الجمعة , نوفمبر 27 2020

منصور البنهاوي يكتب …..طبيعة الرواية العربية في المرحلة التقليدية و مرحلة الرواد ومرحلة الستينيات وما بعدها ” اللص والكلاب لنجيب محفوظ نموذجا “

فن الرواية العربية فن حديث النشأة إذا ما قورن بفن الشعر لدى العرب ، فالشعر العربي تمتد جذور ما وصلنا منه إلى ما يقرب من قرن ونصف قبل الإسلام ، أما الرواية فلا تكاد تمتد جذورها إلى أبعد من قرن ونصف من هذه اللحظة الراهنة .
فقد ظهرت بواكير الرواية العربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر متأثرة بالرواية الغربية التي سبقتها في النشأة والظهور ؛ وذلك بفضل ازدهار حركة الترجمة على يد رفاعة الطهطاوي ومعاصروه .
وقد اختلف النقاد حول البداية الحقيقية للرواية العربية ، ولكنهم يكادون يجمعون على أن البداية الحقيقة للرواية العربية في عام ( 1913م ) حيث صدرت رواية ” زينب ” لمحمد حسنين هيكل ، ونظرا لما حققته هذه الرواية من نجاح باهر سلك زملاء هيكل نفس الطريقة التي كتبها بها ، فقد تبعه المازني وكتب رواية ( إبراهيم الكاتب ) عام 1931م ، ثم توفيق الحكيم كتب ( عودة الروح ) 1933م ثم تبعها بعدة روايات أخرى ، ثم العقاد كتب رواية ( سارة ) 1938م ، وكتب طه حسين رواية ( أديب ) 1938م ثم تبعها برواية ( شجرة البؤس ) 1944م ، وكتب يحيى حقي ( البوسطجي ) 1933م وتبعها برواية ( قنديل أم هاشم ) 1944م. وكل هذه الروايات كانت عبارة عن سيرة ذاتية .
وهذه المرحلة تعرف بمرحلة ” جيل الرواد ” ، وتميزت عن سابقتها بأنها استطاعت تقديم الشخصية بشكلها الكامل وكما تميزت باللغة العالية التي تكاد تصل إلى اللغة الشعرية كما في رواية ( إبراهيم الكاتب ) للمازني ، وكان على الرواية العربية أن تنتظر حتى يقدم نجيب محفوظ مثل هذه الشخصية مرة أخرى .
فجاءت مرحلة الستينيات وجاءت رواية ( اللص والكلاب ) لنجيب محفوظ ، وفيها يظهر أن الأسلوب يتحالف مع البناء أكثر من المعنى ، وكما تظهر وطأة الماضي على الحاضر .
حيث إن الشخصية ( شخصية البطل ) تحاول أن تتخلص من هذا الماضي وهذا يتوقف على قدرتها على تجاوز ماضيها إلى حاضرها ، ولكن صراع الشخصية هنا من أجل تحقيق هذا الخلاص هو صراع محتوم بالفشل ؛ قدرات هذه الشخصية هي وليدة لهذا الماضي ، والماضي هو الذي يكوّن مقومات الشخصية ويصنع إرادتها ويتحكم في مسارها تحكما جبريا تنتفي معه فكرة الإرادة الحرة أو تكاد .
وبداية الحدث في ( اللص والكلاب ) تشهد محاولة البطل لوصول أمسه بيومه وتجاوز الماضي إلى حاضر ذي معنى عن طريق هذا الوصل ، وتشهد أيضا فشل هذه المحاولة نتيجة تحالف عوامل لا إرادية سواء صدرت هذه العوامل من منبع موضوعي خارج عن الشخصية ، أو من منبع ذاتي صادر عن الشخصية . ووسط الحدث فيشهد انحباس الشخصية في ماضيها ويشهد أيضا رحلة التهلكة التي تجسم هذا الانحباس الذي يشكل مصرعا معنويا للبطل . أما النهاية فما هي إلا تجسيد مادي للمصرع المعنوي للبطل .
أما الأسلوب فقد استحدث نجيب محفوظ أسلوبا جديدا ، وهو الذي نتلقى بمقتضاه الحدث من وعي الشخصية _ تيار الوعي _ ، والبناء الروائي يجسدان الحتمية التي تسير الشخصية تحت وطأتها حتى تلقى حتفها ؛ فماضي الحدث يتفتح جنبا إلى جنب مع حاضره ويستمر هذا النمط إلى النهاية مجسدا لطغيان الماضي على الحاضر ، بحيث يصبح الماضي هو الحاضر كما تقول الشخصية ، وكل هذا بفضل تيار الوعي الذي استطاع نجيب محفوظ خلقه لدى سعيد مهران الذي لطالما يتذكر ماضيه ويفكر في الوثب إلى الحاضر لتغيير هذا الماضي اللعين صاحب الذكريات المظلمة ، كما أن القاريء أيضا يقبل هذا التيار وينحاز لتفكير سعيد مهران وتسير الأمور في خطين متلازمين وهما الماضي مع الحاضر ثم بمجرد أن يتقابل تالماضي مع الحاضر ينتصر الماضي وهذا هو حال هذه المرحلة سواء الروائية أو الحالة التي كان يعيشها المجتمع المصري من حيث صدمة النكسة التي أحدثت تغييرا في كل شيء في المجتمع المصري وعلى الأخص الرواية .
يبدأ الحدث وسعيد مهران قد خرج من سجنه بعد أن أمضى عقوبة بتهمة السرقة قدرها أربع سنوات حدث إبانها تطور اجتماعي ضخم متمثلا هذا التطور في ثورة 1952م ، حيث يتجه إلى بيت عليش الذي خانه هو وزوجته نبوية ليسترد ابنته وينتقم لخيانته .
وتتنازعه وهو متجه إلى البيت في عطفة الصيرفي رغبتان ، بحيث تطغى الرغبة الأولى على الثانية ، الرغبة في الانتقام من عليش ونبوية اللذين خاناه وأوديا به إلى السجن ليقضي أربعة أعوام من عمره فيه ، والرغبة في بداية جديدة _ والخيانة ذكرى بائدة _ مع ابنته الطفلة سناء :
” آن للغضب أن ينفجر وأن يحرق ، وللخونة أن ييأسوا حتى الموت ، وللخيانة أن تكفر عن سحنتها الشائهة ……. وسناء إذا خطرت في النفس إنجاب عنها الحر والغبار والبغضاء والكدر. وسطع الحنان فيها كالنقاء غب المطر…”
ويبدأ نجيب محفوظ بأولى صدماته لسعيد مهران فتنكره ابنته التي لطالما اشتاق إليها ، ومن الطبيعي أن تفعل مثل هذا وقد شبت بعيدة عنه. فإذ بها تهرب تخاف منه وترتمي في أحضان عدوه ، وكان هنا من الطبيعي أيضا لسعيد مهران أن ينتقم وهذه هي رغبته الجامحة على فكرة ولكن خوفه على ابنته يمنعه فهو يؤجل الانتقام لحين استردادها ، فقد كان هذا باب خلاص متاح لسعيد مهران . فنكران ابنته له يكتسب هنا أهمية قصوى في الحدث من بعد خيانة الزوجة ؛ لأن هذا يعني بالنسبة لسعيد مهران خيانة الدم والروح وانغلاق باب من أبواب الخلاص المتاحة له ، وهذا ما أراده نجيب محفوظ ونجح فيه من خلال اعمار تيار الوعي لدى سعيد مهران الذي :
” لم ينزع عينيه ولكن قلبه انكسر . انكسر حتى لم يبق فيه شعور بالضياع . ” كأنها ” ليست ابنته … ”
فهنا نجيب محفوظ جعل الرغبة في الانتقام تكبر وتشتد بعد نكران البنت لأبيها ثم خفف من حدة هذه الرغبة بإثارة عامل الأبوة في هذه اللحظة فجعل سعيد مهران يقول في نفسه : ” ونداء الدم والروح ما شأنه ، أم هو الآخر خان وغدر ؟ ”
وقد نجح نجيب محفوظ هنا من خلال كلمة واحدة وهي ” كأنها ليست ابنته ” فقد جعل سعيد مهران يفكر في نكران

ويبدأ نجيب محفوظ بأولى صدماته لسعيد مهران فتنكره ابنته التي لطالما اشتاق إليها ، ومن الطبيعي أن تفعل مثل هذا وقد شبت بعيدة عنه. فإذ بها تهرب وتخاف منه وترتمي في أحضان عدوه ، وكان هنا من الطبيعي أيضا لسعيد مهران أن ينتقم وهذه هي الرغبته الجامحة على فكره ولكن خوفه على ابنته يمنعه فهو يؤجل الانتقام لحين استردادها ، فقد كان هذا باب خلاص متاح لسعيد مهران . فنكران ابنته له يكتسب هنا أهمية قصوى في الحدث من بعد خيانة الزوجة ؛ لأن هذا يعني بالنسبة لسعيد مهران خيانة الدم والروح وانغلاق باب من أبواب الخلاص المتاحة له ، وهذا ما أراده نجيب محفوظ ونجح فيه من خلال إعمال تيار الوعي ( الفلاش باك أو الارتداد بالحدث ) لدى سعيد مهران الذي :
” لم ينزع عينيه ولكن قلبه انكسر . انكسر حتى لم يبق فيه شعور بالضياع . ” كأنها ” ليست ابنته … ”
فهنا نجيب محفوظ جعل الرغبة في الانتقام تكبر وتشتد بعد نكران البنت لأبيها ثم خفف من حدة هذه الرغبة بإثارة عامل الأبوة في هذه اللحظة فجعل سعيد مهران يقول في نفسه : ” ونداء الدم والروح ما شأنه ، أم هو الآخر خان وغدر ؟ ”
وقد نجح نجيب محفوظ هنا من خلال عبارة ” كأنها ليست ابنته ” فقد جعل سعيد مهران يفكر في نكران البنت لأبيها ويسأل نفسه لماذا لم يحن الدم ؟ وجعل القاريء أيضا ينظر لهذه الزاوية ويغفل زاوية الانتقام شيئا ما ويخفف من حدته وهنا قد غلب نجيب محفوظ الحاضر على الماضي .
ويتمخض الصراع حتى يكتشف سعيد مهران في وعيه أنه لا يستطيع أن يتملص من هذا الماضي ولا يستطيع أن يتعلق بما وراء الدنيا ، فماضي الخيانة الذي تمخض عن إنكار الابنه ، ويغلب الماضي القريب ، ماضي الخيانة ، على الماضي الأبعد ، ماضي البراءة والطفولة ، ويرى سعيد نفسه مسلما للحدس العقلي من حيث الوحدة واستحالة الخلاص .
ثم تأتي النهاية الحتمية بخروج سعيد مهران من البيت مضطرا ولجوءه إلى القرافة مطاردا من رجال البوليس ، وأخذ يقاتل للنهاية وهو يتخيل أن فرصة الانتقام اتيحت له من جديد ، ولكنه يلقى مصرعه دون انتقامه وخلاصه ، وهنا في هذه المرة غلب نجيب محفوظ الماضي على الحاضر . فلماذا ؟
وهنا تأتي الإجابة :
أراد نجيب محفوظ أن يعرض الواقع المصري من خلال حالة الوهم والخيال التي عاشها المصريون قبل النكسة ثم صدموا بالنكسة التي صدمت المصريين بالواقع الأليم في كل شيء ، فالاختلاف في المجتمع أو في الكون يتواءم مع اختلاف جوهري في الشخصية كما هو عادة في روايات هذه المرحلة .
واختلاف الشخصية هنا ينبع من انقسامها ما بين الإيمان العقلي والإيمان الحدثي ، لكنه يصور في الجوهر عن الانفصام في الفكر والفعل ، ولابد لصنع شيء مثل هذا لابد من واسطة بينهما مثل رؤوف الذي علم سعيد مهران السرقة وأقنعه بها وأن سرقة الأغنياء ليست حرام ، وحقيقة هذا الانفصام ليس في المجتمع أو الكون فقط بل في الشخصية أيضا التي هي وليدة هذا المجتمع والكون المفتقر إلى عناصر الانسجام والتكامل والوحدة والكمال.
ويظهر الدور الفلسفي لنجيب محفوظ وتأثره بها حيث يلتقي البعد الميتافيزيقي والبعد الاجتماعي على المستوى نفسه عندما حاول سعيد مهران أن ينتقم بالرصاص فتطيش رصاصاته وتقتل الأبرياء فيتعرف هنا على القدرية ويدرك معنى وجود قوة أكبر من قوة الإنسان ورغبته تتصدى لإحباط مقاصده.
وهذا ما أراده نجيب محفوظ من خلال هذه الرواية الاجتماعية أن يصور الواقع والصدمة ، فجعل للسارق نهاية في حين أنه جعل للظالم الخائن حياة ، من خلال ترك الأمر لقانون المجتمع الذي لا يركن ولا يبالي أي كانت النهاية حتى وإن مثلت صدمة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: