كتاب وشعراء

صاحبة المقام…..قصة قصيرة بقلم آية شكري

جلس رفاعي ابن الشيخ عمران أمام مقام السيدة نفيسة، ليحدثها بما يرهق روحه..كان شارد الذهن مهموم.. يفكر كيف اختار له والده ذلك الأسم “رفاعي” الذي لم يكن إلا محبةً ونسبةً للشيخ أحمد الرفاعي إمام الطريقة الصوفية الرفاعية، ولأن الشيخ عمران كان يحب زيارة الموالي، وحضور جلسات الحضرة مع والده منذ ان كان طالبًا في الإعدادية حتى أصبح شيخ الزاوية، ولم ينجب لعدة سنوات، فقام بالنذر إن انجب فتاه سيسميها نفيسة، وإن أنجب ولداً سيسميه رفاعي..
كانت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل وبعد اللف في شوارع القاهرة لساعات، ذهب رفاعي الي مسجد السيدة نفيسة، وكان يسود الصمت في المكان..اقترب رفاعي من المقام، وهمس بصوتٍ ضعيف خافت “يا نفيسة العلم يا ام العواجز يا طاهرة، دليني، اهديني، ارشديني” ثم غفا غفوة لا يدري كم مدتها، فإذا به يرى السيدة نفيسة بثوبها الأخضر، تمد له يديها بكوب من الماء وقالت له:”اشرب يا رفاعي واغسل همومك” فشرب حتي ارتوي…ثم فتح عينيه ليجد قطة تقف بجانبة و تنظر إليه، وقال: “مدد يا ستنا مدد … مدد يا اهل البيت”، صلي ركعتين وعاد الي منزله في حي الإمام الشافعي أحد احياء مصر الشعبية، ووقت دخوله الي الحارة داهمه الوخز المعتاد الذي يشعر به في قلبه، وشعور بالخنقة في صدره، وقبضة في قلبه جعلت الدنيا وما فيها امامه مثل سم الابرة.. واثناء دخوله الحارة التي يسكن فيها بدأ التركيز على كل شئ صوت النرد في صندوق الطاولة، أو النَّرد وهي لعبة مشهورة في البلاد العربية، صوت الماء المتأجج في الشيشة، اصوات الجالسين على المقهى، ونظر للساعة وقال في نفسه: “الناس دي ما بتنمش، ربنا يرحمنا ويتوب علينا بقى من سكنة الحواري” وبدأ أصدقاء المقهى ينادونه”تعالي يا رفاعي اغلبك عشرتين طاوله وحاسب على المشاريب، ولا خايف تاخد مخالفة على التأخير؟” وتعالت الضحكات فابتسم رفاعي وقال:”عندي شغل بدري خليها مرة تانيه” رد عليه جارة:” كل سنة وانت طيب، شغل ايه احنا عيد”، كان رفاعي يعمل مدرساً خصوصياً للفلسفة، الي جانب مهنته الاساسية في الشهر العقاري، فقال رفاعي:”اهو بنقلب رزقنا، عندي شغلانه كده” قال جاره:”ايوة بقى يا رفاعي ماشية معاك واللي اداك يدينا يا سيدي واياكش تُرزق … ما تشوف لنا معاك عشرينايه كده يا زميل” قال له رفاعي: “والله لو معايا ما اتأخرش” قال له جاره:”ايوه المدام مقشطاك اول بأول مش مسيطر انت”، وتعالت الضحكات…
كان رفاعي يكره دخول الحارة بسبب “واصلة كل ليلة” وهذا ما كان يسميه، حيث كان حديث جيرانه يشير ان رفاعي ليس رجلاً شرقياً في بيته وانه يخاف زوجته..
دخل بيته على أطراف اصابعه كاللص، كان لا يريد ان يوقظ أحد، فقد كان يعيش مع والدته بعد وفاة ابيه الشيخ عمران، ومعه زوجته نعمة التي أنجبت له أربع بنات، الكبري هانم علي اسم والدة زوجته 18 عام، ونحمده علي اسم والدته 13 عام، ثم التؤام البالغتين7 سنوات فرح ومرح، كلما كان ينظر الي بناته كان يتذكر السبع العجاف وهي عدد السنين التي عاشها مع زوجته منذ ان عاد الي مصر، ففي الأعوام الأولي من زواجه كان يعمل في ليبيا، لكن نتيجة الثورات والظروف الإقتصادية قرر الأستقرار في مصر، خاصةً بعد وفاة والده ومن هنا بدأت المشاكل… كان زواجه تقليدي أو كما يسمي في مصر “زواج الصالونات”، لم يكن لرفاعي اي علاقات قبل الزواج ولم يكن يعلم كيف يعامل الجنس اللطيف وبالطبع بعد السبع العجاف في زيجته علم أن أسطورة الجنس اللطيف فقط في الأفلام والروايات، فالمرأه من وجة نظره هي الجنس الشرس، ومثل معظم المغتربين جعل لأمه وخالته الولايه في أختيار الزوجة… ينزل اجازة لمدة اسبوع للخطبه ومن بعدها اجازة اخري لمدة شهر للزواج، وفي ذلك الوقت لم يكن هناك وسائل التواصل الاجتماعي كما في ايامنا هذه.
بدأ السبع الشداد العجاف علي رفاعي منذ ان عاد الي مصر، وضاق به الحال ولم يجد فرصة عمل حقيقة بمرتب يمكن ان يوفر لعائلته معيشة رغدة كما كانت من قبل، عندما كان يعمل خارج مصر مدرس فلسفة.. استطاع ان يعمل كاتب بالشهر العقاري بعد ان توسط له جاره عم ايوب صديق والده، لكن الراتب لم يكن كافياً، فاضطر ان يعمل مدرس فلسفة لطلبة الثانوية العامة، وأحيانا كان يساعد طلاب الجامعة في رسائل الماجيستير و الدكتوراه..
وفي يوم قرر ان يقدم علي الماجيستير ولكنه لم يوفق، ثم اقترح علي احد طلابه ان يتبني موضوع الرسالة التي كان يتمني ان يقدمها، وموضوعها عن “نظرية خضوع الغنم عند الذبح بعكس الابقار والثيران وعلاقتها باستسلام بعض البشر او من يسمونهم بالخراف”، لكن تلميذه رفض الفكرة، هنا قرر رفاعي ان يقوم بكتابة الرسالة حتي وإن لم يقدمها، ربما كان يريد ازاحة الصعاب والخروج من حالة اليأس، بأن ينغمس في شئ يحبه، أو ربما لأنه كان يعتقد أنه أحد تلك الخراف..لانه كان منساق كالقطيع ولم يكن لديه الأختيار في اشياء كثيره في حياته، ومن ناحية أخرى سيطرة زوجته سليطة اللسان، مما جعل الناس وأولهم أمه تقول له:”مراتك اكيد عملالك عمل دا انت بقيت مداس في رجلها يا ابني، ابوك كان راجل من ضهر اجل لكن انت طالع لمين؟”
وكان رفاعي يقرأ الدراسات المختلفة عن الغنم أو الضأن محاولًا معرفة سر خضعوهم وصمتهم عند الذبح!!! واثناء بحثه وجد مادة علمية اثارت شغفه، وهي إحدى كتابات الكاتب والمؤلف “توماس هريس” صمت الحملان – رواية تحولت الي فيلم واخذ يبحث عن سر تسمية الرواية بهذا الأسم، فلفت انتباهه أكثر من عامل اثناء قراءته عن “هريس” اولهما تاريخ ميلادهما وهو “11 ابريل” مما يجعل الاثنين نفس البرج “برج الحمل”، وايضا عند قراءته عن شخصية هاريس الحقيقية وجد انه كان شخص انطوائي، لديه صديق واحد وايضا يحب الكتافه مثل رفاعي … هل هي مجرد صدفة ان تكون كل تلك الصفات موجودة في رفاعي؟! وتشابهه اللافت للنظر مع هريس!! واصبح رفاعي مولعاً بأسلوب هريس في الكتابة، وكيف استطاع التنوع في السياقات الخاصة بالحبكة الدرامية لرواياته، علي الرغم من استخدام نفس الشخصية: “هانيبال”،
مما اثار جدل واسع النطاق بخصوص رواياته بداية من “الأحد الأسود” وانتهاءً ب “تمرد هانيبال”.
كان رفاعي يسعى لإثبات أن الخراف ليست غبية، ولا مستكينة كما كنا نظن، ولا يجب ان تلام الاغنام علي الاستسلام فهناك من البشر من يستسلم نتيجة للياس وخيبة الأمل والمفاجات المتكررة، كان يرى أن نظريات التطبيع في عالمنا هي السبب في عدم النظر للتعديل من نظريات قديمة عفا علنها الزمن، ولا يحاول الناس حتي فهم اصل المنشأ لأي كلمة، او صفة، او لفظ، فقد كان الناس يلقبوا رفاعي بالخروف لأنه لا يضرب زوجته و لا يثور عليها، خاضع ويملكها زمام الأمور ويعطيها كل راتبه، كان من وجهة نظر رفاعي انه يفعل ذلك لأنه لا يطيق المشاجره فتواجده في المنزل هو بضع ساعات قليله، لا يريد ان تكون تلك الساعات حرب شعواء من اجل بناته ومن اجل والدته مريضة الضغط والقلب، كان يعلم جيدًا ان الشجار ربما يئول بهما الي طريق مسدود ينتهي بالطلاق و هو لا يريد تفكيك الأسرة، وليس لضعفه كما كان يرى الجميع، اما بخصوص اعطاء كل الراتب لزوجته فلأنه غير متواجد طوال اليوم لكسب هذا الراتب، اما الزوجة فيسمونها ربة المنزل لانها من تدير المنزل دون الرجوع إلي الزوج في القرارات المتعلقه بالروتين اليومي…اصدقاؤه أطلقوا عليه الخروف لأنه رفض ان ينزل الانتخاب ليدلي بصوته، لأنه يرى ان النتيجه معروفه ولن يؤثر صوته فيها، اما عن خناقات الشوارع فيتجنبها ليس لأنه ضعيف البنيه و لكن لأنه لا يحب العداوات وخاصة بعد ان تسبب دون قصد في تشوه أحد زملائه بعد ان رماه بالبرجل، وترك الجرح نتوء جسدي.
كان رفاعي معروفاً في مدرسته باسم “رفاعي الله يسامحك” والآن ترقي اسمه الي “رفاعي الخروف” ويري ان الناس قد تركوا معني كلمة ربة المنزل وتركوا السلام والمعاملة بالحسني وركزوا فقط علي معني كلمة خروف، التي يرجع معناها الي القرن الثامن عشر، حين قال جورج واشنطن، أحد مؤسسي الولايات المتحدة الأمريكية: “لو سُلبنا حرية التعبير، فقد نساق بُكما وأغبياء كما تساق الغنم إلى المذبح والآن يوصف من ينقاد وراء غيره دون تفكير بأنه مثل “الخروف”. وحتي في بالرجوع إلى قاموس المصطلحات العامية للغة الإنجليزية، هناك تعريف آخر لكلمة خروف، وهو “الشخص الذي لا يرجى منه خير”
واثناء البحث وجد رفاعي المقال الذهبي والذي دعم نظريته وقد تم نشره في وكالة الأنباء العالمية “البي بي سي” وكان مطلع المقال ان الخراف من أكثر الحيوانات التي يُساء فهمها على وجه الأرض، ففي الحقيقة ان الخراف على قدر مدهش من الذكاء، وتتمتع بذاكرة وقدرات إدراكية مذهلة، إذ يمكنها أن تقيم صداقات، وتساند بعضها بعضا في المعارك، وتحزن عندما يؤخذ أقرانها للذبح. وقال الباحثون: “كما هو الحال مع البشر، شعرت الخراف باليأس بسبب المواقف التي قيّمها الباحثون بأنها كانت مفاجئة، وغير مألوفة، وخارجة عن السيطرة. أما الملل، فكان ناتجا عن البيئة الرتيبة”.
وتكرار الفعل نفسه بنفس النمط والأستدامة
وبعد قراءة المقال بدأ رفاعي في ربط الخيوط بعضها البعض مع رواية “صمت الحملان” والذي يصور “البراءة تواجه عقلا نيتشويًا
حيث ان فرضية رفاعي البحثية تنُص على ان هناك علاقة تشابه دالة احصائيًا بين تصرفات البشر وسلوك الحيوان عند التعرض لنفس المجموعة من الضغوط والمثيرات، وتذكر انه قرأ مقال للدكتور نورس كرزم عن سبب اختيار اسم الرواية من وجة نظر علم النفس التطوري، وانه يري ان اسم الفيلم (صمت الحملان) كإشارة إلى حادثة وقعت في طفولة المحققة، يتم اكتشافها بمساعدة الدكتور هانيبل اثناء التحقيق معه.
بدأ رفاعي في تحليله الشخصي وهو دراسة الغنم بشكل ادق ووجد انها من الثدييات التي يربيها الانسان للحومها وجلودها والبانها وعلى الرغم من رأي منظمة الأغذية والزراعة بالولايات المتحدة الأمريكية ان لكثرة أعداد الغنم، فإنها تعد من أكثر الكائنات إضرارا بالبيئة. إذ أن استخدامنا للغنم يسهم في إتلاف الغابات وفي التغير المناخي، وقد يؤدي إلى نقص موارد المياه العذبة …
وكان رفاعي يرى ان “بافالوبيل” القاتل في رواية صمت الحملان، كان يقتل ضحاياه في ثلاثة ايام، حيث يترك الضحية دون طعام ليسهل سلخها كما تسلخ الشاه، ويمكن لسلوك الانسان ان يتماشي مع سلوك الحيوان جنبا لجنب حيث يتصرف بعض البشر كالحيوانات المفترسة والأخرون مثل الحيوانات المسالمة مثل الحملان…
كان رفاعي يحب تدخين الحشيش فوق سطح المنزل وكان يحب أن يتأمل القمر وبذلك كان يخرج لبعض الوقت عن عالمة المليء بالأعباء والضغوط، لكن كان لابد من توفير بعض المال لجهاز ابنته الكبري هانم، فيذهب كل ليلة للمقام عله يخفف ما يعانيه من اعراض انسحاب الحشيش، فما كان يدخنة من الحشيش ليس صافيا بالتأكيد وهو ما جعل الامر صعبا، في البداية ذهب لأحد اصدقائه الصيادله بقائمة من الأدوية التي تخفف أعراض الانسحاب، لكن صديقه قال له انها لا تصرف الا بواسطة طبيب.. ووجد رفاعي ان شفاءه أصبح في زيارة المقام كل يوم ليلاَ والدعاء عند أم العواجز، ومن وقت ان رأي السيدة نفيسة في المنام بكوب الماء لم يعود ابدًا حتى لتدخين السجائر وكأنها المعجزة…وعندما انتهي من كتابة الرسالة وجد انها اشبه برواية اكثر من كونها بحث، ثم بدا بالتعديل فيها واضاف الحوار وأضاف جزء من حياته، كان يذهب الي مقهي في وسط البلد بالقاهرة حيث كان يذهب الفنانين والكتاب، وفي احد الايام جاء شخص ووقف امامه وقال له:”السلام عليكم” قال رفاعي:”وعليكم السلام” قال الرجل: “هل لي ان اجلس” احتار فيه رفاعي وقال للرجل:”اتفضل” ثم اخرج الرجل من جيبه كارت ليعرفه بنفسه فأخذ منه رفاعي الكارت وقال للرجل:”تشرفنا”…. “انا اللي ليا الشرف، انا اسمي مكرم زي ما موجود عند حضرتك في الكارت وشغال صحفي في روزاليوسفر، نحن نبحث عن مواهب جديدة، ولفت نظري أنني أراك كل يوم تأتي الي هنا وتطلب كوب قهوة ثم تغوص بالساعات في كتاباتك و اريد ان أقرأ ايا من كتاباتك ان سمحت لي بذلك
” لمعت عيون رفاعي وقال في نفسه مدد يا اهل البيت مدد وقال للرجل:”اكيد طبعا دا انا يشرفني اسمع رأي حد في كتاباتي
صراحة انا بكتب لنفسي بقالي فترة وعمري ما تخيلت ان هايجي يوم وحد يقرأ كتاباتي” قال له مكرم:”في عندك حاجة جاهزه معاك دلوقتي؟” قال رفاعي: “انا معايا رواية بعتبرها بنت من بناتي اخر العنقود بنتي الخامسة ((وهل يضر الشاة سلخها بعد ذبحها)) قال الرجل:”ربنا يخلي لك بناتك …طب انا جنبك هنا هقرأ اول كام صفحة لو شدتني يبقي تيجي تقابلني في المكتب نتكلم في التفاصيل”
ابتسم رفاعي وأخرج رزمة من الأوراق من شنطته البالية واعطاها للرجل، اخذ الرجل يقرأ دون توقف وقال لرفاعي: “لولا عندي ميعاد كنت ما مشيتش غير لما خلصتها، متأكد ان دي اول كتاباتك!!. بكره هستناك في المكتب الصبح ما تتأخرش كارتي معاك … سلام” اغمض رفاعي عينيه و تخيل السيدة نفسية بكوب الماء وهي تقول له: اشرب و اغسل همومك يا رفاعي وقال رفاعي ياما انت كريم يا رب وحنين علي الغلابة ياما انتِ حنينه يا طاهرة … ندر عليا لو روايتي اتباعت لأكل كل حبايبك لحمة”
وفي اليوم التالي ذهب رفاعي الي الجريدة وأخذ أول شيك بمبلغ كبير وأول شئ فعله ذهب لحبايب السيدة واطعمهم و دخل المقام ليحكي ويشكي همه، لأنه يعلم أن الله يسمع ويري وردد سراً “مدد يارب مدد بحق حبك لآل البيت”
Rehab Zied
Rehab قام بالإرسال اليوم، الساعة 1:45 ص

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى