاتها لتتجنب مراوغة إبليس والآلهة .
وهي ذات الفكر المتقد الغني عن سجود إبليس
ماذا لو آمنت ؟…
**********
النص للأستاذة المفكرة فوزية أوزدمير..
………
كثيراً ما شعرت كم فاتتني أشياء .. ?
أتسكع في حارات الذكرى
حدث مرات عِدّة
الأنبياء يصمتون
حين بعت أقراطي الذهبية ذات ليلة في السوق
بينما كنت أبحث عن طريقٍ للخروج من أرحام زوجاتهم
بواسطة نافورة فمي بين أكوام دمي ومائدة جسدي
مثل القصيدة التي كنت أكتبها في الحلم ..
كان الحلم رمادياً وقتها
نيئا ً..
أشبه بغانية
له وجوه ..
مثل صورة لوالدي حينما ناديته لم يستجب
ربما يكون كابوساً .. ؟
إنّ الزمن يطويني ويُعيد طيّي حتى تتلامس ركبتاي مع نهدي
أغلقُ كوني عليّ
أُطفئ ضوئي، واندسُّ تحت الغطاء
أتكور مثل جنين قبل خروجه للحياة
أحسُّ ..
شيئاً ما يندّس بين رجليّ ..
وحرير يتمرّغ يتمرّغ بين قدميّ يتلّوى نعسا ً
يطلب مني أن ألمه احتضاناً في لذاذةِ الانكماش
أحياناً يصحو الليل بداخلي ..
كمصباحٍ يبحث عن فراشة لا تنام
أحاول أن أضاجع الشمس ..
هذه المضاجعة الملوّنة
تدفع إبليس إلى السُجود
أظنُّ أن الآلهة كانت تلعب معي الغميضة
شيء ما في زوايا الرغبة .. !
شعور غير عادي وأقل ما يقال عنه أنه مدهش
ما هو إلا كتاب تركه مفتوحاً
سيد ٌغائب
في منتصف ليل سحب مبرقشة
من شقوق الموت
لا شيء غير الصمت..
جسدي خرقة بالية ،
تخاط بإبرةٍ صَدِئة
وتنتهي الصلاة بكلمة
– آمين – .. !!

اللوحة للفنان العالمي
” ليوناردو دافنشي “

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: