الطبيبة الملاك وأطياف العذاب….بقلم بلخيري محمد الناصر

في سنة 1990 عرجت على مستشفى مصطفى باشا بالجزائر العاصمة للتبرع بالدم لفائدة ابنة زميل لي كانت مريضة , بعد أن قمت بالواجب خرجت من المستشفى, وعن طريق الصدفة التقيت بزميل لي أعرفه منذ سنة 1983 كانت تربطني به علاقة عمل, كان نعم الرجل ونعم الصديق, مثاليا الي درجة لا تصدق, ترتسم على وجه ابتسامة دائمة, سحرية جذابة تدغدغك لتروض اختلاجات نفسك وتأسرك فلا تترك لك مجالا أو فرصة للانتباه أو إزاحة النظر, أعتبرها رزق ساقه الله اليه كقبول في الدنيا, أو محبة من الله  زرعت فيه لخير أحبه الله فيه, من خلالها أحبه الجميع, لإنه تقي نقي  سلس ينساب كموجات كهرومغناطسية مع خفقان الرحمة, ليلامس مشاعرك وأحاسيسك فيحتوتيك دون أن تشعر, تتيه مع كلامته وخاصة عندما يذكرنا بالموت والحياة ومحبة الله أو عندما يرتل أيات من القرأن العظيم , مواظب على الصلاة, حافظ لكتاب الله ولقد رأيت القرآن مجسدا في أخلاقه وصوته السجي وخاصة عندما يحبر القرأن تحبيرا أو يرتل قول الله تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗوَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) سورة أل عمران الأية 185, حتى تمنيت لو أنني كنت مكانه في ترتيل القرأن, حقيقة يعجز اللسان عن وصف الفترة التي قضيتها معه, أنساني فيها كل هموم الدنيا, لقد كدت أن أدخل عالم التصوف وأن أهجر الدنيا وما فيها وأن أعتكف لعبادة الواحد الديان, تأثرت به الي درجة أنني كدت أن أحفظ كل خطب الداعية كشك رحمه الله.
وكانت فرحتي كبيرة عندما التقيته, سلمت عليه واحتضنته وكانت فرحته أعظم من فرحتي, جلسنا في أحد المقاعد الحديدية داخل المستشفى الذي كان في سعة بلدية وكأنه مدينة, تجاذبنا أطراف الحديث من حكاية لذكرى ومن أخرى لمتعة ومن طرفة لمزحة, سألته عن أحواله وأحوال عائلته فأخبرني أنه تزوج من طبيبة تعرف عليها أثناء مرضه, قلت له كيف ذلك فقال لي:
في أواخر سنة 1984 أصبت بمرض في جهازي التنفسي وأدخلت على إثره المستشفى, أتعبني وأثر علي صحتي تأثيرا كبيرا, لدرجة أنني كرهت الحياة وطلبت من الله أن يقبض روحي, سعال متواصل وحشرجة أفزعتني وطاردتني في أحلام يقظتي ومنامي, والآم لا تنتهي متواصلة ليلا نهارا  وكأنها لصيقة بأعصابي, رحلة بين العذاب والدموع, ضعف جسدي وأصبحت كهيكل عظمي, غارت عيناي وتيبست شفتاي, أصبح و أمسي على أرواح وأطياف الموتى وهي ترمقني بنظراتها العميقة الثاقبة, أفزع وأبكي في صمت يدركه عقلي ولا يصل عيناي, أناشد الله مع خفقات قلبي عله يرحمني ويذهب بأسي, أغمض عيناى, فينتابني الفزع وأحس أن جيوش الموت تريد أن تخنقني, أصرخ صراخا تسمع الرحمة صداه في عروقي وأوردتي ولا يحس به البشر ولشدة الألم تتشتت رهبتي.
خلال مرضي كانت هناك طبيبة تقوم بالمناوبة الليلية, تتفقدني وتحاول أن تخفف من آلامي, كنت أراها ملاكا نزل من السماء,ابتسامتها زرعت في دمي الحنان والحياة,  فكانت ترياقا خفف عذابي وأنساني معاناتي مع المرض, كانت في الثلاثين من العمر, في عيناها رأيت القمر والشمس متلازمين, رأيت جمال الدنيا جمع في بريق سحري يتلألأ  مبتسما أحتوى كل الكون وجمعه في ذرة جعلها عجبا عجابا لا تستطيع الحروف والكلمات وصفه, في خطواتها أنغام لم يصل لكنهها عباقرة الموسيقى, بياض مئزرها طاقة أنارت حدائق البهجة وأسعدت عوالم التعاسة والظلام فتشتتوا وهجروا الدنيا للأبد ولم يعد هناك تعيس واحد يزرع فينا بدموعه قشعريرة الحنان والإحساس بالعطف.
هذه الطبيبة زرعت الأمل في روحي وجسدي, أنارت المستشفى, وهجرتني أطياف الموتى التي تتعاقب على تعذيبي, عندما تغيب ولا تأتي لتفقدي أقلق قلقا شديدا, يتفاعل معه جسمي, يضيق صدري ويحتويني الظلام الدامس, أكاد أجن ولكن عندما أتذكر الله تفيض دموعي وأهدأ فيجري القرأن على لساني فأدخل في رحمة عميقة تبدد قلقي, كغيث أصاب أرض جرداء قاحلة فبعث فيها الحمد والشكر والتسبيح فتحركت البراعم في أعماق الأرض وسجدت لخالقها رغم الظالمات وقسوة التراكم والتصلب .
وأردف قائلا عندما زارتني الوالدة أخبرتها بكل شئ وقلت لها إنني أحببت هذه الطبيبة فاطلبي الله في صلاتك لعلها تكون من نصيبي, فقالت الوالدة لي سأفعل بحول الله, بعد يومين عادت الوالدة وأخبرتني أنه من خلال محادثتها مع الطبيبة اتضح لها  أنها معجبة بي وقد أخبرتني أنها أثناء مناوبتها عندما تتفقدني في الليل تجدني نائما والغريب في الأمر أنني أرتل القرآن بصوت عجيب فتجلس بجانبي وتستمع لي إلا أن تأخذها غفوة في رحلة جميلة من الأحلام ترى فيها نفسها عروسا تزف لي.
يقول فرحت فرحا عجيبا وبت تلك الليلة أطلب الله أن يعجل بشفائي وأخرج لأخطب الطبيبة وأتزوجها وأردف قائلا بالفعل شفاني الله وأذهب سقمي وخرجت بعد شهرين من المستشفى وخطبتها فوافقت وبعد ثلاثة أشهر تزوجتها ورزقني الله منها طفل كأنه القمر  سميته عيسى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: