أخبار عاجلة

أشرف الريس يكتُب عن: ذكرى ميلاد كمال الطويل

هو ” فارس تجديد الموسيقى العربية ” و ” صاحب الألحان المُتميزة الفريدة ” الموسيقار الرائع ‘‘ كمال محمود زكى الطويل ‘‘ الشهير بكمال الطويل ذلك الفنان المُبدع الذى يُعد أحد أعلام الموسيقى العربية و أحد أبرز المُلحنين المُجددين مع الموسيقار العملاق بليغ حمدى و من أهم فرسان النهضة الموسيقية العربية المعاصرة و فارس تجديدها فإلى جانب الروح الشرقية النقية نشعر بانتعاش التجديد و البعد عن التقليدية فى أعماله لأنه من القلائل الذين قدموا أفكارهم المُبتكرة بالاعتماد على المقامات الكلاسيكية الشرقية و هو آخر الراحلين من عمالقة تلك الفترة الذهبية بعد أن تميزت موسيقاه بالروح الشرقية الخالصة دون تغريبٍ على الإطلاق و يُعد أيضاً من الملحنين القلائل الذين استطاعوا تقديم أفكار جديدة من المقامات المُعتادة و رغم وجوده على الساحة حتى عام 2003م إلا أنه كان مُقلاً كثيراً فى نشاطه الفنى بعد الستينيات من القرن الماضى بعد أن كان يشتُهر بين الشُعراء بأنه لا يُلحن أغنية إلا إذا عزفت كلماتها على أوتار قلبه أولاً ! و لم يكُن له خلافاً فنياً يوماً ما مع زميل أو زميلة له طيلة مُشواره الفنى بأكمله و لم يتعرض لأى انتقادات على المُستوى الشخصى مثل الكثيرين من فنانى جيله و هو ما يكمُن فى نظرتها إلى نفسه طوال الوقت بطريقة بها ثقة بالنفس و شموخ ممزوج بدرجة عالية من الشفافية و الصراحة و الوضوح و الحق يُقال أنه كان موسيقاراً كاملاً فى بهائه و مُتوَّجاً بتاج ثقيل تُرصِّعُه آلافُ اللآلئ و فى قلبِ كلِّ لؤلؤة مشهدٌ و فكرةٌ و بيتُ شعرٍ و قلبُ شاعرٍ و روحُ أديبٍ و ليالٍ طوالٌ من السَّهر و السفر و القراءة حتى وصلت على عربة ملكية تجرُّها خيولٌ عربيةٌ قُدَّت من ماء الشِّعر و الملاحم و الأساطير فتعلّقتِ الأبصارُ بعينيه اللتين تحملان إرثاً هائلاً من فرائد الموسيقة الشرقية الأصيلة التى لا يقوى على مُطارحتها إلا ذوو البأس و ذوو الموهبة من الحقيقيين الذين لا تُدثِّرُهم قشورُ الزَّيف و غُلالاتُ الادّعاء .. ولد الطويل فى 12 / 10 / 1922م فى مدينة طنطا بمُحافظة الغربية حيث نشأ فى أسرة وفدية مُهتمة بمُجريات الأحداث السياسية و عاش الحِرمان فى أقصى صوره خاصة بعد وفاة والدته حُزناً و كمداً بعد زواج والده من سيدة أخرى ! و بعد وفاة الأم أرسل الأب إبنه كمال إلى مدرسة الأورمان الداخلية و رغم هذه القسوة إلا أن علاقة الطفل كمال بالشعر و الموسيقى قد بدأت أثناء مَعيشته فى كنفِ جَدِهِ بطنطا فكان الجَدْ يصحب حفيده إلى سُرادقات الإنشاد الدينى فى مولد السيد البدوى ليستمع إلى أساطين التلاوة و الإنشاد و قد راح الفتى الصغير ” يجتر ” مخزونة من الموسيقى و الغناء ليستأنس به فى مواجهة الوحدة و التعاسة التي حاصرتهُ مُنذُ نُعومة آظافره و لم يجد كمال مفراً إلا الهروب بتعاسته ليعيش فى شرنقة من الحُزن و المَسْكَنة و لا يخفف عنه إلا جُلوسه وحيداً و هو يُدندن بعض الأغنيات ليستمِع مُدرس الأناشيد بالمدرسة ” محمد صلاح الدين ” إلى صوته و يُعجب به و يُقدمه إلى المُفتش العام للموسيقى ” أحمد خيرت ” الذى كان التلاميذ يحفظون أناشيده و يرددونها ليُصبح المُطرب الرسمى للمدرسة و التى قررت إقامة حفل فى نهاية العام لتقديم مُطربها الموهوب بشرط أن يلبس ( بدله إسموكنج ) و لكن الحِرمان و الكبرياء وقفا حائلاً دون تحقيق هذا الشرط التعجيزى له ! فلم يكن يستطيع طلب أى شيئ من والده كما أن كبريائه كان يمنعُه من طلب أى شيئ من أعمامه و ضاعت الفُرصة حيث أخذها طالب أخر موهبته أقل و لكن أمواله أكثر مكنته من شراء الإسموكنج ! و قد أدْمْتْ تلك الواقعة قلب الفتى الصغير فقرر هَجر الموسيقى و المدرسة و راح ليبحث عن عمل إلى أن أسعفته هوايته الثانية و هى الرسم حيث عَمِلَ رساماً فى ” الأشغال العسكرية ” بالقوات المُسلحة ليقوم بتصغير و تكبير الرُسوم و الخرائط حسبْ الطلب و بمُرتبٍ شهرىٍ 12 جنيها على أن يعيش فى الأسكندرية و بعد أن شد الفتى الرحال إلى هناك قرأ عن معهد جمجوم لتعليم الموسيقى فذهب إليه على الفور و دفع ثلاثين قرشاً المصروفات الشهرية و إنتظم فى الدراسة بهذا المعهد لمدة أربع سنوات و تتلمذ على يد المُطربين الكبيرين “عبده السروجى ” و ” عباس البليدى ” و ” الشيخ على الحارث ” و فى هذه الفترة تعرف على المُلحن ” رؤوف ذهنى ” ( سكرتير الموسيقار محمد عبد الوهاب ) و على عازف الكمان الشهير ” أنور منسى ” .. كانت مُزاملتة للعندليب الأسمر للطويل فى معهد الموسيقى بداية لإنطلاقته الفنية الكبيرة و من مُفارقات القدر أن الطويل دخل قسم الكورال ! أما حليم فدخل قسم الموسيقى لتعلم آلة المندولين و لكن كل منهما إكتشف نفسه فى موهبة الآخر فيما بعد ! فصار حليم مُطرباً و أضحى الطويل موسيقاراً ! فالتقيا معاً فى أروع الأغانى الوطنية و العاطفية وصلت لـ 56 أغنية كان أشهرها ” الحلو حياتى “و ” هيه دى هيه” و ” قولوله الحقيقة “و ” بتلومونى ليه ” و “فى يوم فى شهر فى سنة ” و” بلاش عتاب ” و ” ذات ليلة ” و ” بلدى يا بلدى ” و ” بالأحضان ” و ” صورة ” و ” المسؤلية ” و ” يا أهلاً بالمعارك ” و ” ناصر ياحُرية ” و ” احلف بسماها ” و ” بالدم ” و ” اضرب ” و ” بُركان الغضب ” و ” إبنك يقولك يابطل” و ” على قدالشوق ” و الأخيرة ساهمت فى شهرة عبد الحليم شُهرة كبيرة كما قام الطويل بالتلحين فى عددٍ قليل من الأغانى لأم كلثوم مثل ” لغيرك ما مددتُ يداً ” و” غريب على باب الرجاء ” و الإثنين من كلمات الشاعر طاهر أبو فاشا لكن أشهر لقاء لهما كان في أغنية ” و الله زمان يا سلاحى” التى غنتها في عام 1956م إبان العدوان الثلاثى على مصر كما إلتقى الطويل مع مجموعة أخرى من المُطربين كان على رأسهم نجاة فى عدة أغان جميلة مثل ” إستنانى ” و ” عيش معايا ” و مع ليلى مُراد فى ” ليه خلتنى أحبك ” و فايزة أحمد ” أسمر يا أسمرانى ” و وردة ” بُكرة ياحبيبى ” و صباح ” مال الهوى ” و محمد قنديل ” بين شطين و مية ” و ” يارايحين الغورية ” و محمد عبد المُطلب ” الناس المُغرميين ” و سعاد حسنى حيث لحن لها آغانى فيلمى ” خلى بالك من زوزو ” و ” أميرة حُبى أنا ” و من أشهرها ” الدنيا ربيع ” و ” بمبى ” كما لحن لها اغانى مُسلسل هوه و هيه و كان آخر ما لحن كمال الطويل أغنية ” عَلى صوتك بالغُنا ” التى غناها محمد منير فى فيلم المصير كما قدم كمال الطويل الموسيقى التصويرية لفيلم ” عودة الإبن الضال ” مع المُخرج الراحل ” يوسف شاهين ” من كلمات ” صلاح جاهين ” و غناء ” ماجدة الرومى ” قبل أن يعتزل التلحين ليعود من جديد مُجاملة فقط ! للمُخرج يوسف شاهين و يُقدم معه الموسيقى التصويرية لفيلم ” المصير” وعند رحيله آعاد شاهين تقديم موسيقى المصير فى فيلم ” إسكندرية نيويورك ” الذى حمل إهداءٌ خاصاً إلى الطويل .. انضم الطويل إلى حزب الوفد و تم انتخابه عضواً بمجلس الشعب عام 1987م على قائمة الوفد و تشهد مضابط الجلسات بمدى الحيوية التى كان يتسم بها النائب كمال الطويل الذى فجر العديد من القضايا الجماهيرية الهامة و كان الطويل في سنوات حياته الأخيرة يؤكد على أنه لم يعد هناك الفنان صاحب القضية و كان يرى أن الأغانى الوطنية التى تم تقديمها فى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى قد نجحت لأن دوافع و انفعالات الفنانين الذين قدموها كانت صادقة و كانت الدولة كلمة واحدة و كان الفن مُلتصقا بالشارع أما الآن فالحسابات و التوازنات كثيرة .. تزوج الطويل من ” باولا عزت ” و أنجبت له نجلاًه ” خالد ” و ” زياد ” .. كان الطويل من البشر الذين حفروا كبريائهم على خلاياهم و راحوا يعيشون على أطراف أصابعهم يُدميهم التطاول على ذواتهم ! و يقتلهم الإنتقاص من أقدارهم و لذلك يعيشون فى معركة دائمة للأسف مع الأصدقاء ! و لقد إختار أن يعتزل الناس و يرتضى العُزلة لينأى بكرامته عن تلك المعارك الدامية فكانت فروسيته تأبى عليه أن ينتقم و تدفعه دوماً إلى أن يقاوم بموسيقاه و آغانيه التى أشعلت وجدان الأمة و لكن مُقاومة المُحارب العنيد أصابها الوهن بعد أن تغير المناخ العام فراح ينسحب تدريجياً حتى دخل بإرادته فى شرنقة العُزلة إلى أن رحل فى 9 / 7 / 2003م عن عمر يناهز الـ 81 عاماً بعد أن عاصر كل الموجات الغنائية الجديدة و بعد أن ترك لنا رصيداً من الألحان الجميلة التى رددناها و سنظل نُرددها حتى يوم يُبعثون .. رحم اللهُ موسيقارنا الكبير و تجاوز عن سيئاته و أسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: