الخيانة……قصة قصيرة بقلم إلياس الخطابي

الحب لعنة .

هذا ما قالته لي متسولة في باب المقهى ، لم اواكب سيري ، وقفت ،تأملتها ، اخرجت الهاتف من جيب السروال ، أطفأت الموسيقى . حدقت فيها ،من اخمص قدميها الى قمة راسها ، ملابسها متسخة ، عيناها تدمعان . انسانة نحيفة، لا تنتظر شيئا ،سوى الموت ، يا لها من حياة ، حياة قذرة ، ليس لها اي معنى ، الموت بصورة اخرى . قلبي خفق بعنف . لا اعلم كيف اتعامل مع المواقف التي تشبه هذا الموقف ، عائلتي لم تربني على شيء، سوى قساوة القلب ، الذين يخونوني اسمح لهم ،لكنني لا اقدر على العودة معهم ، أتناسى ،لكن الألم يبقى ، يأبى ان يندمل . الصفح هو ان ننسى ما حدث ،ونبدأ من جديد . لم اتعلم هذا اطلاقا ، قرأت عنه كثيرا ،ورأيت الناس افئدتهم مثل افئدة الطير ، ان هؤلاء هم من يستحقون الجنة . اذرف دما ،حينما أرى الناس تتعانق مع الذين أخطأوا في حقهم ، ينسون ويبدأون من جديد ،ويواكبون السير . يعلمون جيدا ان التجارب الإنسانية فيها اخطاء ،وتقلبات كثيرة .

ذاكرتي رجعت بي الى الوراء ، تذكرت عمي وجدتي ،اللذان رحلا الى دار البقاء منذ امد ، اعرف الكثير من الناس رحلوا عن هذه الدنيا ، لا اتذكرهم سوى في الأيام الأولى، التي سمعت خبر وفاتهم .اما جدتي وعمي فذلك امر آخر ،اتذكرهما ليل نهار ، علاقتي بهما لم تكن عادية، كعلاقتي بالآخرين . لا اتذكر جيدا كل الأيام التي عشتها بجانبهم، كل ما اتذكره هو انني كنت احبهما كثيرا .

سألت العجوز بصوت خافت:
-ماذا حدث لك حتى تقولين ان الحب لعنة ! قبل ان تقول شيئا ، اضفت : الحب افضل ما يوجد على هذه البسيطة ،وبه نجعل الحياة ممكنة ومحتملة ، لو كان الكره وحده لكانت الحياة جحيما .

دمعت عيناها ، لم اعرف كيف اواسيها ، وماذا اقول لأخفف عنها ، سمعت مرارا : النساء يبكين كثيرا ،احيانا بسبب ،وأحيانا يبكين بدون سبب .
الإنسان يبكي بدون سبب ، عجيب وغريب . حينما تضيق بي الحياة ،احاول ان ابكي ، لكنني افشل ، كأن مقلتاي جفت من الدموع . لكن بكاء القلب اقسى من بكاء العيون . الذي يبكي بداخله ، يكون حزنه اعمق بكثير .

مسحت عينيها وقالت :
-اعطيت روحي وجسدي لشخص ظننته انسانا، لكنه ابن قحبة ، انسان بدون ضمير . انسان ضاجعني ، حملتمنه ،حينما انتفخت بطني ،تركني وفر ، غير البلاد ، لا اعرف اين ذهب ،ولا يهمني ذلك ، حتى حياتي لا تهمني ، الدنيا هي هذه يا ولدي ، هناك اناس يعيشونها ،يشعرون بحلاوتها، يعيشون الفرح اكثر من الحزن ، هناك آخرون لا يعيشون ،يولدون ليتعذبوا وليتعذبوا ،يعيشون جحيما ، هذا لا يهم ايضا ، الله خلق الإنسان في كبد ،والذي يشقى كثيرا في الدنيا سيسعد في الآخرة . حياتي مضت كما مضت حياة أناس كثيرين مثلي ، الذي يهمني ابنتي

حينما قالت ابنتي ،حمدت الله كثيرا ، وسررت بكونها لم تقتلها . سألتها مرة اخرى :
-ابنتك ما بها ؟
ظلت فترة وجيزة ،تحدق في الفراغ ، وفي الداخلين والخارجين ، ثم قالت :
-ابنتي الآن تبيع جسدها بسببي ، لو لم اتسرع لما حملت ،ولما ولدتها ، الإنسان عليه ان يلد ،حينما يقن انه سيأتي بمن هو افضل منه ، الذي ياتي بمن هو اخبث منه ، عليه ان لا يقترب للزواج ، ان يستمني افضل .

صمتت . حشرت رأسها في في الأرض . لم اودعها . دخلت للمقهى ، حدقت في كل الزوايا والجالسين وخرجت ، شهيتي انعدمت . حينما عدت ، رددت في الطريق :
-الحب لعنة .

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: