صالح بن سالم يكتب :تأملات في تجربة الإسلام السياسي … تونس نموذجا ..!

◼ على مدى عقود من الزّمن و نحن نسمعهم يقولون إن الإسلام هو الحلّ، و عندما سنحت لهم الفرصة ليحكموا، وجدنا أمامنا منظومة فاشلة لا تمتّ للنجاح بصلة – ليس بسبب الإسلام – بل لأنهم نموذج حقيقي للفشل المزمن، حيث أنهم إعتبروا اعتلاء سدّة الحكم فرصة لا تعوّض للتّمكين للجماعة، و ليس لخدمة الوطن شعبا و أرضا و ثروات و سيادة، فانهارت الدولة و سقط الشعب في هوة سحيقة من اليأس و الفقر و البطالة و المرض، أصبحوا بذلك عائقا طبيعيا أمام أي نجاح محتمل لتونس في مسارها الديمقراطي، سطوا على ثورة شباب تونس و سرقوها في وضح النهار، إنحرفوا بمسارها إلى طريق آخر لا يمت بصلة إلى شعارات الثورة الرئيسية (شغل، حرية، كرامة وطنية…) ، وجهوها إلى مسائل هووية، قسموا الشعب إلى مؤمنين و كفار، خوارج و أنصار…!
جاؤوا بفكر طوباوي يحلم بإقامة الخلافة الإسلامية، فكر تجسد خارج المجال الوطني في مؤسسات متخلفة مستبدة تقهر الإنسان وتقتل كل إمكانية للإلتحاق بالمدارات الكونية، إحتلوا مساجدنا وكونوا نواة لمجتمع مواز باسم الدعوة إلى الدين والأخلاق الحميدة ، استعملوا الجمعيات والدروس الدعوية بالمساجد والخطب المنبرية للوصول لمآرب أبعد ما تكون عن الدين، إضافة الى الجامعات و داخل العائلات التي قسموها إلى مؤمنين وكفار ومتحجبات و سافرات متسترين بالدين باسم الرب وشريعته ، هاجموا إتحاد الشغل،
وعادَوْا قياداته و قواعده، عملوا على التغلغل فيه وتخريبه من الداخل لتحويل وجهة الصراع الاجتماعي، و حين فشلوا، كونوا نقابة إسلامية موازية هرولت إليها شرذمة من أتباعهم من عمال القطاعين الخاص و العام،
عملوا على اختراق أجهزة الدولة وسكنوا مفاصلها الحساسة، مثل وزارة الداخلية و وزارة الدفاع وغيرها من الوزارات السيادية، شددوا قبضتهم على رقاب معارضيهم من خلال سيطرتهم على الجهاز القضائي، تمكنوا من شل البلاد و العباد و الإقتصاد و استكرشوا و استثروا في زمن قياسي،
تغيرت ملامحهم و عقاراتهم و سياراتهم و تذوقوا ملذات من سبقهم فتعلّقت هممهم بالسلطة و النفوذ معتبرين البلاد غنيمة وهبتها لهم العناية الإلهية، لهم مغنمها و على الشعب مغرمها، فشلوا في الحفاظ على نقاوة الإنتماء للإسلام بما يعنيه من استقلاليّة و عزّة و كرامة و ندّية تجاه الأمم المتقدمة و من توفير للسّكينة و الطمأنينة، لم يستبطنوا من الدين إلا التّحريم و التّكفير، لم يتقنوا إلا الخراب فالبناء يربكهم، يعتقدون أنهم بتخريبهم للدنيا يعمرون الآخرة على نهج الفكر السلفي، بل إنهم لا يؤمنون أصلا بالديمقراطية، لأنّ الديمقراطية ليست مجرد شكليات بقدر ما هي إيمان عميق بقيم المواطنة الحقّ على أساس الحقوق والحرّيّات الجماعيّة والفرديّة دون قيد انتماء أو شرط هويّة.
لا ينظرون إلى الآخر المختلف إلا بعين الإرتياب و الإقصاء و الإستبعاد،
يدّعون الثورية و الطّهورية و هم الذين قبلوا، و بدون أدنى تحفظ، بالشروط الأمريكية الثلاثة للوصول لسدة الحكم :
1- التطبيع مع الكيان الصهيوني
2- الإنخراط في نظام السوق العالمي
3- و القبول بهيمنة صندوق النقد الدولي على المالية و الإقتصاد.
منذ لحظة تسلمهم السلطة، إنطلقوا في تنفيذ خطة معدّة بإتقان لتفتيت الهوية التونسية و تدمير الدولة الوطنية للرجوع بها إلى ما قبل الدولة، و تسهيل الإنتقال إلى دولة الخلافة الموهومة …!
عشر سنوات كانت كفيلة أن تقصم ظهر تونس، و من قبلها ليبيا و سوريا و السودان و العراق و الصومال و أفغانستان…..، و تنهيها اقتصاديا و سياسيا، و أن تبرهن للعالم أن : الإسلام السياسي همّ عالمي مقيم.

التيّار الإخواني لا يملك في الواقع أيّة حلول عمليّة، فهم يرون أن أيّة مشكلة سببها إمّا المعارضون الذين هم أعداء الإسلام و حلّها الجهاد في سبيل الله للقضاء عليهم، أو أنها إبتلاء من اللّه و في هذة الحالة علينا بالصبر و الدّعاء للحاكم و تقبيل الأيادي المرتعشة !!
لم أقرأ جملة أدقّ وصفا من تلك التي كتبها المفكر ثروت الخرباوي القيادي المنشق عن جماعة الإخوان في مصر و مؤلف كتاب “سر المعبد”، حيث يقول مخاطبا أولئك الذين يعتقدون أن الإخوان جماعة ملائكية نورانية : “..إن الجماعة هي القاطرة التي تجر العالم العربي و الإسلامي إلى الوراء..”

بيد أن إخوان تونس، و الذين أضحوا ينكرون أصلا إنتماءهم الفكري و العضوي و التاريخي للتنظيم الدولي للإخوان، أثبتوا بما لا يدعو مجالا للشّك أنهم غير قادرين على التكيّف و الإندماج، و لا على قيادة البلاد و إدارة شؤون العباد بسرديّة جميلة تصل بنا إلى العدل و النموّ و السموّ و إدارة الدّيمقراطية بشكل نموذجي و معياري.
بالمحصّلة، نظام حكمهم لم ينتج إلا الفوضى و العمليات الإرهابية و انهيار الدولة و سقوطها في مخالب المديونيّة و تنامي الفساد و تغوّل العائلات المتنفّذة، مما أنتج أقلّية فاحشة الثّراء و أغلبية تحت خطّ الفقر، علاوة على مكافأة نهاية الخدمة متمثلة في اغتيالين سياسيين من الحجم الكبير …! و أخيرا و ليس آخرا، عشرون ألف روح أزهقت بسبب إدارتهم الكارثية لأزمة جائحة كورونا !
إلا أنهم و برغم كل ما سبق ذكره، و إثر القرارات التي إتخذها الرئيس في الذكرى 64 لعيد الجمهورية، يتحدثون عن الإنقلاب..! و يدعون خوفهم من ضياع الثورة و المسار الديمقراطي، و في الواقع خوفهم الحقيقي إنما هو على ضياع امتيازاتهم و نفوذهم الذي مارسوه طيلة عشر سنوات،
منحتهم قرارات الرئيس فرصة أخرى لتعديل مواقفهم لكنهم تشبثوا بالمكابرة و الإنكار و الإستقواء بالأجنبي، إما خوفا من المحاسبة الحقيقية أو تمسكا بامتيازات زائلة غنموها خلال فترة حكمهم،

تونس، بفضل الله، تدخل الآن مرحلة جديدة من الثورة عنوانها الإنتقال من متاهة التوافقات المغشوشة و الأزمات الخانقة إلى فضاءات البناء الوطني، مرحلة جديدة قاعدتها المشروع الوطني السيادي الديمقراطي في كل أبعاده، مرحلة تعتمد فيها البلاد على شبابها و قواها الوطنية بعيدا عن منظومات الفساد و التكفير و التغول.

عن العربي اليوم

شاهد أيضاً

عصام البوهلالة يكتب: القضاء تحت المجهر

  إن المادة 201 من قانون العقوبات العراقي تنص بما يلي: (يعاقب بالإعدام كُل من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: