الإثنين , سبتمبر 20 2021

فراج إسماعيل يكتب :”مزامير داود” في أفغانستان

خرج آخر جندي أمريكي من أفغانستان وتركوا وراءهم آلاف المركبات والمعدات العسكرية الحديثة، بعضها طائرات مروحية متقدمة، ظهر جزء منها في مطار كابل بعد رحيل القوات الأمريكية وتسليمه إلى طالبان.
في اللحطة الأخيرة.. وبينما تتهيأ قوات النخبة لتكون آخر المغادرين، توجه اثنان من عناصرها لمصافحة الحرس الطالباني، كانت مصافحة تعبر عن انتهاء الوجود الأمريكي الذي استمر 20 عاما.
في اللحظة نفسها كانت طالبان تطلق أعيرة الانتصار في سماء كابل.
لكن الانتصار الحقيقي لم تطلق أعيرته إلا حين تثبت الحركة التي تبسط سيطرتها حاليا على كل أفغانستان ما عدا وادي بنجشير، أنها أصبحت حركة براجماتية، قادرة على الوفاء بتعهداتها الدولية.. وأن حكمها لأفغانستان لا يعني استعادة العصور الوسطى.
والحقيقة أنه تحد بالغ الصعوبة.. هناك جناح مؤثر في الحركة يقاوم التحديث ويتشدد بخصوص ما اتخذته الحركة ثوابت في السابق لا تقبل المناقشة.
وهناك حلفاء حاربوا معها، يرفضون أيضا التراجع خطوة واحدة لكسب التأييد الدولي، إضافة إلى صعوبة التعامل مع جيب وادي بنجشير معقل عدوهم اللدود أحمد مسعود نجل القائد الجهادي السابق ووزير الدفاع في آخر حكومات المجاهدين أحمد شاه مسعود.
خلال دولة طالبان الأولى لم تستطع طالبان اقتحام الوادي الذي يتحصن وسط تلال ومرتفعات جبلية ضيقة، ولا يربطه بباقي أفغانستان سوى طريق صعب يمر بنفق، وأقصى مايمكن فعله معهم هو محاصرتهم من بعد هذا النفق، وهو مافعلته طالبان في السابق، لكن الحصار الكامل مستحيل، إذ كانت الإمدادات الغذائية والطبية وغير ذلك تأتيهم من الجو. ربما يتغير الوضع مع طالبان الثانية إذا استطاعت التعامل مع المروحيات والمسيرات التي خلفتها القوات الأمريكية.
الاقتصاد.. حرب أخرى شرسة. المصارف مغلقة تماما منذ اسبوعين. لا يستطيع أفغاني سحب أموال من ودائعه للانفاق على حياته. التجار عاجزون عن فتح متاجرهم بسبب ذلك. السلع الضرورية اختفت من الأسواق.
ويبقى التحدي الأكبر والأعظم. نزع الخوف من القلوب، ذلك الذي جعل لاعب المنتخب الأفغاني زكي أنوري يسقط من الطائرة الأمريكية التي تعلق بها ويلقى حتفه، وجعل اليوتيوبرز المعروفة الشابة نجمة صديقي تبث آخر فيديو تودع من خلاله الأمل في حياة آمنة، وتفر مع شقيقها وابن عمها إلى المطار، حيث قتلوا جميعا في التفجيرين الانتحاريين الأخيرين.
الخوف الذي جعل المطربة الشهيرة اريانا سعيد تفر إلى الدوحة على متن طائرة عسكرية أمريكية لأن الأغاني لم تعد ممكنة كما قالت في آخر فيديوهاتها قبل الخروج.
أكثر من ذلك… عشرات الأفغان الذين اشتهروا على شبكات التواصل الاجتماعي مثل يوتيوب وواتساب وانستجرام وفيسبوك سعوا لحذف حياتهم الرقمية السابقة مخافة أن يتعرضوا للعقاب، ومنهم المغنية صديقة مددكار التي كان لديها 182 الف متابع على انستجرام، وكانت قد نالت شهرة كبيرة بعد مشاركتها في برنامج المسابقات التليفزيوني قبل طالبان الثانية “أفغان ستار”.
على طالبان الجديدة إثبات أن الأغاني ممكنة. الحياة ممكنة. تعليم النساء اللاتي يشكلن نصف السكان ممكن.
عليها إثبات أنها حركة مختلفة عن تلك التي عرفها العالم في آواخر التسعينيات.
هذا هو الانتصار الحقيقي الذي ينتظر طالبان. غير ذلك سيقول العالم آسفا “على من تقرأ مزاميرك يا داود”.
٤

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: