كتاب وشعراء

الغول نحن من نصنعه . بقلم الباحثة هاجر منصوري

هاجر منصوري: باحثة في الدراسات النسويّة وتحليل الخطاب الديني حول النساء

بصرف النظر عمّا ستؤول إليه الأحداث في تونس ما بعد 25 جويلية 2021 ، من مواصلة تجميد مجلس النواب ومحاسبة كلّ من ثبت من أعضائه تورّطه في شبهة فساد أو هو الفساد عينه بما يحمله من رؤى وبرامج حزبيّة ضيقة، فتكون كلّ الإجراءات في صميم مأمول الفئات المهمّشة والمقصيّة والعاطلة والمعطّلة في تونس أو أن تتبخّر كلّ هذه الإجراءات من خلال “رسكلة المرسكل” دون الخروج عن” السيستام” الفاسد برمّته، فالوضع بين هذا وذاك ما يزال يتأرجح. والثابت بينهما أنّ حصاد ثورة 2011 على مدار العشر سنوات الماضية كان هزيلا وفظيعا لا يرقى إلى مستوى الحدث التاريخي، إذ تلاعبت بنا الطغمة الحاكمة وتحالفاتها تلاعبا ديمقراطيّا كنّا نخال معه أنّنا قطعنا دابر الدكتاتوريّة وأنّه قد آن للتونسي/ يّة أن يعيش كريما عزيزا في وطنه، والحال أنّنا أنشانا مسخا من الديمقراطيّة، أعدنا من خلالها بناء دكتاتوريّات إسلامويّة ومافيوزيّة متحالفة في كنف الديمقراطة..أمقدّر علينا في تونس وغالب البلدان العربيّة أن تتمخّض ديمقراطياتنا عن مسوخ تحمل العناء والشقاء لشعوبها.
وعليه فالراسخ الذي لا مراء فيه أنّ اللاعب الحقيقي في هذه الأيّام القادمة هو شعبنا التونسي ولنقل الفئة التي تحسن تعقّل الأمور وتفصل بين الحزبيّة المقيتة والواجب الوطني. وهذا اللاعب عاش بالملموس لسنوات طويلة مع ” الغول” غول الدكتاتوريّة المتمثّل في ابن عليّ ورهطه ثمّ أتيحت له فرصة أن يعيش حرّا وكريما وعزيزا ولكن جابهه غول آخر هو غول الحزىبيّة الإسلامويّة المتمثّلة في راشد الغنوشي بنهضته ورهوطها. ولا يخفى علينا أنّ ” الغول” وهو في لسان العرب يرد بمعنى” كلُّ ما أَخَذَ الإِنسانَ من حيث لا يدري فأَهلكه، والجمع أَغْوَالٌ، وغِيلانٌ”، يتكاثر إلى غيلان عديدة، وإذا بها تستحوذ على المشهديّة المجتمعيّة برمتها، سواء كان المشهد اجتماعيّا أو ثقافيّا أو اقتصاديّا أو سياسيّا. وتكشّف لنا جميعنا في مناسبتين أنّ الغول يمكن ألاّ يكون وأنّه إذا وجد فنحن الذين/ اللواتي نصنعه.
فالغول الاجتماعي، نصنعه حينما نشرّع في حياتنا اليوميّة ونظمنا الاجتماعيّة لأشكال التمييز المتعدّدة سواء على مستوى الجنس أو اللون أو العرق أو الدّين… إلخ. وقد لا نكتفي بمجرّد التشريع لها بل نضخّها بنار الذّهنيّة الذكوريّة المتحكّمة في شعوبنا العربيّة فنضاعف من قهر الفئات المهمّشة وخاصّة النساء، قهرا بعد قهر بأنواعه الماديّة والرمزيّة في الفضاءات الداخليّة والخارجيّة..
والغول الثقافي والفكري، نصنعه لمّا ندين بمرجعيّة واحدة منغلقة على نواة خانقة إمّا نرجع فيها لأصول وقياسات اجتراريّة تتغذّى ممّا قاله الأوّلون وصاغه السلف القوّامون وتمرّرها بالرضاعة الفكريّة إلى أجبال وأجيال ترفض الجدّة والحداثة التي تتمعّش من مخرجاتها الماديّة وتتبجّح بها في حين ترفض التفاعل مع العقل الذي صاغ هذه المخرجات وابتدعها، أو أن ننفتح فيها بالكليّة إلى الآخر دون “تبيئة” للمفاهيم المعاصرة وتنزيلها في ثقافتنا العربيّة بما لا يجعلنا في قطيعة تامّة مع موروثنا.
والغول الاقتصادي، نصنعه لمّا تنخرط مشاريعنا التنمويّة في أحضان الرأسماليّة المتوحّشة، فتغرّنا ظاهر بعض العلاقات الدولية ولكن في باطنها يكمن فكر توسّعيّ رأسماليّ يشتغل آنا بالحرب، وفي حالات أخرى بالهيمنة عن طريق الوكالة أو التدخّل الصريح فى مجالنا الاجتماعى الداخلي. ولا يخفى علينا أنّ تونس في سياستها الاقتصاديّة لم تحد عن مواصلة تصدير منتجاتها ذات القيمة المضافة المنخفضة مثل زيت الزيتون أو المنسوجات أو الفسفاط، وغيرها… وهذه السياسة الاقتصاديّة من شأنها أن تساهم في خلق خلل هيكليّ في الميزان التجاري والضغط بشكل كبير على قيمة العملة، ممّا يخفّض من قيمة الدينار التونسي، وكلّما زادت تكلفة الواردات زاد حجم التضخّم. وهذا بدوره يؤدّى إلى ارتفاع الأسعار التي ألقت بظلالها على القدرة الشرائية للتونسيين.
وأمّا الغول السياسي، فنصنعه عندما ننتخب من يمثّلنا في المجالس النيابيّة والتشريعيّة والرئاسيّة لمجرّد ما يضخّوه من أموال في حملاتهم الانتخابيّة للناس دون أن يكون لهم برامج انتخابيّة مجتمعيّة وسياسيّة واقتصاديّة إجرائيّة وواضحة. وقد يتمعّش هذا النوع من الغول من خوفنا، فيقسّمنا إلى أطياف، وعوض أن نشتغل جميعنا على مقاومة الفقر والتخلّف والمديونيّة التي عشّشت فينا نوجّه مقاومتنا لبعضنا. وما وقع لتونس في هذه العشريّة خير دليل على ذلك واقعا وافتراضيا، إذ بات لكلّ طائفة سياسيّة جيشها الواقعي والافتراضي الخاص بها.
وفي الخاتمة، لا يسعنا إلاّ أن نؤكّد على أنّ الأقدار وضعتنا بالصوت والصورة أمام كذب أصحاب الإسلام السياسي ودعاته ونفاق أصحاب” السترات المقلوبة” ورؤوس أموالهم. وللعاقل منّا أن يحكّم الواقع ولا أن يظلّ رهين انتمائه وولائه الأعمى، وهي فرصة أن نعدّل بوصلتنا جميعنا نحو إخراج تونس من النفق الذي وضعنا فيه جميع غيلان ما بعد ثورة 2011. ونحتاج في ذلك إلى رجال ونساء مختصّين/ات نستنير بخبراتهم/ هنّ، وأمّا الوطنيّة فتلك من تحصيل الحاصل حتّى لا نباع ونشترى أكثر من مرّة… ولا ننسى دائما وأبدا أنّ الغول نحن من نصنعه .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى