أخبار عاجلة

د. نيفين عبد الجواد تكتب :فقط من أجل تلك اللحظة

من أجل لحظة واحدة ربما نُقرر كيف نعيش حياة بأكملها.

من أجل لحظة تساوي الحياة ربما نُضحي بما بقي لنا من حياة.

من أجل لحظةٍ ما نتوق إليها ربما نظل لا نجد لنا أي معنى في الحياة بدون تخيلها.

وفقط من أجل تلك اللحظة يكون للحياة معنى ويكون لنا هدف حقيقي فيها.

فهل تستحق أية لحظة مهما بلغت عظمتها كل هذا الاهتمام منا وكل تلك التضحيات مُقدَّمًا؟!

إن كل إنسان يسعى إلى ما يجذبه، ولا يجذب أيًّا منا إلا ما يشبهنا وكأنه يبحث عنا مثلما نبحث نحن عنه. فهناك من يسعى إلى الجاه والسلطان والنفوذ والمال والهيلمان، وهناك من يسعى إلى اللذة الجسدية حيثما وجدها وكيفما كانت سواء كانت مع الجنس الآخر أو مع أي جنس كان، وهناك من يطلب العلم لبناء عقله مثلما هناك من يُكثر من التهام الطعام لامتلاء معدته إلى حد التخمة. وهناك أيضًا من يكتفي بأي شيء مهما كان، ومن يطلب القليل من كل شيء، ومن يسعى إلى الكثير مهما زاد عن حاجته، ومن يُفضل أن يتوقف عن السعي لأي هدف مُنهيًا حياته من قبل أن تنتهي، ومن يظل يسعى بكل طاقته من أجل إصلاح نفسه ولكي يبذر بذور الخير في كل مكان.

وهكذا يظل الجميع كلٌّ مشغول بسعيه الذي بالقطع يناسب طبيعته ويتلاءم مع مكونات شخصيته، فهل نعي جميعًا مدى ملاءمتنا لسعينا وكيف أنه يُعبر عن مكنوناتنا حتى لو لم نشعر تمامًا بذلك معتقدين أن سعينا مفروض علينا وليست لدينا أية حرية في اختياره؟

إن الوعي بالهدف هو بداية الاستعداد لتحقيقه والوصول إليه، فإذا لم يصحب ذلك الوعي قدرة على التخطيط للوصول فسيظل أي هدف مجرد حُلم موضعه الخيال دون أن يرى النور ويتحول إلى حقيقة واقعة. وهذا الوعي السابق للتخطيط والضروري لاختيار الهدف وتحديده لا يمكن أن يكون وعيًا حقيقيًّا بدون قسط وافر من الحرية. لذلك فإن الشعوب المحرومة من المطالبة بحريتها والمجتمعات الخاضعة باستسلام تام لمن يسلبون أهم حقوق الإنسان في الحياة لن يكون لديها أهداف تختارها بمحض إرادتها ولكنها ستظل مُسيَّرة نحو أهداف موضوعة لها مسبقًا، وبالقطع تلك الأهداف ستكون في صالح من وضعوها لهم وليست في صالحهم هم.

فإذا كان الإنسان جزءًا من المجتمع الذي يعيش فيه، فأنَّى له أن يكون حرًّا وسط مجتمع أسير!! إن ذلك الأسر يحرم الإنسان من أبسط حقوقه ويحول دون الوعي بأهمية الحرية وأحقيته في نيلها والمطالبة بها إن كانت قد سُلِبت منه. وبالقطع لن يكون هذا سهلًا أو متاحًا في المجتمعات التي توصد كل أبواب الحرية مهما كان هناك من تواصل وانفتاح على العالم عبر الأجهزة الرقمية والذكية الحديثة. ففي ظل التغييب العقلي والتعتيم الإعلامي لن يجد الغالبية سوى الاهتمام بتوافه الأمور والالتفات اللحظي لغرائب الأحداث والحوادث اليومية التي إما أن تكون بشاعتها هي سر غرابتها، أو أن تكون خارجة عن المألوف وليس لها أية علاقة بالأخلاق أو الضمير.

فإذا كان المجتمع قد تم استدراجه والتحكم فيه عن بُعد بهذه السهولة فلن يكون غريبًا إذا ما ضاع الهدف العام ولم تصبح هناك أية قدرة على نسج حُلم يوحد الجموع تحت راية واحدة، أن تنجرف مجتمعات بأكملها إلى الإقامة الجبرية داخل سجن الشاشات الذكية كلٌّ في عالمه الخاص الذي لا يُعبر سوى عن الأنانية المفرطة والرغبة في الظهور والقدرة على إدعاء المثالية ورسم الابتسامة الزائفة دون أي التفات للواجب الإنساني المفروض على البشر جميعًا، وهو أن يكون لهم دور فعال في الإصلاح والوقوف في وجه الباطل والظلم والفساد.

إن عدد مرات الإعجاب بكلمة حق في أية قضية عبر تطبيقات العالم الافتراضي للتواصل الاجتماعي الزائف لن تغير الواقع إذا كان سيئًا، بل إن حركة الإنسان على أرض الواقع هي المنوط بها أي تغيير. وأول تغيير سيعيد للإنسان حريته هو قدرته على الخروج الإرادي من زنزانة العالم الافتراضي الكاتمة للأنفاس إلى عالم الحياة الواقعية التي تضج بالفساد والاستبداد والقهر والظلم، والتي ربما يكون قد هرب منها من فرط قسوتها أو بسبب عجزه أمامها.

إن الهروب لن يجدي، فلا مفر من المواجهة التي تتطلب قدرًا كبيرًا من الشجاعة والقوة، فمن أين لنا بالشجاعة في ظل سيطرة الخوف علينا؟ ومن أين لنا بالقوة وقد أوهمونا بضعفنا وعجزنا؟

إنها قوة تلك اللحظة التي ربما من فرط عظمة تأثيرها علينا إذا استحضرناها لا نتردد في أن نقرر كيف نعيش بقية حياتنا من أجل الوصول إليها.

إنها مجرد لحظة نقرر فيها أن نُضحي بكل ما بقي لنا من حياة من أجل الحياة ذاتها لا من أجل شذرات فيها لا قيمة لها.

إنها تلك اللحظة التي يعادل الوصول إليها الحياة بأكملها والتي يهون من أجلها كل شيء في الحياة.

هي فقط لحظة واحدة ربما نظل نتوق إليها طوال حياتنا، وربما نصل إليها أو نفقدها إلى الأبد، ولكنها هي المرادف للحياة فلا يوجد أي معنى للحياة بدون تخيلها.

هي لحظة واحدة يكتمل معها معنى الحياة إذا حدث واكتملت أهم معانيها، وهي الحرية والخير والحق والعدل والحب والسلام. فمن منا سينعم بتلك اللحظة الفريدة والغالية؟ ومن منا سيكون قادرًا على استحضارها والحُلم بها والتضحية من أجلها؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: