الإثنين , سبتمبر 20 2021

مقدمة في كتاب ” فلسفات على حافة الروح” للشاعرة تغريد بو مرعي بقلم الناقد الحهبذ سيد فاروق

مقدمة رائعة و دراسة كاملة شاملة كما نسيم الصباح وندى الأزهار قدمها لنا الشاعر القدير والأديب الأريب والناقد الحهبذ Sayed Farouk لكتابنا الجديد ” فلسفات على حافة الروح”.
فلله درّ الجمال عندما ينسحب من بين أنامل أستاذ مختص وناقد أكاديمي فذ تسلّل بهيبته وجلاله إلى فلسفة الروح فرفع الستار عن خباياها وخفاياها و تناول بالدرس والتحليل كل تفصيلة من زواياها فأغدق عليها من علمه بالحرف والدراية ما أصابني بالدهشة لتتطابق تحليل الناقد المبدع سيد فاروق مع النصوص و تماهي ملاحظاته مع الواقع الذي أتى بهذه القراءة إلى النور …
فشكرا وألف شكر على جميل العناية وكرم العطايا…

__________

ثقافة المعنى التخيلي وفلسفة المضمون الواقعي
قراءة نقدية في تجربة نصوص النثر للكاتبة تغريد بو مرعي
بقلم سيد فاروق
***********************
توظئة
***

هناك أكثر من عيار للشعر، مثل الوزن والقافية وعدد التفعيلات، وغير ذلك من المعايير التي تحكم بناء القصيدة، وغالبًا ما تكون القصائد مركبة من صور وتؤكد على الأوصاف البصرية، بما في ذلك الاستعارات،

في حين أن النثر يميل إلى التركيز للسرد والذي يركز على جوانب أخرى وهي التي تخص مادة القص مثل الشخصيات والحبكة والحدث وما إلى ذلك.
وبالإضافة إلى أنَّ الشعر يلعب كثيرًا على الاستفادة من اللغة بوصفها نظام تصويت، باستخدام التكرار والقافية.

أنَّ النثر هو سرد لا يتتبع أي إيقاع، ويعتمد الكناية أساسًا في البناء الفني له، في حين أن الشعر هو الإيقاع والصورة المستندة الى اللغة.

فما هو مفهوم ما يعرف بقصيدة النثر : فبعيدًا عن خلاف النقاد بين مؤيد ومعارض لهذه التسمية نستطيع القول أنَّها جنس أدبي بين الشعر والنثر أي هي شيء يجمع بين بعض الخصائص الفنية للشعر وعناصر السرد المحكي في قطعة واحدة من الكتابة.

أما إذا كنت تريد تعريفًا أكثروضوحًا، فما يسمونها قصيدة النثر هي النص الذي لا يكتب على شكل أبيات، ويحتوي على باقي سمات الشعرية الأخرى مثل الإيقاع والاستعارات.

ومن المعروف أن النثر يكتب في فقرات، ويحكي قصة بدلًا من أن يصف صورة أو استعارة المهم أنَّ لديه شخصيات كناية وحبكة لأجل المعنى.
أما الشعرفيكتب في أبيات حسب المقاييس الفنية والشعرية لبناء القصيدة، حيث يركز على الاستعارات التي تحركها الصورة، وقد يكون متضمنًا بعض السرد، وإما أنَّ يكون هذا السرد مهمًا في إيصال المعنى أو قد لا يكون.

ما يُعرف بقصيدة النثر هو نص يكتب في نظام الفقرات، وتركز على الصور والاستعارات، كما تحتوي كنايات سردية تعتمد في المقام الأول على اللعب باللغة، وتقنيات مثل التكرار والتكثيف والاختصار.

وبهذا الاستهلال نبدأ القراءة في نصوص النثر للكاتبة تغريد بو مرعي والتي اختارت لها عنوان “فلسفات على حافة الروح” والتي ستكون من خلال العناصر التالية:

– قراءة في المواقع الاستراتيجة
(العنوان – الإهداء)
– التكثيف اللفظي
– الانزياح اللغوي
1- قهر الذات بين الواقع والتخيل
2- دقة التصوير باستخدام الرمز
– الثقافة والفلسفة

قراءة في المواقع الاستراتيجة:
*************************
نعني بالمواقع الاستراتيجية منصات النص أو ما يعرف بالنصوص الموازية “محيط النص الخارجي” حيث أنَّ لمحيط النص الخارجي أهمية كبرى في فهم المتن، وتفسيره، وتأويله من جميع زواياه،(1 ). والإحاطة به إحاطة شاملة، وذلك بالإلمام بجميع تفصيلاته البنيوية المجاورة من الداخل والخارج، وكل عتبة تمثل التعبير عن موقف ما، وتقوم بدور أساسي في ولوج القارئ إلى عالم الكتاب وتوغله التدريجي فيه، لأنها تحدد ملامح هوية النص، وتضيء إشارات دلالية أولية، تجعل القارئ يستبق معرفة النص الغائب من خلال المعطيات الأولية التي ينثرها الكاتب على خارطة النص كمواقع استراتيجية لها أهميتها الكبرى، في مداخله الافتتاحية، تؤهل القارئ للدخول في النص.

العنوان:
****
العنوان من مظاهر الإسناد والوصل والربط المنطقي، ومن ثم فالنص إذا كان بأفكاره المبعثرة مسندًا فإنَّ العنوان مسندًا إليه فهو الموضوع العام، بينما الخطاب النصي يشكل أجزاء العنوان الذي هو بمثابة فكرة عامة أو محورية أو بمثابة نص كلي (2 ).

والعنوان هو ثريَّا النص كما يقول محمود عبد الوهاب (3 )منه يستطيع الناقد أن يقف على أفكار الكاتب من خلال تبيان علاقة العنوان بالمضمون فهو ليس عبارة لغوية منقطعة أو إشارة مكتفية بذاتها بل هو مفتاح تأويلي أساس لفك مغاليق النص الإبداعي (4 ).

لقد أطلقت الكاتبة الباحثة تغريد بو مرعي عنوانًا رئيسيًّا للنصوصها النثرية “فلسفات على حافة الروح” ولا شك أن هناك صلة أو رابط بين العنوان وأفكار الكاتب وانتماءاتها ونجد ” امبرتو إيكو” يشير إلى أنَّ العنوان يمثل هاجسًا من نوع ما ، فمنذ اللحظة الأولى للقراءة يطالعنا العنوان المنتقى من جانب المؤلف ، ليثير فضول المتلقي فيأخذ في التعبير عن المحتوى بعيدًا عن القراءة (5 ).

وقد يرتبط بالنص ولكنه ارتباط شكلي ، وعند قراءته نعجب بتركيبه ، وحسن صياغته . إلا أن المجىء على النص يدفعنا للتساؤل عن الصلة المقامة بين المضمون وشكلية العنوان، أنها الصلة غير المباشرة والمفترضة لذكاء المتلقي.

لقد جاء هذا العنوان “فلسفات على حافة الروح” نصًّا نثريًّا مصغّرًا، له امتدادات في منظومة ثقافية موسعة تقابله بأي شكل من أشكال التقابل، ومن ثم فان فهمه وتأويله ينبثقان من هذه المنطلقات، عبر مقابلة مقوماته “الاختزال ،التكثيف ،الإيحاء ،الترميز …” (6 )؛

لكشف طاقته الدلالية ورمزيته بوصفه عنوانًا يحمل مقصدية الكاتبة في إظهار ثقافة معينة بفلسفات تحاكي الروح على حافتها، ، وقد تركت تغريد بو مرعي ذلك إلى المتلقي ليكمل المعنى ويتوسع في الدلالات ،فـثنائية “الفلسفة بين الذات والروح” لم تكن تحديدًا لفضاء النص بمقدار ما هو عنوان يحمل من القدرة التأويلية والسيميائية في بيان رسالة الكاتبة إلى القارئ، تلك الرسالة التي لا يمكن معرفتها إلا بعد قراءة واعية تعطي الألفاظ حقها التأويلي ،فالكاتبة بمنظومتها الثقافية والأدبية ليست بمعزل عن الإنسان ومشاكله، بوجهٍ عام، فهي قد رسمت الخطوط وأشارت إلى العلامات وتركت الأمر للمتلقي ،فالفلسفة التي يعرفها القارئ متعلقة بالثقافة والعلم، فكيف بها تتحول في رؤية الكاتبة إلى حوار الذاتية الشخصية “للروح” ،ولكن المسافة الجمالية التي خلقها العنوان بلعبة بلاغية جمالية هو الجمع بين الفلسفة كعلم وبين الروح التي هي أمر الله باستمرار الحياة، ويعني هذا ان الذات الإنسانية للكاتبة لا تستطيع ممارسة حريتها إلا في ظل مخاطبة الروح بهذه الفلسفة ،بعبارة أخرى ان الذات الإنسانية تسعى إلى الانعتاق الروحي من خلال حوارها السامي ارتكازًا على فلسفةٍ خاصة.

وخلاصة القول: لقد صنع نص العنوان “فلسفات على حافة الروح” حوارًا أدبيًّا رفيعًا ذو مغزى فكري بين الحياة والمتمثلة في “الروح” وبين “فلسفات” صنعتها الذات الكاتبة ليأخذ هذا الحوار صفة النزاع الكلامي والجدل الفكري بين العقل والروح لتضع المتلقي في دائرة الإغواء والإغراء للولوج إلى عوالم النص للوقوف على تلك الفلسفات ودلالاتها المتعددة والمتعلقة بالروح.

الإهداء :
*****
الإهداء عتبة نصية لا تخلو من قصديّة، ” تحمل داخلها إشارة ذات دلالة توضيحية “(7 )، وهي عتبة ضاربة بجذور في أعماق التاريخ، يرجعها جيرار جينت إلى زمن الإمبراطورية الرومانية القديمة، وأهم ما ” يفرق بين الإهداءات القديمة عما نعرفه الآن، هو أن الإهداءات في السابق كانت تتموضع في النص ذاته أو بدقة أكبر في ديباجة النص / الكتاب، أما الآن فهي تسجل حضورها الرسمي والشكلي في النص المحيط ( المناص عامة) “(8 )، وهو يشكل مُوجَّهًا رئيسيًّا للنص الأدبي ، يعبر فيها الكاتب عما بداخله إزاء المقربين إليه سواء كان بشر، أم غير بشر وإزاء النص نفسه إذ تظهر أهمية النص من عدمه فيمن يهدى إليه، وهو واحد من هذه العناصر التي تشير إلى مرور رسالة قصيرة مقصودة من الكاتب الى الآخرين بصورة عامة، وإلى المهدى اليهم بصورة خاصة (9 ).

لقد جاء الإهداء في هذا المنجز الأدبي “فلسفات على حافة الروح” جامعًا شاملًا مغايرًا بكل ما تحتوية الكلمات من دلالات فكان للكلمة في البداية “إليك أيتها الكلمة وسط البحر يا سيدة الأشواق والخيبات والمستحيلات”
ثم جائ بعد ذلك يحمل تأملات الذات الكاتبة وتعريفها للفلسفة ليتماهى مع العنوان في الكشف عن هوية النص حيث قالت ” يأتي التأمل في منتصف الحالة الغيبية باحثًا عن صورة ذهنية ، مثيرًا الجواب والتساؤل وفلسفة المعرفة والقوانين وأنسنة الإنسانية .
من الصعب تعريف الفلسفة لأنها تتمرد على الواقع وأبسط درجات التمرد هو التحدي والسعي الى التغيير .
أحيانا كثيرة تكون كتابة الإهداء أصعب من تأليف الكتاب نفسه، لأنك تعرف أن الكلمات لا تسعفك حين تكتب إليهم.”
كما يحمل الإهداء شحنات انفعالية تعريفية بالكاتبة والتجرد من الآنا والوقوف على ماهية كتابة النصوص النثرية حيث قالت:
” إهدائي هو تحرير الكلمة من الأنا ، من عبوديّة الهو والنرجسية وإنكار الآخر والإعتراف بارتكاب اليقظة من خلال النص النثري المشبع بالرؤية من زبد الصبر وريح العاديات.”

وبعد ذلك جاء الإهداء يحمل معنًّا ساميًّا لروح الأب والأخوة الذين فارقوا الحياة، والذين هم على قيد الحياة كما جاء الإهداء يجمل شحنات عاطفية إلى الأم والأبناء فكان إلى العائلة الكبيرة والأسرة الصغيرة والأصدقات.

كما كان من حظ الناقد جزءًا من هذا الإهداء قبل أن أشرع في كتابة تلك الكلمات حيث قالت ” إلى الذي خط بيده وجمال روحه مقدمة هذا الكتاب، والذي يوقد شموع أصابعه جمالية من أجل ان يبزغ الفجر بما منحه لنا من جهد وتعب ووقت وتوجيه وإرشاد ، إلى الأستاذ القدير سيد فاروق.”

لا أستطيع أن أصف شعوري تجاه هذه الكلمات والذي حملت على عاتقي أمانة القراءة والتحليل برؤية منصفة بعيدًا عن اشكاليات الصراع في مسمى هذا الجنس الأدبي بين مؤيدٍ ومعارض، فأنني عزمت الوقوف على خط الحياد لأتمكن من الإضاءة الكاشفة لكوامن الإبداع في النصوص محل القراءة سائلًا الله تعالى التوفيق والسداد.

ثم جاء الإهداء يكمل العطايا للعامة والخاصة لكل ما هو مادي وكل ما هو معنوي، للشعور والنبات والجماد، فكان “إلى الحلم الذي يراود الحياة ما بقيت الحياة ، وشاخ في الأوردة، يأتي ولا يأتي .
إلى القلم والورقة ، وشجرة ترافق صباحاتي ومساءاتي في غربة تقتص من الروح .
إلى الذين وُلدوا ولم يولدوا بعد غادروا ولم يغادروا نبضات القلب .
إلى الذين يركضون خلف رغيف الخبز ولا يملكون ثمن شراء كتاب.
إلى فتنة العبور الجامح الشامخ ، يوم تعثر الأقدار بي ، كي نقيم .
إلى من أنضج مفهوم العطاء في نفسي فجعلني عادلة فيما آخذ وأعطي ، إلى الحياة بحلوها ومرها.
إلى نفسي الوحيدة في الأصقاع النائية ، وجسدي المصلوب على وتد الاشواق وأنَّات المشاعر ..”

• إلى كل هؤلاء بكل حبٍّ أهدي كتابي ” فلسفات على حافة الروح”
وفي تقديري أنَّ هذا الإهداء عدَّ بمثابة خارطة كاشفة للشخصية الكاتبة ولغة كتابتها لترسم مسارًا مضيئًا يتكئ عليه القارئ للوقوف على تجربتها الإبداعية في هذا الجنس الإدبي حيث جاءت لغة الإهداء تحمل طاقات انفعالية وحسية تتسم بالانزياح والتكثيف وتعدد الدلالات والشمول فالكاتبة أهدت كتابها لكل من تعرف ومن لا تعرف للأشخاص والنفس والشعور والحلم والكلمة والورقة والقلم فشملت بإهداءها العموم والخصوص وكل ما هو شعوري ولا شعوري فكان تقديمًا مثيرًا مميزًا وإهداءً مغايرًا في دباجته.

التكثيف اللفظي:
***************
وﻏﺎﻟﺒًﺎ ﻣﺎ ﺗﺴﻌﻰ ﻟﻐﺔ النصوص النثرية أو ما يسمى بقصيدة اﻟﻨﺜﺮ إﻟﻰ “اﻟﺘﻜﺜﯿﻒ اﻟﻠﻔﻈﻲ”، ﻣﻤﺎ ﯾﺠﻌﻠﮭﺎ ﻣﻌﻘﺪة ، وﯾﺤﻮﻟﮭﺎ إﻟﻰ ﻋﺎﺋﻖ ﻓﻲ وجه اﻟﻮﺿﻮح، وﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﺗﻜﻮن ﺳﺒﺒًﺎ ﻓﻲ ﻓﻮﺿﻰ اﻟﺒﻨﺎء اﻟﺸﻌﺮي، واﺿﻄﺮاﺑﮫ ، وﺗﻌﻘﺪه( 10).
وﻗﺪ ﻟﺤﻆ ﻛُﺘَّﺎب ما يسمى هذا الجنس الأدبي ذﻟﻚ، ﻓﮭﺬا أﺣﺪھﻢ ، وھﻮ ﺟﺒﺮا إﺑﺮاھﯿﻢ ﺟﺒﺮا ، ﯾﺼﻒ “اﻟﺘﻜﺜﯿﻒ اﻟﻠﻔﻈﻲ” بأنه “اﻟﻮﺣﺶ اﻷﻛﺒﺮ ﻓﻲ اﻟﺸﻌﺮ” (11 ).
الأمر الذي وضع ما يسمى بقصيدة النثر أﻣﺎم رﻛﺎم ﻣﺘﻨﺎﺛﺮ ﻣﻦ اﻟﻜﻠﻤﺎت، واﻟﺼﻮر، وﻓﻮﺿﻰ ﺗﻌﺒﯿﺮﯾﺔ ، ﻻ ﺣﺪود ﻟﮭﺎ، ﻓﺤﺎول كُتَّابها إﯾﺠﺎد ﺗﺒﺮﯾﺮ ﻟﮭﺬه اﻟﻔﻮﺿﻰ ﻟﺘﺒﺪو ﻣﺴﺘﺴﺎﻏﺔ، ﻣﻘﺒﻮﻟﺔ.
فتحدثوا عما يسمى “بالوحدة العضوية” الناتجة عن التقاء الفوضى والتنظيم اللذين يشير إليهما المصطلح المسمى “بقصيدة النثر”.
وقد ظهر التكثيف اللفظي في معظم نصوص هذا المنجز الأدبي مذ بدايتها وعلى سبيل المثال نص “مَأسْاةٌّ مِیتافِیزِیقِیَّةٌّ” حيث تقول:

“مُھْمَلٌ كمأساة مِیتافِیزیقِیَّةٍ،
أخضعُ لوحدةٍ أنجبتني في أزِقَّتھا المَھجورةِ، حَیثُ ظليّ یجوبُ ظلًا بِلا حَیاةٍ.
العزلةُ تنَقرُ العزلة، وَالْأِختِلاءُ رمى بِأنَفاسِهِ المُتھدِجَّةِ في خلوِّ بالٍ.
مُنذُ ذلَكَ الإهمال،
ووحدتي تقُایِضُ الْوقت على الفرَاغِ.
الفرَاغُ الذي يحتفي بِشَریعةِ الصمت.
الصمتُ الذي یحُاصِرُ الطلقة التي تشَبَّثتْ بِجِدارِ الرحَمِ .
الرحَمُ الذي ھَجَرَهُ قرینهُ وسلمَّ مرورهُ لِلسرابِ.
السرابُ المَتروكُ
خارج الزمن، حیْثُ وقعَ أسِیرُ وِحدتِهِ، ودلفَ إلى عالمٍ أخر، مغشیًّا عليه قُربَ سَیاجِ مقبرة.”.

لقد اتسم هذا النص “مَأسْاةٌّ مِیتافِیزِیقِیَّةٌّ” بجانب التكثيف اللفظي بالوحدة العضوية المترابطة حيث ﯾﻘﻮل أدوﻧﯿﺲ في هذا الإطار عن الوحدة العضوية : ” إذا ﻛﺎن اﻟﺒﯿﺖ ھﻮ اﻟﻮﺣﺪة ﻓﻲ ﻗﺼﯿﺪة اﻟﻮزن ، ﻓﻤﺎ ھﻲ اﻟﻮﺣﺪة ﻓﻲ ﻗﺼﯿﺪة اﻟﻨﺜﺮ ؟ اﻟﺠﻮاب ھﻮ أن اﻟﻮﺣﺪة ھﻨﺎ ھﻲ اﻟﺠﻤﻠﺔ… اﻟﺠﻤﻠﺔ ﻓﻲ ﻗﺼﯿﺪة اﻟﻨﺜﺮ أﺷﺒﮫ ﺑﻌﺎﻟﻢ ﺻﻐﯿﺮ، ھﻲ ﺧﻠﯿﺔ ﻣﻨﻈﻤﺔ ﺗﺸﻜﻞ ﺟﺰءًا ﻣﻦ ﻛﻞ أوﺳﻊ ذي ﺑﻨﺎء ﻣﻤﺎﺛﻞ”(12 ).

لقد اتكأت الكاتبة تغريد بو مرعي على التكثيف اللفظي في هذا النص للتعبير عن حالة من حالات العزلة والشعور بالتهميش والإهمال وكأنها وحيدة في هذا الكون فظلها “يجوب ظلًا بلا حياة” عزلة واهمال ووحدة “ووحدتي تقُایِضُ الْوقت على الفرَاغِ” ورغم التكثيف اللفظي الذي يتداعى في التصعيد الدرامي للحالة الشعورية إلَّا أن الكاتبة عمدت إلى بناء فني يتسم بالوحدة العضوية للنص تحاشيًّا للفوضى التعبيرية الناتجة عن هذا التكثيف المتنامي فتجد شعور الإهمال مأساة حسية معنوية تسلمها هذه الحالة للوحدة ومنها للعزلة ثم إلى صراع الوقت والفراغ مع الوحدة والفراغ يولد الصمت حيث الحصار منذ اللطلقة الأولى لحظة الميلاد، الذي يؤول في النهاية إلى “السرابُ المَتروكُ خارج الزمن” وهكذا اعتمد هذا النص على التكثيف الصوري والشعري، مع مراعاة الوحدة العضوية التي تربط بين الجُمل لتصنع نصًّا متماسكًا، وتجمع العلاقات المرتبطة بالحالة الشعورية للذات الكاتبة.

الانزياح اللغوي
**********
لقد عدَّ الانزياح اللغوي من أهم ما يميز النص الأدبي ويضفي عليه شاعرية خاصة وهو انحراف اللغة عن مسارها الطبيعي وهو ما يؤكد عليه جون كوهين حيث قال “وظيفة الشعر الإيحاء”(13 ).

وفي هذا يشير إلى أن الشاعرية تعتمد في المقام الأول على الانزياح الذي لا يستغنى عنه الشاعر.

ومن ثم فقد اهتم كوهين بما يعرف بالأسلوب وأقر بأنَّ الشاعرية مرتبطة به، لأنه يمثل انزياح اللغة الشاعرية عن طبيعتها، فالأسلوب عنده “هو كلام ليس شائعًا وليس عاديًّا ولا مطابقًا، للمعيار العام المألوف، ويبقى مع ذلك الأسلوب مؤثرًا في الأدب ويحمل قيمة جمالية، إنه انزياح بالنسبة للمعيار العام”(14 ).

إنَّ الانزياح بهذه الرؤية مفهوم واسع جدًّا، يجب تخصيصه من خلال التساؤل عن علة أنواعة جماليًّا، ويمكننا الإشارة من خلال عدة اسهامات نقدية إلى أنَّ شعرية كوهين تحددت بالانزياح الذي اعتبر الدعامة الأساسية التي ارتكز عليها في مفهوم الشعرية من خلال بحثه عن نقاط مشتركة بين مختلف انزياحات سواء كانت صوتية أو دلالية، وهذا بغية خلق لغة شعرية تتسم بالإيحائية الدلالية التي تختلف في مجملها عن المعيار العام للغة.

وقد اتسمت معظم النصوص النثرية للكاتبة تغريد بو مرعي بكثرة الانزياحات الأسلوبية وعلى سبيل المثال نص “سبعة عجاف” حيث تقول:
” سبعةٌ عجافٌ ساھماتٌ في الرّكودِ والعجزِ،لا شمسَ ولا قمرَ، ولا مدّ ولا جزرَ
لا بسمة تعلو شفةَ السّماء وتحرّكُ قصباتھا الھوائیةَّ.
ألسّقمُ یتسّعُ كما تتسّعُ حلقاتُ الموتِ، تتفشّى رائحته كمرضٍ عضالٍ.
الصّمتُ یمتھنُ وظیفته بِجدٍ واجتھادٍ، غیرَ عابئٍ بالطّینِ اللازبِ. سبعةٌ عجافٌ ووابلُ مطُرِھاّ لا ینفكّ یمُارسُ عقوقهُ بشكلٍ فاضح.
الموْتُ لمْ یضعْ أوزارَه بعد، كان علیه أن یطويَ جلده البائنَ في وٍقتٍ ما، غير أنّ ذرائعه ارتفعت كارتفاعِ عددِ الضّحایا والمنكوبینَ، فشَحّ منسوبُ الحُیاةِ حتىّ خلا مِن عرقِ الُحیاةِ.
رأیتُ خفافیشَ الظّلامِ تحُلقُّ في كلّ مكانٍ، تصبّ جامَ رعونتِھا بِأعینٍ مفتوحةٍ وعروقٍ متصلبّةٍ.
سبعةٌ عجافٌ، والأماني تقلصَّتْ كما یتقلصُّ الدمُّ عند احتباسِه في الشّرایینِ المیْتةِ.
مذ ذاكَ، لم یعد للنھّارِ ملامحُ، ترمّدَ في قاعِ رُكامه وتَغلظَّ مُتأبطّاً دخانَ ظله. ”

لقد تميز هذا النص “سبعة عجاف” بكثرة الانزياحات الأسلوبية، وبدقة معانيها وتنوعها، فبداية من عنوان النص المستلهم من قصة يوسف الصديق عليه السلام حيث رؤيا الملك “وقال الملك إني أرى سبع بقراتٍ سمانٍ يأكلهنَّ سبعٌ عجافٌ وسبع سنبلاتٍ خضرٍ وأخر يابساتٍ…” (15 ).

لقد استلهمت الكاتبة تغريد بو مرعي من التراث الديني ما يعبر عن الذات الكاتبة المعذبة والتي حاولت أنْ تجسَّدَ واقعًا ملموسًا لحالة القحط تسبب فيها السقم حتى اتسعت ” حلقاتُ الموتِ، تتفشّى رائحته كمرضٍ عضالٍ” وقد استخدمت الكاتبة أسلوب التصوير، إذ حاولت تصوير العديد من المشاهد المؤلمة بطريقة جمالية، وبلغة إدبية راقية ورفيعة، فتنوعت داخلها المواقف الفنية بشكل يتماهى من المستوى الجمالي للغة والتي سنحاول التعرض لبعض ملامحها من خلال النص السابق كما يلي:

– قهر الذات بين الواقع والتخيل
************************
لقد وازنت الكاتبة بين الألم والإبداع، حيث حاولت جاهدة أن تجعل من الإبداع مرآة عاكسة لما تشعر به النفس البشرية إزاء تفشي السقم وما نعيشه في أجواء الجائحة فانهمرت دفقاتها تعبر عن هذا العجاف بشكل تشارك فيها المظاهر الكونية الذات الكاتبة المعذبة فترى قتامة الوضع منعت مظاهر الإشراق في الكون ” لا شمسَ ولا قمرَ، ولا مدّ ولا جزرَ” في حين تشارك السماء إيضًا هذا الوضع المهيب فلا “بسمة تعلو شفةَ السّماء” وبما أنَّ البسمة حياة فهي أيضًا لا “تحرّكُ قصباتھا الھوائیةَّ” فالسماء إذًا تعيش المأساة وتعزف عن البسمة لتشارك الذات الموجعة في حزنها.

– زيادة دقة التصوير باستخدام الرمز
***************************
تضمن النص عدة رموز أومأت إليها الشاعرة فنجدها تستخدم جملة “الطين اللازبِ” وهي ترمز إلى البشر كما جاء في القرآن الكريم “إنَّا خلقناهم من طينٍ لازب”(16 ).
أي أن الصمت يمارس وظيفته بجدٍ واقتدار غير عابئ بالبشر والمرموز إليهم بالطين اللازب وهو تعبير قرآني يزيد النص دقة في التصوير وجمالًا في التعبير.
فيما استخدمت الكاتبة “عقوق المطر” كرمز لحالة القحط التي تتماهى مع السبع العجاف حيث “وابلُ مطُرِھا لا ینفكّ یمُارسُ عقوقهُ بشكلٍ فاضح.” كما نجد الكاتبة تستخدم رمز “خفافيش الظلام” للتعبير عن كثرت أعداد الموتى فهى تحلق في كل مكان تتبع رائحة الموت فتتفاعل مع الأعين المفتوحة والشرايين المصلبة.

وارتكازًا على ما سبق :
نجد ظاهرة استخدام الرمز طاغية على نصوص تغريد بو مرعي، وقد عدَّ من أبرز سيمات النصوص الإبداعية فاستعمال الأديب للرموز يزيد من نصه جمالًا ورونقًا كما يزيد من دقة التصوير، ويصبح النص نصًا محمَّلًا بالدلالات والإيحاءات، يدفع المتلقي إلى البحث عن ما وراء توظيف تلك الرموز لأنها “تتيح لنا أن نتأمل شيئًا أخر وراء النص”(17 ).
ويرجع هذا إلى أنَّ اللغة العادية لا يمكن أن تعبِّر عن ما في نفس الأدباء بشكل قاطع، إذ “تعجز اللغة المستعملة عن احتواء المضامين التي تجيش في خواطرهم”(18 ).
أنَّ في تقديري من أهم المآخذ على هذا النص هو النظرة التشاؤمية التي سيطرت عليه مذ بدايته وحتى نهايته فهو يعج بالصور القاتمة ويخلو من البشارة والتفاؤل إلَّا أنَّه جسَّد واقعًا معاشًا بأسلوب بليغ في مستواه الجمالي إلى جانب ذلك نجد الكاتبة تغريد بو مرعي وصلت فيه للنضوج الفكري، حيث استخدمت اللغة بعيدًا عن مسارها الطبيعي بشكل ينزاح نحو الخيال المتأمل رغم البلاغة في تصوير الواقع، وقد صنعت لنفسها رموزًا استطاعت أنْ تعبِّر من خلالها عن صراع الذات الداخلي، تمردًا على الواقع الذي تعيشه وخروجًا عن المألوف.

الثقافة والفلسفة
**********
يرتكز المعنى الشُّمولي لمفردة الثَّقافة حول مفهوم الغرس والنَّماء ، ويتعدد هذا المفهوم المُنمَّى شكلًا ومضمونًا حسب نيِّة الغارس ، ووسيلة الغرس، وهذا ما يؤثر في فاعلية الثَّقافة وكيفيتها ؛ لأنَّ المتلقِّف لهذه الثَّقافة مهيَّأ للتَّعاطي معها رفضًا أو قبولًا ، وهو ما يعيه الصَّانع لها مما يستوجب عليه حسن الحبكة كي يضمن القبول، ويتجنب الرَّفض، ومَنْ كان الأدب وسيلته ؛ وجب عليه أن يضع في حسابه أنَّه يخاطب الشُّعور في الإنسان، تلك المنطقة الحساسة الشديدة التَّأثر بالمحيط، كما أنَّ عليه إدراك حقيقة أنَّه يخاطب العامة عبر الخاصة، هذا إذا كان المنجز الأدبي يتمحور حول الثقافة فحسب فما بالنا إذا كان الخطاب الأدبي يحمل فلسفة بجانب الثقافة معادلة صعب لكنها تجربة تفترض درجة تقافة معينة في المتلقي بجانب درجة وعي وكأنَّ جملة هذه الكتابات تحمل رسالة لفئةٍ معينه تتمتع بدرجة عالية من الثقافة النوعية، وقد اتسمت أغلب نصوص النثر للكاتبة تغريد بو مرعي بالفلسفة والثقافة بداية من عنوانها الرئيسي “فلسفات على حافة الروح” وكذا العناوين الفرعية للنصوص وما تحتويه بداخلها وسنعرض بعد العناوين التي تعبر عن ثنائية الفلسفة والثقافة في تجربة الكاتبة منها:
“مَأسْاةٌّ مِیتافِیزِیقِیَّةٌّ – وحیدًا على حافةِّ اللیلِ – صَومَعةَ أِنفِرادیَّةٌ – لاَ مَناَصَ لِأنَاَكَ – نجوْتُ فأضعْتُ أوتادَ الھلاكِ – أسفارُ الماضي – نص مهمل – وبقيت وحدي ومعي ظل ظليل – وآخرُ الفلسفةِ – أرصِفةُ الظلّ – خَواء وَفرَاغٌ – سَیْكولوجِیَّة الْوَھْم – فِرار مِن عِللِ الْجَدْب – مصابًا بفلسفتِكَ – فلسفتي زيتية – نِتاَج المِیتاَفِیزِیقْیا”
وقد اتضح لنا من خلال نصوص العناوين السابقة مدى ثقافة الكاتبة تغريد بو مرعي ومدى العمق الثقافي والتكثيف والفلسفة فقد استخدمت العلوم الطبيعية في النصوص النثرية الإبداعية بشكل يعبر عن فلسفتها الخاصة في تفاعلها من البيئة والمظاهر الكونية والتعامل من الآخر حيث تواتر استخدام بعض الجُمل الفلسفيه سواء كانت لفظية أو ضمنية على حدٍّ سواء، وسوف نعرض بعض ملامح ثقافة الكاتبة وفلسفتها في رؤيتها للآخر من خلال نص “نِتاَج المِیتاَفِیزِیقْیا” حيث تقول:
“لمْ تمْنعْ الْھَوَامِش المُزْدوِجَة بِمَحْضِ إرَادتِكَ، لِذاَ مِنَ الطبِیعِيّ أنْ تضَعَ فِي الِاعْتِباَرِ تاَرِیخ فلَسَفتِكَ الْمَادِیَّة الْجَدلِیَّة.
وَكَانَ مِنْ الْمُسْتحِیلِ أنْ تغُمِّسَ أصَابِعك بِالْعِللِ دوُنَ أنْ یسَتبِقكَ الِسؤَال عِنْد قضْباَنِ طَرِیقٍ مَحْتوُم .
ھَا أنتَ كَائِنٌ فِیثاغوُري حَيّ ، وَسؤَالٌ یدَوُرُ فِي فلَكِ كلِكَّ ، یتَعَدَىّ الوُجودِیَّةَ إلىَ مَا بعد الْمَوْتِ .
ھَا أنتَ وَفلَسَفتَكَ الْذاَئعةَ الصِّیت، تتَغَلَّبان عَلىَ المثاِلیَّات كَمَا تغَلَّبَ الطوفاَنُ عَلىَ قوْمِ نَوُح.
وَھَكَذاَ سَیْطَرَ ھَامِشُ عَلىَ ھَامِشِ حتىّ جَفَّتْ أوْرَاقُ ھِیدْجِرْ وَكْرُوتشِه وَبِرِجْسوُنْ وَبوُخْنِرْ وبْرَادْلِي وَسوُر الصِّینِ الْعظِیم .
أبْعدَ مِنَ الصوَرِ وَأقْرَبُ مِنَ الْمُتصَوِّرْ ، كَأن الْألُوُھِیَّة عَقْلِكَ الْمُفكِر ، وَالْأناَ مُترَابِطَةُ الْأوْصَال، تخَتزِلُ بِأسْرِھَا أناكَ الدِیّنُاَمِیكِیَّة مَأخُوذة بِالصیْرورَةِ الدَّائِمَة !
فصَارَ الْھَامِش حَتمِيٌ شَامِلٌ ،
والشكُ مُطْلقَ ، وَالْعقَل مَحْضُ وُجُود ماديّ !
وَالْمَنْطق أنْ توَازِن بیَنَ الْعقَلِ وَالْمَادَّة !
وأنتَ كَفیلسَوفٍ اصْطَلحَ عَلیْه النَّقِیضَيْن ، تذِیبُ نِتاَج المِیتاَفِیزِیقْیا حَیْثُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَیاَةَ ، لاَ ثوَابَ وَلاَ عِقاَبَ ، لاَ عِلةّ وَلاَ مَعْلوُل ! الدین في ذاَته ، وَالْعقل ِفي ذاَته، وأناكَ ِفي “النُّومین”
Noumenon))))”

ومن خلال النص السابق يتضح لنا ما ذهب إليه أرسطو حيث كان أول من انتبه إلى هذه الطاقة الفلسفية الكامنة في طبيعة النصوص الأدبية نفسها وفي طبيعة الشعر على وجه الخصوص حين قال: “إن الشعر أكثر تفلسفًا من التاريخ وأهم لأن الشاعر يتعامل مع الكلِّيات.” (19 )؛ فالشعر، بطبيعته، “ينطوي على الكشف” – كما يقول غوته(20 )؛ أنه حين يتناول الجزء المفرد في طابعه الحي إنَّما يستبصر، في الوقت نفسه، استبصارًا ضمنيًا بالكلِّي الفعال المبدع في كلِّ شيء حي.
وكما يقول كولردج فإنَّ الشاعر هو “فيلسوف على نحو ضمني غير صريح”، أما شيللي فيقول: “إنَّ الشعراء فلاسفة بلغوا أسمى درجة من القوة؛ وإنَّ الشعر هو مركز كلِّ معرفة ومحيطها.”
وربَّما كان خير سبيل لفهم عبارة شيللي السابقة هو أنْ نعود إلى ذلك النص الهام الذي وضعه الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر، وقرأ فيه شعر هلدرلن، مستنبِطًا الحقائق الوجودية الكبرى التي تضمَّنتْها قصائد هذا الشاعر، وقد وردت ترجمة ممتازة لهذا النص في كتاب العماد أول مصطفى طلاس الموسوم بعنوان مباهج الفكر الإنساني. (21 ) يقول هيدغر:
إن الشعر تأسيس للكينونة عن طريق الكلام، وقول الشاعر تأسيس ليس فحسب على معنى البذل والعطاء الحر، بل كذلك على معنى أنه يُرسي الوجود الإنساني على أساس متين (22 ).

وقد ذهبت الكاتبة تغريد بو مرعي في النص السابق إلى أنَّ النص الأدبي يركِّز فيه الإنسان ذاته على وجوده الإنساني، ويصل هناك إلى الطمأنينة؛ حيث تكمن الثوابت القِيَميَّة والمثاليات التي لا مناص منها للنجاة، وأنَّ أي تمرد فلسفي على هذه المُسلمات بمثابة “الطوفان الذي تغَلَّبَ عَلىَ قوْمِ نَوُح” فالكاتبة تبحث عن الخلاص الروحى في ظل الطمأنينة الحقيقية والتوازن النفسي والفكري لا تلك الطمأنينة الوهمية المتولدة من البطالة وفراغ الفكر، بل إلى تلك الطمأنينة الصافية التي يصحبها نشاط في جميع القوى والعلاقات فكل من يعارض هذا السلام النفسي والصفاء الروحي فهو من وجهة نظر الكاتبة لديه فلسفة الأنا “وأناكَ ِفي “النُّومین” هذه الفلسفة التي تعارض النواميس الكونية والعرف والأديان والعقل في آنٍ جميعًا.

ونخلص إلى ما يلي :
***************
– لقد صنع نص العنوان “فلسفات على حافة الروح” حوارًا أدبيًّا رفيعًا ذو مغزى فكري بين الحياة والمتمثلة في “الروح” وبين “فلسفات” صنعتها الذات الكاتبة ليأخذ هذا الحوار صفة النزاع الكلامي والجدل الفكري بين العقل والروح لتضع المتلقي في دائرة الإغواء والإغراء للولوج إلى عوالم النص للوقوف على تلك الفلسفات ودلالاتها المتعددة والمتعلقة بالروح.

– وفي تقديري أنَّ الإهداء في هذا المنجز الأدبي عدَّ بمثابة خارطة كاشفة لشخصية الكاتبة ولغة كتابتها لترسم مسارًا مضيئًا يتكئ عليه القارئ للوقوف على تجربتها الإبداعية في هذا الجنس الإدبي حيث جاءت لغة الإهداء تحمل طاقات انفعالية وحسية تتسم بالانزياح والتكثيف وتعدد الدلالات والشمول فالكاتبة أهدت كتابها لكل من تعرف ومن لا تعرف للأشخاص والنفس والشعور والحلم والكلمة والورقة والقلم فشملت بإهداءها العموم والخصوص وكل ما هو شعوري ولا شعوري فكان تقديمًا مميزًا وإهداءً مغايرًا.

– لقد اتكأت الكاتبة تغريد بو مرعي على التكثيف اللفظي في نصوصها النثرية للتعبير عن بعض الحالات التي تشعر بها كالعزلة والغربة والشعور بالتهميش والإهمال وكأنها وحيدة في هذا الكون، ورغم التكثيف اللفظي الذي يتداعى في التصعيد الدرامي للحالة الشعورية إلَّا أن الكاتبة عمدت إلى بناء فني يتسم بالوحدة العضوية للنص تحاشيًّا للفوضى التعبيرية الناتجة عن هذا التكثيف المتنامي.

– استخدمت تغريد بو مرعي الانزياح اللغوي في أسلوب التصوير، إذ حاولت تصوير العديد من المشاهد المؤلمة بطريقة جمالية، وبلغة إدبية راقية ورفيعة، فتنوعت داخلها المواقف الفنية بشكل يتماهى من المستوى الجمالي للغة والتي ثم ايضاح ملامحها من خلال النصوص.

– لقد جاءت بعض النصوص تعج بالصور القاتمة وتخلو من البشارة والتفاؤل إلا أنَّها جسَّد واقعًا معاشًا بأسلوب بليغ في مستواه الجمالي إلى جانب ذلك نجد الكاتبة تغريد بو مرعي وصلت في هذه النصوص إلى قمة النضوج الفكري، حيث استخدمت اللغة بعيدًا عن مسارها الطبيعي بشكل ينزاح نحو الخيال المتأمل على الرغم من البلاغة في تصوير الواقع، وقد صنعت لنفسها رموزًا استطاعت أنْ تعبِّر من خلالها عن صراع الذات الداخلي، تمردًا على الواقع الذي تعيشه وخروجًا عن المألوف.

– إذا كان أكثر الفلاسفة يقومون بصياغة عباراتهم الفلسفية بطريقة شعرية؛ لتكون ممرًّا مناسبًا نحو الوصول للناس وإيصال الرسائل الفلسفية لهم، فالكاتبة كأديبة بطبيعتها التأملية مثل الفيلسوف الذي تنبع رؤيته وأسئلته من كونه أكثر الناس قدرة على التأمل التجاوزي، وهو التأمل الذي يمكن من رؤية المعنى الخفي في الأشياء، وهذا موجود لدى بعض الشعراء ويمارسونه بعفوية تامة.

– ثمة اختلافات بين الشعر والفلسفة تكمن في الآليات المستخدمة في تقديم كل منهما، وهي تختلف أيضًا من شخص لآخر، ويكون التعبير الفلسفي قريبًا من الواقع في عدد من تجلياته، بينما كان التعبير الشعري عند تغريد بو مرعي في أغلب النصوص يكاد يكون مقترنًا بالأفق الكوني في جوانبه المعرفية وبالأفق الفانتازي في جوانبه الإبداعية الهادفة إلى المتعة وقد مارست هذا التعبير الشعري المقترن بالثقافة والفلسفة ليس باعتبارة فن فقط، ولكن للتعبير عن الذات الكاتبة المعذبة وتفاعها مع البيئة الاجتماعية والمظاهر الكونية، والآخر بكينونتها العلمية ومرجعياتها الثقافية.

****************************

الهوامش والمراجع
**************
1 – راجع: سيد فاروق: المواقع الاستراتيجية ” على خارطة النص الإبداعي “، (د.ط)، المؤسسة العربية للعلوم والثقافة للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة ، مصر ، ط1، 2019م، ص28.

2 – راجع: د-جميل حمداوي: سيميوطيقا العنوان ، (بحث)، (د ط) دار الريف للطبع والنشر اإللكتروني، المغرب، ص20.

3 – راجع: د ثريا النص، مدخل لدراسة العنوان القصصي، محمود عبد الوهاب، الموسوعة الصغيرة، العدد(396)، بغداد، ط1، 1995م.

4 – راجع: المصدرنفسه ص 31.

5 – راجع: – صدوق نور الدين ، البداية في النص الادبي، (د ط) دار الحوار للنشر والتوزيع، ط1، اللاذقية، سورية، 1994م ، ص 71.

6 – راجع: محمد بازي :- العنوان في الثقافة العربية، ص 25.

7 – حسن محمد حماد: تداخل الأنواع في النصوص العربية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1997م، ص 64.

8 – عتبات (جيرارجينت من النص إلى المناص): ص 94 ( المقتبس ترجمة لكلام جينيت ).

9 – محمد فكري الجزار: العنوان وسيميوطيقا الاتصال الأدبي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ، 1998 م ، ص 35.

10 – ﻓﺎﺿﻞ ﺛﺎﻣﺮ : ﻣﻌﺎﻟﻢ ﺟﺪﯾﺪة ﻓﻲ أدﺑﻨﺎ اﻟﻤﻌﺎﺻﺮ، (دط) وزارة اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ واﻹﻋﻼم ، ﺑﻐﺪاد، 1975م، ص 400.

11 – ﺟﺒﺮا إﺑﺮاھﯿﻢ ﺟﺒﺮا : اﻟﻨﺎر واﻟﺠﻮھﺮ دراﺳﺎت ﻓﻲ اﻟﺸﻌﺮ، (دط) اﻟﻤﺆﺳﺴﺔ اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ ، ﺑﯿﺮوت، ط3، 1982م، ص78.

12- ﺟﺒﺮا إﺑﺮاھﯿﻢ ﺟﺒﺮا : المرجع السابق ، ص80.

13 – جون كوهين: بنية اللغة الشاعرية، تر: محمد والي ، محمد العمري،(دط) دار توقبال، المغرب، 1993، ، ص196.

14 – جون كوهين: المرجع السابق ، ص15.

15 – سورة يوسف: الآية رقم (43).

16 – سورة الصافات: الآية رقم (11).

17 – علي أحمد سعيد: زمن الشعر، (دط) دار العودة، بيروت، ط2، 1978م، ص160.

18 – درويش الجندي: الرمزية في الأدب العربي، (دط) دار نهضة مصر للطباعة، 1957م، ص50.

19 – عبد الغفار مكاوي، شعر وفكر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1995، ص 62.

20- المرجع السابق، ص 67.

21 – مصطفى طلاس: مباهج الفكر الإنساني، نصوص أساسية من الفكر العالمي، دار طلاس، 2000م.

22 – المرجع السابق، ص 624.

*************************************

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: