الفنانة التشكيلية أميرة عبدالعزيز تكتب : يوتوبيا إيجابية أم سلبية (٣)

مازال الكثيرون يعتقد أن قصص اليوتوبيا تندرج تحت مسمى الأدب وحسب، لكنها مزيج من الواقع الذي نحيا فيه مضافة إليها قدرة الكاتب على توصيل فكرته التي هي في الأساس تصور في مُخيَلَتِه لمستقبل يتمنى أن يكون أفضل مما كان عليه الماضي والحاضر إنه الواقع الذي يريد تغييره للأفضل، تلك هي اليوتوبيا الإيجابية ” إنها تَصَور المؤلف الذي يكون هو نفسه مزيجاً داخلياً وروحياً وواقعياً من العلم والإلمام بكل جوانبه العلمية والمعرفية والثقافية مع معرفته وإدراكه بماهية النفس البشرية ومعاناتها واحتياجاتها وما تشعر به من آلام وأحلام ورغبات “، ذلك لأنه يريد أن يسعى إلى هدف واحد ألا وهو عرض أفكاره في إطار رواية يختلط فيها العلم بالآداب ساعياً بعد ذلك إلى النجاح في إخراج هذا التصور إلى النور.. إلى الواقع وقد يقتنع القارئ ويتفاعل معه، وربما يجد مشكلة في إخراج أفكاره إلى حيز الواقع ” قد يبدو أمر صعب أوعلى الأصح مستحيل “، وذلك للآتي..

أولاً: لأن التصور والفكرة في حد ذاتها إنما تنبع من خيال الأقلية، وقد يختلط الأمر على هذه الأقلية بين القدرة على التصور والقدرة على التنفيذ ” ربما تكون الأقلية مجموعة من البشر اتفقوا على فكرة واحدة وقد يكون على الأغلب مؤلفاً وكاتباً هو صاحب هذه الفكرة، فالأقلية هنا المؤلف “.

ثانياً: أن هذه الأقلية قد تجد مقاومة متباينة من الأغلبية تصل لدرجة كبيرة من المقاومة كالذي حدث مع توماس مورThomas More    وتم تصفيته واغتياله.

ولو نظرنا إلى ألدوس هكسلي Aldous Huxley لوجدنا أنه لم يؤثر فقط على الفكر في عصره وإنما هو نفسه تأثرَ بما يدور حوله.

إن الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل كتب كتابه الشهير ” نظرة علمية على المستقبل ” حيث تنبأ فيه راسل بما سيحدث في الواقع ألا وهو:

*التأثير على اللاشعور عند الإنسان لأغراض سياسية وتجارية، وبالفعل حدث ذلك وأضيف على ذلك أغراض دينية.

*السعي من خلال التربية إلى جعل الفرد يتكيف مع الوضع القائم دون تفكير بغض النظر عن ماهية هذا الواقع.

*التأثير على الإنسان في المستقبل وذكائه من خلال العوامل الوراثية وجيناته.

ومع ذلك لم يكن برتراند راسل فيلسوفاً وحسب وإنما كان أيضاً عالماً متبحراً في النفس الإنسانية حيث دعا أيضاً إلى تطبيق أبحاث وتجارب كل من سيجموند فرويد وبافلوف بهدف توجيه السلوك، كل ذلك أثر كثيراً في ألدوس هكسلي بعد ظهور ” كتاب نظرة علمية إلى المستقبل “، حيثُ كتبَ بعده بعام واحد روايته ” عالم جديد رائع “.

إيفان بتروفيتش بافلوف ) 1849- 1936 )

 

الحقيقة أن هكسلي لم يتأثر فقط  براسل وفلسفته وفكره، وإنما تأثرَ أيضاً بالروسي ” زمياتين ” الذي كَتب رواية ” نحن ” عام  1924 وهي رواية تدخل في إطار أدب اليوتوبيا، كما تأثرَ كثيراً بالكاتب الإنجليزي ” ويلز ” الذي كتب يوتوبيا بعنوان ” بشر كالآلهة ” عام 1923  واعترف هو بنفسه أنه تأثرَ بها عندما كتب يوتوبيته السلبية التي كانت تدور حول فكرة فناء البشرية وزوال الحضارة بعد حرب نووية ضَروس، في نفس الوقت هي البداية الجديدة بعد الدمار وذلك كتقليد ساخر لرواية ” بشر كالآلهة “.

يفغيني زمياتين (1884-1937)

 

وهكذا تتأرجح اليوتوبيا الإيجابية التي يقصدها الأقلية إلى يوتوبيا سلبية وينقلب الحُلم إلى كابوس مفزع، فالمؤلف لا يستطيع أن يتخلى بسهولة عن أحلامه في تقديم ما يحلم به وإيصاله للناس والعمل على تحقيقه حتى وإن كان يبدو وهماً، ولكنه يٌقاوَمُ بالرعب والعنف والسجن وربما بالإغتيال والقتل _ حتى وإن كان قتلاً معنوياً فهو أحد أنواع القتل الذي يُبقي صاحبه بين الحياة والموت لكنه متمنياً الخيار الثاني_ ولما لا فلسنا ببعيد من ذلك، فما فعله هتلر من فاشية معتقداً أنها يوتوبيا وأنه يفعل ما يحلٌم به من مجد وسيطرة، للأسف هي يوتوبيا ليست فقط سلبية وإنما هي كابوسية كارثية إنتهت إلى حرب عالمية مات فيها من الضحايا عشرات الملايين، كذلك يوتوبيا ستالين الشيوعية التي أدت إلى موت الملايين في المعتقلات ومعسكرات العمل.

ولا يمكن أن ننسى جرائم الصهيونية في فلسطين والتي فاقت كل الحدود متخيلة أن ما تفعله من جرائم تحت مسمى ” يوتوبيا أرض الميعاد ”  فتعطي مقابل ذلك الحق لنفسها في كل شئ بالحديد والنار من قتل وإبادة وإعتقال ومن منظور ومبدأ السوفسطائيين يقولون أن ما يفعلونه ليس إلا مجرد رد فعل على المقاومة الفلسطينية لهم حتى ولو ببضع حجارة من البيوت والمنازل التي تم تدميرها وعلى أيدي من..! على أيدي الصهاينه.

والشئ يذكرُ بالشئ ..أفغانستان وتصورها عن اليوتوبيا التي تريدها حتى ولو كان ذلك على حساب البلاد وإرجاعها إلى العصور الوسطى وإن صحَ التعبير وبالمعنى الحرفي إلى العصر الحجري، فقد كانت في البداية تُنَاهِض الغزو السوفييتي لها وتتصدى للإحتلال وانضم على إثر ذلك الآلاف ممن قرروا تحدي السوفييت، ولكن سرعان ما نشبت الخلافات بين الأفغان أنفسهم بعد أن كانوا يد واحدة وتفرقوا فيما بينهم وأراد كل فريق منهم أن يستولى على السلطة لنفسه مما تسبب في صراع بينها وبين أمريكا والغالبية العظمى من كل دول الغرب والشرق، وذلك تحت إطار الدين التي كانت تَزعُم بأنها تريد تنفيذه وتطبيق شرائعه، والدين برئ من كل ما تفعله وتفكر فيه، فدمرت أقلية فيه بلد وشعباً بأكمله.

كُلٌ يَستحل ما يفعله من جرائم متستراً برداءٍ منسوجاً بيديه حسب ما يتطلعٌ ويصبو له وياله من رداءٍ ملطخاً بدماءِ الأبرياء..!

 

وفي خِضم الحديث عن الفلاسفة والعلماء اليونانيين كأفلاطون وأرسطو والعلماء والأدباء الإنجليز مثل توماس مور وألدوس هكسلي وبرتراند راسل وويلز وسيجموند فرويد والروسي زمياتين وبافلوف، يجب علينا ألا ننسى أنه يوجد أيضاً نوابغ من الفكر العربي مثل الفيلسوف الكبير إبن رشد وعالم الإجتماع الفيلسوف إبن خلدون، ونحن نبحث في بستان النوابغ نجد نابغة من نوابغ العرب ألا وهو الفارابي الذي نَهَلَ من أرسطو وأفلاطون أشهر فلاسفة اليونان بل أشهر فلاسفة العالم، حيث مزج بين المنطق والطبيعة من فلسفة أرسطو مع الأخلاق والسياسة والميتافيزيقا ” ما وراء الطبيعة ” من فلسفة أفلاطون فعمل على التوفيق بين الفيلسوفين والفلسفتين التي دعوا إليها فاستحق بجدارة أن يكون ” فيلسوف الإنتقاء والتوفيق “.

نعم إنه عمل على التوفيق بين الفلسفة والدين وجعلَ بينهما نقاط تتفق مع بعضهما البعض وإن إختلفا بالطبع في الشكل والمضمون، لقد جعل بين الفلسفة والدين نقاط تلاقي وإتفاق أهمها على الإطلاق وأبرزها ” إعمال العقل في تفسير الحقائق الدينية تفسيراً عقلانياً “.

إن الله جل جلاله قال في كتابه الكريم ” أفلاينظرون، أفلا يتدبرون، أفلا يعقلون، أفلا يتفكرون، …. – سبحانه وتعالى لإن نَفذَ البحر ومثله أبحر وأبحر وما نَفِذَت كلماته عز وجل – ” كلها تندرج تحت إعمال العقل في تفسير جميع الظواهر وكل ما في الوجود، تفسير كل الأشياء الكونية والأحداث، إن النظر في الكون والتفكر فيه ليس قاصراً فقط على الفلاسفة وإنما لجميع البشر، هوعبادة لله سبحانه وتعالى أقرها وأوجبها على عباده ليعرفوا مدى حكمتة في خلق كل شئ ومدى عظمة الكمال الإلهي المطلق عن الحدود “.

لقد تمنى الفارابي واقعاً وحياة أفضل مما كان عليه العالم وقتئذٍ فكتبَ يوتوبيته المرجوة والمتمثلة في ” المدينة الفاضلة ” التي حَلُمَ بها، والتي من المفترض أن يكون رئيسها هو واضع النواميس والشرائع، هو المُعَلِم والمرشد والمدبر، ذلك لأن طبيعة البشر الإختلاف وليس كل البشر يمتلكونَ فطرة قوية، لذلك يجب أن تجتمع لدى رئيس المدينة الفاضلة مجموعة من الخصال الحميدة بأن يكون ( قوي الشخصية، تام الأعضاء، ذكي، صادق لا يكذب، غيري أي محباً لغيره لا لذاته، كبير النفس، كريم، عادل مبغِضاً للجور والظلم، قوي العزيمة، شجاع لا يخاف في الحق لومة لائم ) فهو يقف موقف المعلم المرشد للسعادة لمن لم يعرف طريقها، لأن مهمته ليست سياسية وحَسب ولكنها خُلقية أيضاً، فمن الناحية السياسية هو الرئيس والقائد الأعلى للبلاد ومساعِدوه ووزراؤه ليسوا إلا منفذين لأوامره، ومن الناحية الخُلقية فهو مِثالاً يُحتَذى به ويتوسم الجميع أن يسلكوا خطوات سيره.

وبينما يرى الفارابي ضرورة وجود هذه الصفات في رئيس المدينة الفاضلة، أرى بالطبع أنها وبدون شكٍ تحققت هنا في مصر فكما أن مصر هبة النيل، فقد أتي الله لها بهدية متمثلة في شخص ” عبد الفتاح السيسي ” ليفتح الله على يديه أبواب الخير، إنه إنسان قائد بدرجة فارس ممتطياً جواداً اسطورياً  جامِحَاً وبقوة شخصيته وإرادته وشجاعته ينشر الخير محاولاً بكل ما أُوتِيَ من قوة تغيير واقِعاً ظلَ جامِداً لم يتغير منذ عقود إلى مستقبل أفضل وأجمل للجميع بإذن الله، إنه حَلُمَ  بيوتوبيا إيجابية وأرادَ أن يُنَفِذُها ولأنه مُحِباً لبلاده ومخلِصَاً فقد تحققت يوتوبيته على أرض الواقع في وقتٍ قياسي وفعلَ ما لم يَفعلَهُ رئيساً ليس فقط في مصر وإنما تخطى ذلك حدود العالم كله ومازال يَحلُم لمصر ولأهلها بالمزيد من الخير والرفعة ولجميع الدول العربية ويتمنى بكل حب السلام لكل دول العالم.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل كان الفارابي ذو نظرة متأملة وثاقبة عندما فكر وحَلُمَ بيوتوبيا المدينة الفاضلة وأنها سوف تتحقق وتصبح حقيقة وواقعاً وليس حُلماً وتخيلاً..!ّ؟

أبو نصر محمد الفارابي

وُلِدَ عام( 260هجري/ 874 ميلادي) في فاراب- إقليم تركستان- “كازاخستان حاليا”

تُوُفِيَ عام (339 هجري/950 ميلادي)

القائد البطل الإنسان الرئيس عبد الفتاح السيسي

 

      

 

%d مدونون معجبون بهذه: