القوالب المكسورة .. بقلم : خالد جهاد

برغم التباين في القدرات والمهارات والإمكانات بين الناس وهذا أمر طبيعي، إلا أننا لا نستطيع أن نعطي رأياً منصفاً وموضوعياً تجاه موهبة أي شخص في أي مجال طالما أننا لم نعطه الفرصة الكاملة لإظهارها، تماماً كما تمنح الفرص لغيره، فقد يكون هناك سبب ما لا يدفعه للإبداع أو يدفع مكنوناته الحقيقية للظهور خاصة ً عندما تكون معايير التقييم جامدة صلبة وغير مراعية لتطور واختلاف التجارب والأفكار وانفتاح الثقافات بشكل مخيف عبر الزمن، وغير مرتكزة على ثقافة أو وعي أو دراية بعلم النفس لأنه مفتاح مهم لمعرفة الإنسان سواءً كان ذلك للموهوب أو من يقوم بتقييمه، أو تكون منسوخة عن تجارب غربية دون التفكير بملائمتها للمجتمع ولذوقه، أو منغلقة على نفسها تحت مسمى (الأصالة)، أو أن التقييم خاضع للأهواء والمزاج الشخصي وتعنت رأي شخص بعينه..

ويسعى كثر رغم حيرتهم إلى إثبات أنفسهم وإظهار قدراتهم أملاً في حصولهم على الفرصة التي يحلمون بها، فأحياناً يصيبون وأحياناً أخرى يخطئون، وأحياناً يرضون بفرص تبدو شكلياً (مغرية) لكنها في الواقع سجنٌ كبير لموهبتهم وفخٌ يصعب الخروج منه، فبرغم أن الموهبة هي الأساس إلا أن إدارة الموهبة هي ما يضمن لها أن تبصر النور ويكتب لها الإستمرارية (وقد يستطيع الشخص فعل ذلك بنفسه)، عدا عن وعي أي شخص بمزاياه وعيوبه، وتمتعه بالثقافة والنضج الذين يقودونه لأمرٍ بالغ الأهمية ألا وهو الصدق مع النفس قبل أن يكون ذلك مع الآخرين، فيعرف من خلال استبصاره بذاته ما الذي يناسبه ويستطيع أن يبدع فيه بعيداً عن الشعور بالغيرة من نجاح زميل أو اسمٍ ما ومحاولة تقليده، أو محاكاة أحد الأيقونات البارزة في أي مجال، ومع أن الفرص باتت قليلاً ما تكون متوفرة في زمننا الحالي حتى لمن حفروا اسمهم في وجدان الناس إلا أن بعضها قاتل بالمعنى الحرفي..

فقد يطلب أو يشترط من يعطي هذه الفرصة أو الوظيفة لمن يرغب بها أن يكون محصوراً في إطارٍ معين أو شكل محدود أو طريقة نمطية، أو أن يفرض عليه فكرة قد لا تناسبه حتى وإن كان مانح الفرصة يراه مؤهلاً لها، فالرؤية الصائبة لا يتمتع بها الكثيرون حتى لو كانوا أسماءاً معروفة أو لديهم تجربة طويلة، فلربما استطاع أحدهم رسم الطريق لنفسه لكنه يعجز عن رسمه لغيره أو رؤية ما هو أبعد وأعمق، ببساطة شديدة لأننا لسنا نسخاً من بعضنا، ولأن التفاوت في الرؤية موجود كما هنالك تفاوتّ في درجة المواهب وبروزها، كما وأن البعض قد يطلب من شخص أن يكتب بطريقته أو يؤدي أو يتحدث بطريقته كشكل من أشكال النرجسية والزهو بالنفس واعتباره أنه (مدرسة) وهو تلميذ سيكمل مسيرته،دون أن يفهم أن أي شخص لن ينجح إلا إذا كان نفسه، وقام بما يشبهه أو يبرع فيه أو تم توظيف موهبته بالشكل الصحيح الذي يخدمها وليس ما يلبي تطلعات مانح الفرصة أياً كانت تجارية ً أو شخصية، وكثيراً ما تسببت هذه النوعية من المشكلات في تعطيل أو تأخير أو حتى إنهاء مسيرة أسماء كانت تتمتع بالموهبة والذكاء والقدرة على العطاء..

لذلك فإن القولبة أو التأطير أو التنميط لأي شخص أو مفهوم أو موهبة ومحاولة محاصرتها هو إعلان وفاة مؤجل لها، فقد يقدم أحدهم عملاً رائعاً أو يكتب نصاً جميلاً ويحقق له نجاحاً وانتشاراً، لكن تكرار المحتوى أو الأداء أو النمط عدة مرات دون تغيير أو تجديد أو وجود فرق في معالجة الفكرة أو تقديمها وتناولها سيجعل الناس تنصرف عنه مهما كانت معجبةً به،ولربما كان أولهم الشخص الذي وضعه في هذا القالب بعد استنزاف موهبته وعدم قدرته على تحقيق استفادة منها،كما أن المتلقي اليوم بات ملولاً ومدللاً ومتطلباً وغير متابع لإسمٍ بعينه إلا فيما ندر، لذا على الجميع أن يحذر من التعليقات المادحة والمدغدغة للعواطف عبر صفحات مواقع التواصل الإجتماعي، لأنها تخدر وعيه وتقلل عزيمته وتشوش رؤيته وجمهورها متقلب ومؤقت، وعلى أي مبدع أن يسعى إلى التنوع في مسيرته وأن يحاول بإستمرار أن يطور نفسه ويثقفها ويستفيد من تجارب الغير،وأن يقدم ألواناً وأشكالاً وأنماطاً متعددة (إن امتلك القدرة والموهبة والأدوات) التي تمكنه من ذلك،وقد تكون أيضاً الموهبة محدودة لكنها مميزة في جانب ٍ ما فتستطيع أن تستمر بالتركيز على ما تجيده لتطوره وتحسنه وتقدمه بذكاء وتجدد..

ويقع العديد في فخ الإنبهار بالنجاح المؤقت لبعض الأعمال والموجات العابرة فيسعى إلى أن يحذو حذوها ليحظى ببعض ٍ من بريقها،كما وتتجه أنظاره أيضاً إلى تجارب وأسماء كبيرة وراقية ومحترمة يتمنى أن يحقق ما حققته،فيسأل نفسه ما نوع الشيء الذي يجب أن أقدمه؟ جماهيري بلا قيمة أو معنى أو عمل حقيقي محدود الإنتشار ومحصور في النخب والمثقفين؟
وطبعاً تختلف الإجابة من شخص لآخر، لكن ستبدو أكثر سهولة مبدئياً إن حدد ماهو هدفه،وتبعاً للهدف سيكون الإختيار،وعندما يختار أي منا أن يترك أثراً أو بصمةً حقيقية لدى الناس لن يقدم على أي خطوة لا تضيف إلى إسمه أو تثري مشواره أو تصنع إرثاً يبقى بعد رحيله مهما كانت الصعوبات،وحينها فقط وبناءاً على جهد ونجاح فعلي ومتراكم قد يصل إلى المعادلة التي تجمع القيمة مع الإنتشار الجماهيري،فلا تسجنوا أنفسكم وقدراتكم ومواهبكم ومشاعركم في نظرة غيركم وقوالبهم وأفكارهم،بل اكسروها بإنجازاتكم مهما كانت متواضعة فتلك نظرتهم لا حقيقتكم،واختاروا دائما ً مسيرتكم على كل الأصعدة،فالبشر راحلون وميراثهم يبقى..

خالد جهاد..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: