د. نيفين عبد الجواد تكتب :قيمة الرحلة (في رثاء المفكر المصري حسن حنفي)

 

 

برحيل الأستاذ الدكتور حسن حنفي فقدت مصر وفقد العالم العربي والإسلامي قامة فكرية وفلسفية هامة قلَّ أن يجود الزمان بمثلها. وليست قيمة الدكتور حسن حنفي –رحمه الله– تتمثل فقط في علمه الغزير وما خلَّفه من كتب ودراسات أثرى بها المكتبة الفلسفية والفكرية، ولكنها تكمن بالأساس في قدرته على أن يكون مفكرًا حرًّا خاصة في ظل عدم الترحيب العام بالحرية في مجتمعات كُتِب عليها النضال من أجل الحرية، ناهيك عن عدم الإقبال الجماهيري الكبير في مجتمعاتنا على العلم أو الفكر.

ولأن التفكير ليس مهنة مرموقة، وأن تكون مفكرًا ليس هدفًا منشودًا يطمح إليه منذ الصغر الفتيان أو الفتيات، فإنه ليس من المتوقع أن يخبرك أحدهم أنه يريد أن يصبح مفكرًا وليس طبيبًا أو مهندسًا، خاصة وأنه لا يوجد أي اهتمام في النظام التعليمي بإعداد أجيال تفكر أو تخريج مفكرين جدد يستطيعون التفكير بحرية ومن ثم يحملون على عاتقهم قيادة حركة التنوير التي يجب أن تتسم بالثراء والتجدد المستمر، وذلك إذا كان هناك أي طموح حقيقي للنهضة أو التقدم.

وهكذا كان مُقدَّرًا للمرحوم الدكتور حسن حنفي أن يحمل راية الفكر والتنوير على عاتقه منذ أن قرر الحصول على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة السوربون بفرنسا على نفقته الخاصة. وليست الشهادات أو المناصب أو الجوائز هي التي أعطت قيمة لرحلة الدكتور حسن حنفي (رحمه الله)؛ بل هي رحلته العلمية والفكرية التي صنعها بنفسه وسطرها بيده كي ينضم إلى قائمة العلماء والمفكرين الأحرار الذين لا يمليهم أي نظام ما يكتبون، ولا يُصدِرون كتبًا يتم إجبار طلابهم على شرائها كي ينجحوا في نهاية العام، ولا يتم ترقيتهم للمناصب العليا طالما هم من الموالين للنظام الذي اختارهم وانتقاهم.

إنها مسيرة فكرية مُكلِّفة وصعبة وشاقة منذ أن انتمى وهو في ريعان شبابه إلى جماعة الإخوان المسلمين شأنه شأن الكثيرين الذين انجذبوا إلى تلك الجماعة رغبة في معرفة المزيد عن الدين على يد من تم السماح بتواجدهم وتشعبهم وانتشارهم في المجتمعات العربية والإسلامية دون قيود أو شروط. وقبل أن يُعلَن على الملأ مدى خطورة مثل هذه الجماعات، وقبل أن يتم الغضب عليها من قبل الأنظمة الحاكمة كانت بصيرة الدكتور حسن حنفي (رحمه الله) هي الملهمة له بالبحث عن مصدر آخر ينهل منه فكره الديني الحر الذي قرر ألا يكون ملكًا لأية جماعة أو أي نظام.

وبذلك أصبح فكر الدكتور حسن حنفي ملكية عامة لكل الناس ينهل منه من ينشد الحرية الفكرية ومن يسعى إلى تحرير نفسه من قيود الخضوع للكيانات المُنَظَّمَة أو التباهي بالانتماء لمسميات بعينها يتم على أساسها تصنيف البشر من أجل التفرقة بين بني آدم واستعلاء بعضهم على بعض فلا تنتشر بينهم سوى البغضاء والكراهية ولا يسود سوى التعصب والصراع والدائم.

ومع الرحيل ينتهي بريق الجوائز والمناصب والشهادات بانتهاء الحياة، ولا يبقى من الرحلة سوى قيمتها الحقيقية الكامنة في ما سطره صاحبها من عمل وما تركه من كتب قَيمة ستمنحه الخلود مثل: الواقع العربي الراهن، التراث والتجديد، من النقل إلى الإبداع، من الفناء إلى البقاء، من العقيدة إلى الثورة، من النص إلى الواقع، الدين والثورة في مصر (1952-1981م)، الدين والتحرر الثقافي، موسوعة الحضارة العربية الإسلامية.

ولأن الحرية لها ثمن، ولأن الفكر الحر له ضريبة، ولأن من يسعى إلى أن يكون له مشروع فكري ثقافي حر لابد أن يُخلِص له حتى النهاية؛ فقد استطاع المرحوم الدكتور حسن حنفي أن يحمل على عاتقه مشروع التراث والتجديد الذي كان يرجو منه أن يقاوم العرب آفات التقليد للقدماء، والتبعية للغرب، والعزلة عن الواقع، فاجتهد أن يُقدِّم كل ما في عقله من علم وحاول أن يسطره بكل ضمير ليكون هو مساهمته الشخصية في التغيير الذي كان يرجوه؛ ولكنه كان يعلم جيدًا أن التجديد ينشأ من الثقافة الشعبية للناس، مثلما كان يقول، وها هي الثقافة الشعبية للناس ليست مع الأسف أفضل حالًا من الثقافة النخبوية؛ فكلتاهما تعانيان من تغييب العقول عن التفكير الحر إما خضوعًا لكل ترهيب وتخويف، أو انجذابًا لكل لهو ولعب وعبث وتفاهة، أو خنوعًا لغلبة المصلحة الفردية على الصالح العام.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: