نسيم قبها يكتب :السودان وانقلاب الضرورة

 في ظل وجود فيلتمان المبعوث الأميركي إلى القرن الإفريقي في السودان، نفذ الجيش السوداني الإثنين 25 تشرين أول/أكتوبر بقيادة عبد الفتاح البرهان انقلابًا عسكريًّا أطاح بشركائه السياسيين وفي مقدمتهم رئيس الحكومة عبدالله حمدوك، واعتقل عددًا من السياسيين، وحل مجلسي السيادة والوزراء، وأعلن حالة الطوارئ، وتجميد بعض بنود الوثيقة الدستورية لقطع الطريق على تسليم قيادة السلطة السيادية لشخصية مدنية تختارها قوى إعلان الحرية والتغيير، والذي تبدأ مهامها في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2021.

والمدقق في الإجراء الذي اتخذه البرهان في ظل الاحتقان السياسي، وفي البنود التي ألغاها من الوثيقة الدستورية يجد أن إلغاءها إنما يحصر السلطة بيد الجيش، ويستهدف قوى الحرية والتغيير المتصلبة بشأن تسلم السلطة بعد أقل من شهر، وبخاصة وأن قرار حل الحكومة ممتنع دستوريًّا؛ لأنه منوط بإرادة قوى الحرية والتغيير حصرًا. فقد طالت البنود التي عطلها البرهان قوى الحرية والتغيير التي تريد مزاحمة الجيش والاستئثار بالسلطة بدل أن تظل غطاءً لحكم العسكر، والتي حمّلها البرهان مسؤولية الفشل في إدارة الفترة الانتقالية، ومن تلك البنود هو البند 24/3 الذي ينص على أن المجلس التشريعي الانتقالي يتكون بنسبة 67% ممن تختارهم قوى إعلان الحرية والتغيير، ونسبة 33% للقوى الأخرى غير الموقعة على إعلان الحرية والتغيير.

وكان المبعوث الأميركي جفري فلتمان قد اجتمع فور وصوله الخرطوم بكل من رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو ورئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك. بالإضافة إلى سلسلة من اللقاءات مع قادة تحالف الحرية والتغيير الذين يهدد انقسامهم سلطة الجيش، كما التقى بقائدي حركتي “العدل والمساواة” جبريل إبراهيم و”تحرير السودان” مني أركو مناوي واللذيْن انشقا عن قوى الحرية والتغيير.في حين قالت سفارة واشنطن بالخرطوم إن “فيلتمان أكد للمسؤولين السودانيين أن الدعم الأميركي يعتمد على التزامهم بالنظام الانتقالي المتفق عليه بالإعلان الدستوري واتفاقية جوبا للسلام”. وذكرت السفارة أن فيلتمان حث الحكومة السودانية على تنفيذ المعايير الانتقالية الرئيسية وفق جداول زمنية، بما في ذلك إنشاء المجلس التشريعي الانتقالي، والاتفاق على موعد تسليم رئاسة مجلس السيادة إلى المدنيين، وإصلاح الأجهزة الأمنية، ووضع إطار للانتخابات، وإعادة تشكيل المحكمة الدستورية، وإقامة آليات للعدالة الانتقالية. مما يدل على أن المشكلة تكمن في الحكومة وقوى الحرية والتغيير والظروف الشعبية الاحتجاجية المحيطة بعملية الانتقال، ذلك أن مطالب فيلتمان تقفز عن الجداول الزمنية التي تم الاتفاق عليها مسبقًا، وتشي برغبة أميركا في تمديد حكم العسكر في المرحلة الانتقالية، وهو ما برز في مطالبة المتحدث باسم الخارجية الأميركية نيد برايس قبل أيام ، ومطالبة المبعوث الأميركي فيلتمان حكومة حمدوك بالاستجابة لمطالب المحتجين مثل المجلس التشريعي، وتوسيع السلطة الذي من شأنه تقويض نفوذ قوى الحرية والتغيير، كم طالب بوضع آليات (للعدالة الانتقالية) التي تدعو لها السلطات المدنية، وهو ما يوفر الوقت والحماية للعسكر المتورطين بالجرائم والفساد!.

والذي يبدو حتى الآن أن أميركا قد اضطرت لمعالجة الوضع الانتقالي الحرج، وانقسام المؤسسة العسكرية وصراعها مع القوى السياسية، من خلال إسناد مهمة استكمال المسار السياسي إلى الجيش لعدم نضوج الانتقال في هذا الوقت، وبخاصة مع تفجر الصراعات السياسية وتمرد مناطق الشرق، وهو ما لفت إليه المبعوث الأميركي بقوله إن “التحالف العريض يواجه أزمة تنظيمية وخلافات داخلية تستوجب الحل”.

وأما إدانة أميركا الخجولة لإجراءات البرهان ودعوتها إلى العودة للمسار الديمقراطي ومواصلة الانتقال السياسي ليس إلا تنصلًا من الوقوف خلف “انقلاب الضرورة” الذي وقَعَ بوجود فيلتمان، ومن أجل الضغط على أطراف الصراع السياسي بتنفيذ الأجندة الأميركية، حيث صرَّح فيلتمان أن “المكونين المدني والعسكري يجب أن يتعاونا على تنفيذ المعايير الرئيسية للمرحلة الانتقالية بدلاً من السعي إلى تهميش بعضهما البعض”. وهذا بالإضافة إلى أن التهريج بفكرة الديمقراطية مرتبط بشعارت الإدارة الأميركية وتوجهاتها الليبرالية المتساوقة مع توجهات قواعد الحزب الديمقراطي والحملة الأميركية على الإنموذج الصيني، وعلى كل من ينافسها.

ومن هنا فإن مفتاح لغز المسرحية الهزلية التي تجري في السودان منذ إطاحة الجيش  بالبشير وصولًا إلى هذا الانقلاب الأميركي المفضوح يكمن في تتبع زيارة المبعوث الأميركي للقرن الإفريقي فيلتمان، والتي تصب في إعادة خلط الأوراق مؤقتًا لضبط أطراف المعادلة السياسية، وتثبيت الهيكلة السياسية من خلال الجيش بسبب هشاشة الوضع السياسي والأمني والاقتصادي، وعدم نضج انتقال السلطة من العسكريين إلى المدنيين، في ظل رغبة السلطات المدنية في دفع عملية (العدالة الانتقالية) إلى الأمام. وهو ما يخيف قادة الجيش الذين يخشون من فقدان حصانتهم القانونية ومواردهم الاقتصادية ويضعف معهم الرهان الأميركي في هيكلة النظام السوداني وصياغة موقفه السياسي داخليًّا وخارجيًّا. وهو الأمر الذي دفع البرهان إلى وقف التحقيق في جريمة فض الاعتصام التي وقعت في 3 حزيران/يونيو 2019 ؛ لتحصين مركزية الجيش وتوحيد صفوفه للقيام بالدور الخياني المسنود له أميركيا في الحفاظ على مصالح الولايات المتحدة على الصعيد الإقليمي، وقمع الشعب المتعطش للتحرر من رقبة الاستعمار وثقافته وعملائه. ولهذا لم تصف أميركا ما قام به البرهان بالانقلاب، وإنما وصفته بالاستيلاء على سلطة الحكومة تمهيدًا لاستئناف الانتقال السياسي في الظرف المناسب!

وأما تجميدها للمساعدات البالغة 700 مليون دولار فلم يكن إلا انسجامًا مع رغبتها في تأجيل الانتقال السياسي، ذلك أن المساعدات مخصصة في الأساس للعملية الانتقالية. بينما ركزت تصريحات مسؤوليها على ما يهمها في السودان وهو الوثيقة الدستورية واتفاق جوبا الذي يقود إلى التقسيم الفدرالي والانتقال السياسي على أسس علمانية دستورية، وهو الأمر الذي التزم به عبد الفتاح البرهان في بيانه الانقلابي، ويجعل الانقلاب منسجمًا مع التوجه الأميركي.

ورغم الانقسام الداخلي والنزعات السلطوية وفي ظل التذمر والرفض الشعبي لحكم العسكر وحكومة حمدوك فإن ما نخشاه وتبدو ملامحه جلية هو تواطؤ كافة القوى السياسية والعسكرية على تثبيت مخرجات الوثيقة الدستورية، وأن تُفضي الأزمة الراهنة إلى تأزيم الموقف الذي يغذيه الجيش والقوى السياسية معًا، والخروج منه بتراجع الجيش وتوافقه مع القوى السياسية في وقت لاحق، وإظهار العودة إلى الانتقال السياسي واتفاق جوبا بنصر للشعب و”ثورته”. وبخاصة وأن إجراءات البرهان لم تعلق الحياة السياسية، مما يدل على أن الانقلاب إنما يهدف إلى إعادة ضبط أطراف المعادلة السياسية، وهو ما يفسر عدم حظر الأحزاب السياسية العلمانية في قوى الحرية والتغيير وأنشطتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: