قراءة في رواية آلهة من دخان للكاتب أحمد الجنديل/ بقلم الكاتب والناقد الحهبذ عبدالله علي شبلي

قراءة في رواية احمد الجنديل
حينما يُنضج المتن السردي خطاب العقل ويُسيد المثل :
رواية آلهة من دخان بين تفكيك القيم وإعادة بنائها ، وإسقاط أصنام الزعامة الدينية وتشييد مجتمع الحكمة والمعرفة.

* التعريف بالرواية :
عنوان الرواية : آلهة من دخان
المؤلف : الكاتب والروائي احمد الجنديل
عدد صفحات الرواية : 182.
تتوزع صفحات الرواية على ستة فصول :
1- مصطفى البرهان يودع أباه.
2-زاهدة البرهان تحفر في جدار الماضي .
3- لميعة تندب حظها العاثر.
4- جلال سيف الحق يجلد ذاته.
5- ماوراء فهد الهزاع.
6- مكابدات عبد الرحمان البصير.

*المرأة بين التسليع والتمتيع : لميعة زواج بمرار الاغتصاب والانتهاك : تحالف المصلحة ممثلاً في الأبوة والكهانة.

كانت لميعة تعيش حياة الانطلاق والتمتع، حياة الجمال والورد الذي تحمل لقبه استحقاقا، منعمة في مدرستها قبل أن تفصل بدعاوى هي نفسها المتناسلة في كل مجتمع شرقي متخلف، لقد نضُجت وحان قِطاف ثمارها عنوة وإجباراً ، فتصير البنت مخلوقة بهدف واحد هو الزواج ولاشيء غيره : هذا كان حال لميعة الوردة فواحة غصناً مثمراً ليرمى بين أيادي عجفاء ، تأكل من رطبه ما تشاء غصباً وضداً ، حين وهبت للشيخ سلمان البرهان.
أ هو زواج التسلية والمتعة أم زواج التبضيع والتشيء ؟ وبينهما تقبع مسوغات دينية ومبررات وهمية : نيل البركات وبلوغ الدرجات ،إرضاء آلهة مزعومة وسمها الكاتب محقاً ب ” آلهة من دخان ” ، بل لعل خير الزواج في عرف الأب هو ما يجلب الثواب ويحقق الطاعة، فيُناسل في مباركته المغفرة النهائية وإسقاط الذنب *¹ .
إنه زواج تنمقه المشيخة على هواها وتُمْهره بطابعها الخاص الذي لا تعرفه إلا هي ميسماً ورسماً ، هكذا قال الأب يخاطب لميعة التي كانت في الرواية أنموذجاً واضحاً للإستغلال الجنسي الفاضح، كانت صورة للمرأة – القربان، عاشت الخواء النفسي والعاطفي والديني أيضاً، قبل أن تصل إلى الشيخ الحكيم الذي أوردها منهل الروح صافياً عبقاً ، ما جعلها تتغير كلياً لتصير لامعة كلية بعد أن كانت لُميعة مقزمة، كُتب عليها أن تعيش تعيسة تابعة خادمة، هي الأنثى حينها بطعم ما يُشتهي ويُمنى عند الرجل- المريد، تؤكل طرية ثم ترمى بعد ذلك منهَكة ومنْتهكة، غابت آدميتها وإنسانيتها،
كان الزواج هنا بمرارة الاغتصاب ، بمذاق الاستعباد والاستهجان، إذلال وإخضاع لا تحكمه العقلية الذكورية فقط وتسيجه، بل تشرعنه النسوة، ويمنحنه جواز مرور من نوع خاص ليعبر إلى القداسة بآفاقها الربانية الرحبة ” بركات ينثرها الشيخ أيضاً، هكذا قالت ابنته زاهدة ” .
ولعل ما حدث في ليلة الخلوة- الدخلة فروته لميعة وهي تندب حظها العاثر، في فصل اختار له الكاتب العنوان ذاته إمعانا في إذلال عقليتنا العربية المريضة ورش الملح فوق جروحنا المتقيحة منذ زمن تليد، ” قام بسياحة حول تضاريس جسدي مرت أصابعه الطويلة العجفاء على نهدي فشعرت بالغثيان ” * ² .
ولئن كان الدين مرجعاً ومستنداً يتحذه أهله وأصحابه و” مريدوه ” لشرعنة ما لا يُشرعن وتحليل ما لا يُحَلل، فإن الكاتب بطريقته العجيبة وخلطته الفريدة يدفعنا إلى التهكم من كل هذا في دراما مميتة لها لون الكوميديا السوداء ” رفع الحجاب هامساً : تبارك الله أحسن الخالقين ” فمتى شرع الخالق للمخلوق أن يستبيح خلقَه ويفعل فيهم ما يشاء تحت ستار المشيخة وتحت غطاء نيل رضى الله ودخول الجنان؟
عندما يتعاظم الاستغلال الجسدي والمادي ويعضده النفسي والديني، بل وتتم مباركته عياناً وإمعاناً ،جهاراً ونهاراً من طرف الوالد مُسانداً من طرف الأم، فهذا ما يدفع جيلاً كاملاً يُضحى به بهذه الطريقة الفجة العميقة ابتداعاً تارة واتباعاً تارات أخرى، إلى الكفران برابطة الدم والنسل، بل وينكر الدين من جذره ويتبرأ منه ويجحده جحوداً ما بعده جحود.
فهاهي لُميعة الأَمَةُ المُمْتلكة قسراً ، المُنتهكة عرضاً وجسداً تعلن تجردها الأبدي من رباط البنوة المقدسة ، من أم باعتها لشيخ بلحية بيضاء وأصابع عجفاء قد فقد رجولته فعلاً ( بمعناها المادي وبدلالاتها الممتدة أيضاً ) تقول لميعة : ” ومن ساعتها لم أشعر بأن المرأة التي أمامي هي أمي ” * ³ .

* ثنائية التخدير والنفاق :

تسيطر على خطية النص ايضاً هذه الثنائية ممثلة في السواد الأعظم من الناس، هذا التخدير الذي يلتهم جماعة كبيرة من المجتمع، حيث نجد الكاتب يصورها بدقة متناهية، عبر سبر أغوار حِرفيّ متمكن من آلياته السردية، جماعات من الرعاع والدهماء تقاد دون بصائر ولا بصيرة، دون تفكير ولا تعقل، استسلاما لزعامات ورقية لا تكاد تقود حتى نفسها من جهة ، ومن جهة أخرى خضوعاً لتقاليد متآكلة وعادات شرقية متعفنة، توارثتها الأجيال، دون ان تخضع لتشذيب عقل، ولا لتهذيب عقيدة ربانية سمحة. حتى غدت هذه التقاليد فروضا من فروض العقيدة وأبجدية من أبجديات المجتمع، فلا رادع يرْدَع ولا واعظ يُتّبع.
النفاق يجعل الإنسان تابعاً ذليلاً ، فلن يجد لذاته حضورا، ولا لشخصه توازناً، مصلحته الخاصة وحدها محركه، إربه غاية، وغرضه آية، ولهذه توابع بدون منافع ، فيصيرَ بدون رأي يعتبر ولا إرادة تُجبَر.
ولولا خطورة النفاق و تأثيراته الخطيرة ما حذر منه الله، وجعل المنافقين في الدرك الأسفل من النار، وهنا يكمن مناط التكليف في الدين، فكانت النية أساس كل عمل ديني يقرب المؤمن إلى ربه ، ومن ثم كانت خفية لا ظاهرة لا يعلمها إلا الله.

* التطهر بالصمت في علاقة أم عيسى ولميعة : عندما يغدو الصمت خلاصاً من الجروح.

تطهري بالصمت يا لميعة فإننا نعيش في عصر لا يفرق بين آلهة الخير وآلهة الشر. هكذا قالت لها أم عيسى
لقد جمع بينهما الزوج الواحد والمصير المشترك، كلاهما ضحية الكهانة والدجل التي صنعها المجتمع وسيّدها ، كلاهما تعاني في صمت، ليغدو الصمت مطهراً ،لكن التطهير لايكتمل عندهما إلا بزيارة الشيخ الحكيم *⁴ والانصات إلى خطبة الجمعة، هذا الشيخ نفسه وُسم في المتن السردي بكونه ينتمي إلى عالم آخر، هذا الانصات به وحده تصقل الروح وترتقي، فتتخلص من أدران التراب، وأوساخ الدنيا، فلا تعود الجروح المادية محسوسة، لأن الروح حضرت وحدها وغاب الجسد.
ولعل في خصوصية ديدن الكاتب احمد الجنديل وفرادة خطه السردي، وعمق تلويناته وبعد صداها، ما يجعلنا نتلمس صمتاً خاصاً من خلاله تثور الجروح، فللجروح قدسيتها التي ينبغي الحفاظ عليها والتستر على أسرارها، هكذا قال الكاتب على لسان لميعة التي اهدى لها الكاتب روايته، فجعلها مطية فلسفته الخاصة، ” فأقدس الجروح هي تلك التي تثور بصمت، بعيدة عن كلام بليغ يمارسه كهنة الدجل وفقهاء اللغو ”
بهذا المعنى السابق يصير الصمت على الجرح أبلغ من الكلام عنه، ويمكن أن يمتد بنا الطرح هنا إلى المخالفة مع ما يطرح علماء النفس، الذين يحاربون الصمت والاخفاء والمنع والكبت، ويجعلونها مدعاة إلى العُصابية، ويدعون إلى الاعلان والبوح، ويجعلون الاعتراف والإقرار مرحلة مصيرية للوصول للعلاج والشفاء. لكن الصمت هنا ليس صمتاً خالصاً يبقي الداء ماكثا في الجسد والنفس دون دواء، إنه صمت عن اعتراف للآخر المساوي أو المُداني، لكنه بوح لآخر عالٍ سماوي، قادر على التطهير والمداوة.

* ثنائية المشيخة والحكمة : فيض وعلاج

إذا كانت لميعة تعيش الكد والنكد مذ سُلبت آدميتها وانتهكت محارم جسدها بتحالف الكهانة والدجل مع الأمومة الكاذبة والأبوة المغشوشة، فإن دخول الشيخ الحكيم في حياتها بتوجيه من ام عيسى ” رمز الحكمة والحنكة التي طعّمها الكد والنكد ” ، كان لها فيضاً بارداً يطفئ الجحيم الحارق الذي تعيشه يوميا، بل وتتجرعه ساعة ساعة، نهارها كد وشقاء كله، فهو تلبية عمياء لأعمال لا تنتهي ، وليلها بكاء لا بارقة فيه تشع من بعيد، فتُتْبع لتنجي وتهدي.
تقول لميعة : ” كان يلقي فيضه البارد على جحيمي فيحيله إلى واحة من العزاء ” .

أ يُحضّر الكاتب في هذا الطرح نسخة مقبولة للشيخ الصالح المتدين الذي يهدي ويرشد، يقود ويسود ، ممثلة في” الشيخ الحكيم” مقابل رفض النسخة الأولى الممسوخة والممجوجة التي تتخذ الدين غطاء وتقية لقضاء الأغراض والمآرب ممثلة في الشيخ سلمان البرهان وورثته وسدنته ومن سار في فلكه ؟ أم يحْضُر الدين الوسطي المعتدل صقيلاً مهذَبا ومهذِباً ليشكل بديل راحة وطمأنينة نفسٍ لشخص تائه معذب فقط؟ فيحل النفسيُ- الديني علاجاً للمادي والمعنوي ، بعيداً عن كل تمترس إيديولوجي وتوجه مرجعي لا غنى عنه في الكتابة السردية بمعناها الممتد المترامي الأطراف.

الهوامش :
¹ .الرواية ص 70 .
². الرواية ص 72 .
³ . الرواية ص 73 .
⁴ . نشير هنا إلى العمق المقصود للكلمة ، مضافة إليها قيمة المشيخة بامتدادها الصوفي والديني وبعدها التاريخي، وارتباطها بالحكمة التي تشير إلى ربط العمل الصالح بالعلم النافع والخلق القويم، مع اقتران كلمة ” الحكيم ” في المحكي الشعبي بالطب والمداواة ،ونحن نعلم يقيناً أن الطبيب يداوي الأمراض الجسدية والنفسية والعقلية أيضاً .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: