مألوف لم يؤلَف بعد….بقلم علي حسّان.  

 

 

 

من المألوف لديَّ أن أقرأ لابتهال الشايب، قرأتُ “نصف حالتها” المجموعة القصصية الحائزة على جائزة الدولة التشجيعية منذ أعوام قلائل، فأحسستُ أنّي أقرأ نصف ابتهال، لكن حين قرأت “مألوفها” لم أُحس أني أقرأ مألوفًا كما توقَّعت، يبدو أن نصفها الآخر ليس مألوفًا إطلاقًا،

مألوف هي المجموعة القصصية المُتحف ذو السبع زوايا، في كل زاوية معروضاتها، خرجت ابتهال عن المألوف ببساطة حين أهدت مجموعتها لـ”دبدوبها” وأشياء لم تعُد موجودة، كأنما تريد القول بأن المألوف ـ الذي تُمسك به يداي ـ فيه من اللاموجودات ما لا تتَّسع له مساحات الصفحات المحدودة التي حملت نصوص مجموعتها كما يحمل موج البحر سفينة فلا يبدو منه للناظر من فوق السفينة غير انبساط الرؤية على امتداد البصر، إلا أنه يحوي بجوفه حيواتٌ كثيرة مختلطة ومتداخلة،

أول زاوية اسمها “خارج”، زاوية مليئة بأصابع بشرية تُعرض بطريقة مبتكرة لتصنع تخييلًا إنسانيًّا جديدًا،

ثانيًا؛ زاوية “عفوية”، لم تكن عفوية كما صرَّحت ابتهال، وهذا جيد، لكن أن تكون متعمَّدة ـ مع سبق الإصرار ـ أن تبدو عفوية الظاهر أو العنوان وهي تمتلئ بألسنة لهب تجذب لها الفراشات المكوِّنة لجزيئات الزاوية لتحرقها صانعة منها شرارات حيوات جديدة فهذا ما لا يؤلف بسهولة، وهذا ما نجحت القاصَّة في حبكه وصياغته عبر رؤيتها الخاصة كأنما لتقول لي ـ كقارئ أقرأ “مألوف” ـ أن عليَّ ألّا أطمئن إلى ما قد أظنه مألوفًا في الحياة للوهلة الأولى، تصنع البدايات والنهايات في هذه الزاوية لوحةً مميَّزة تحدد ملامحها فراشات غير مألوفة فوق جدران جلدية كأنها تضرب سياجًا حول الروح،

ثالثًا؛ “لا شعوري”، في ظنّي هي زاوية تحديد وبيان، تمنَّيتُ لو حملت هذه الزاوية اسم المجموعة لما وجدته فيها من إعادة توضيح مدهشة لأشياء مألوفة من حولنا،

رابعًا؛ زاوية “متكلم” التي جسَّدت حالة من قلق بشري، حيث الخوف من وهم أو فشل أو غباء، وصل القلق ربما لتأكيد بعض تلك الأعراض ولنفي بعضها، وبلغ مستوى عالٍ من الاضطراب والتوتر،

خامسًا؛ “مألوف” زاوية السبع أيادٍ، أيادٍ تتعامل مع بعض ما يحيط بنا في حياتنا اليومية بمزيد من تجديد في توضيح المفاهيم المرتبطة به، وتسعى لتغيير صورة ما نحسبه ـ ربما من باب الواقع ـ مألوفًا،

سادسًا؛ زاوية “سوداء”، كأنها رُسمت بريشة تعمل على تكوين لوحة كبيرة من مجموعة نقاط صغيرة ولم يكتبها قلم يسكب حبره على ورق بمقدار ثابت غير عابئ بحساسية الورقة من تحته تجاه حبره السائل فوق وجهها، فبطل هذه الزاوية ـ كما ظننتُ ـ هو نقاط محسوب حدود تحركاتها لتكوِّن اللوحة النهايئة لهذه الزاوية التي اشتملت على ألوان طيفٍ كثيرة، لكنها قد تبدو لقارئها من بعيد نُقطًا سوداء تصنع صورة بسيطة ربما تحسبها العين العابرة على المجموعة في عجلةٍ من أمرها لوحةً مألوفة،

سابعًا؛ “احمرار”، الزاوية العالقة في اللاشي كما قالت لنا بلسانها، الزاوية التي تعكسُ فيها أشعة الشمس ألوانًا واضحة تتداخل ببراعة لتصنع عالمًا أراه عالقًا في هذه الزاوية،

لغة ابتهال لطيفة متميزة، وحرفتها الكتابية واضحة في هذه المجموعة وسواها من إنتاجها المختلف، لم تنجُ المجموعة من أخطاء نقع فيها جميعًا ـ من خلل في صوغ الجملة أو  كتابتها ـ لكن “مألوف” استطاعت أن تصنع لي ـ كقارئ يحرص على اقتفاء أثر الكلمة الطيب ـ عالمًا لم يكن سهلًا أن يؤلَف، وإن أعدتُ محاولة القراءة لكنني أقول أن ما ألِفَته عيناي من سطور المجموعة مألوفٌ لم يستطع تذوُّقي الأدبي أن يألفه من قراءة أولى.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: