الجمعة , نوفمبر 27 2020

“حصرم” غزّة المُرّ حكايات المُهجّرين وحُلم بالجنّة

كتبت :ثورة حوامدة

حلم الشباب في غزة لم يعد هِجرة أو سفرا بلا عودة، هو أبسط من ذلك وأقل تكلفة، الجميع يحلم بحياة أفضل، ببداية صباح مختلفة، خالية من أخبار الخراب وبقايا المفاوضات، ورائحة الشهداء التي باتت تشكل حدثا رئيسيا في حياة كل غزّي، ثمة حلول ممكنة للهروب من الواقع المعاش دون هروب، وقد اختار المؤلف حلا بسيطا ليعالج مشكلته وسط هذا الدمار، صنع لنفسه مدينة خالية من كل شيء سواه، يسكن بها وحده، تخلو من أصوات المارة، من هتافات الباعة المتجولين، من الذكريات المجلجلة برائحة الماضي .
رواية “حصرم الجنة” (منشورات الدار الأهلية- عمّان، 199 صفحة)، هي الرواية الثالثة للكاتب عاطف أبو سيف، الذي هو نفسه “بطل” الرواية/ السيرة، وقف فيها وقفة طويلة مع النفس، تكفل له أن يعزف بوح أفكاره ، أن يكتب نفسه كي لا ينسى تواجده في ذكرياته الماضية “الآن أعود لدفتري أستعين به في تحقيق وجودي وإستعادة وجهي رغم أنف المرآة” ، لتتناغم تلك الزخات مع ذكريات عائلته والمخيم وفلسطين ولندن .

مِلعقة الوالدين
ورث البطل/ المؤلف عن والدته “ملعقة”، ولهذه الملعقة قصة كبيرة، تشبه يافا في ذاكرة من هُجّر منها ولا يستطيع نسيانها ،على اعتبار أنها موروث يعطي صفة الملكية، حملتها جدته من بيتها قرب شاطئ يافا لأهميتها، كانت تلقم جدّه الكسترد بها في كلّ عيد زواج، ونقلت هذا السلوك لوالد المؤلف ووالدته، فاعتادا في عيد زواجهما أن يلقما بعضهما الكسترد، كنوع من العادات التي تدخل البهجة في الحياة الزوجية، وقبل وفاة والدة المؤلف، حمل والده الملعقة وطبق الكسترد وذهب بهما إلى المشفى، وراح يلقم زوجته آخر لقمات لها في هذه الحياة، احتفلا بعيد زواجهما الأخير.
حملت الملعقة ما لم تحسن الصور والمذكرات الكتابية أن تحمله، حملت ريق والدته، ودفعه ذلك إلى أن يدفن هذه الملعقة في صندوق خشبي صغير في خزانته، كي لا تهاجر رائحة والدته وريقها، فهي كما يعتقد ذاكرة تؤشر على البقاء والهوية ” قلت لها هل تريدينني أن أخون أبي وأمي، أخون ذاكرة أخواتي وإخوتي عن قصة حب والديهما، قالت: لم أقل ذلك، لكنك تحبني، وأنا أريد أن نعيد سوية سيرة أبيك وأمك . لكن ليس عبر ملعقتهما، مثلا بملعقة جديدة”

الحكايات التي اعتاد المؤلف على تدوينها كانت جرس إنذار لذاكرته، كي لا تضيع في خطوط الزمن ومستجداته، وقد يكون مربكا أن يستمر تسجيلها لسنوات طويلة، تحديدا حين تأتيه اللحظة ليستعيد مع ذاكرته ما كتبه في مراهقته وشبابه، يضحك أحيانا أو يستغربه أحيانا أو ينكر ذاته أحيانا أخرى، رغم إثبات خطّ وجوده بين الكلمات وأزقة الحروف، قد يرى ذلك مؤلما له حينما لا يرى صورته واضحة في خط يده، لكن الأسوأ على الإطلاق هو أن يقف أمام المرآة ولا يرى انعكاسه فيها، أن تعكس المرآة ظلالَ ما حوله سواه، هو لا يظهر له أي إنعكاس، سيكون هذا نفيا لكينونته ولحضوره وسط كومة الأشياء المحيطة الملموسة، وليس فقط في ذكرياته التي حاول دائما أن يمحوها وينساها .

حوادث وذكريات
في هذه الرواية “السيْريّة” ، وكما يحمل الفلاح معوله ليقتلع شوك ذكرياته، من جباليا نقطة البداية إلى لندن وعودة أخرى، يحمل فيها المؤلف ثقلا يسبب أزمة في التفكير والحلول، قد يكون الحل أن ينتزع ذاكرته، أو أن يتأقلم مع الوضع القائم، أو قد ينسى أنه يعيش، وكان الخيار الأخير هو الأقرب للاختيار، لكنه الأكثر صعوبة في التطبيق، كيف ينسى المخيم وزقاقه، الشاطئ ورماله، جدته وقلادتها، أمه وعناق كفها لشعره، والده ورسائله التي لم يمل يوما من كتابتها لأعمامه في المنفى، سهاد التي تكره ضعفه بقدر كرهها لغزة .
تحت ثلاثين عنوانا فرعيا، قسم الكاتب تفاعله مع كل حدث في الرواية، طفولته، المخيم، الشاطئ، العمل، السفر، الحب، العائلة، الخوف من المرآة، دفعه إنكارها له أن يرسم لنفسه صورة بورتريه ، ليتأكد من ملامحه على الورق، وبأنه لا ينسى شكله وتفاصيل وجهه رغم ظلم المرآة لكينونته، لكنه فور انتهائه منها ألقى بها إلى الشارع من النافذة، وراح الغزيّون يلتفّون حول تلك الصورة ، يتهامسون عن سبب تواجدها هنا، ومن هو صاحبها، وتظهر في هذه الحيثية عادة واضحة في المجتمع الغزّي وفضوله لمعرفة الأشياء “سهاد كانت تقول لي إن الناس في غزة فضوليون جدا إلى أبعد حد، كانت النسوة في الحارة يسألنها عن موعد دورتها الشهرية دون أدنى شعور بالحرج ، كأن من حقهم أن يعرفوا” .

 

لم تغادر يافا حلم الغزيّين المهجّرين منها، تُذكر دائما في أي حديث يومي بين العامة، في غداء يوم الجمعة، في برتقال الساحل، لكن الأكثر غرابة، أن يكون ليافا مكانة مهمة عند بيتر/ صديق المؤلف، البريطاني الجنسية، والذي يعمل في مؤسسة خيرية في غزة، يقول بيتر إن والده وقع في حب فتاة عربية من يافا، أيام الانتداب، وجاء هو إلى فلسطين باحثا عن هذا الحب القديم حسب ما ذكره والده في يومياته آنذاك “كانت أجمل من أن توصف وأرق من أن ترسمها ريشة فنان، شعرها مثل الليل وعيناها مثل الفحم “، وطبقا لسياسات الدول الاستعمارية حيث لا وجود للحب، والنفوذ هو المهم، فقد ترك والد بيتر حبيبته في يافا ورحل مع رحيل الانتداب، وجاء بيتر يبحث عن الحب ليقع فيه، فأحب فتاة من نابلس في زيارة له إلى هناك، ليصبح الحب لعنة تصيب كل من وطئت قدماه فلسطين.

رمزيّة الحُصرم!
جنة الحصرم أو حصرم الجنة، هما وجهان لوجع واحد، قد يخال البعض أن الكاتب يقصد غزة، أو الوضع الفلسطيني الراهن بحصرم مفاوضاته ومُرّ حاله، لكن الأمر أبسط من ذلك بكثير، فهي قصة حب الكاتب للعنب وهو حصرم حامض، قبل أن يصبح عنبا حلوا، إذ يجد فيه متعة لا تضاهي متعة الصيّاد في التهام ما لذّ وطاب من صيده اللذيذ ، لكن هناك مفارقة بسيطة، يحاول الكاتب من خلالها أن يقنع والده بأنّ التفاحة التي كانت سبب نزول آدم من الجنة كانت “حصرم” لشدة حبه بالحصرم ، على اعتبار منه أن آدم لو لم يكن يحب الحصرم/ التفاح مثله ، لما خسر هذه الصفقة التي وعدته بالخلود، وقد ناقش ذلك مع والده حينما كان يقص عليه قصة آدم وحواء وسبب نزولهما من الجنة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: