صفوت عمران يكتب: القول الفصل في صحافة الجد والهزل

#هل تريدون حقاً إعادة بعث الصحافة المصرية، خاصة الورقية، من مرقدها أم انكم تسعون بكل قوة إلى تشييعها لمثواها الأخير؟! …

#بداية ليس منطقيا أن يكون من تسبب في المرض مسئولاً عن العلاج.. لذا الهيئة الوطنية للصحافة والمجلس الأعلى للاعلام والقيادات الصحفية خلال العشر سنوات الأخيرة لن يستطيعوا إصلاح الصندوق أو التفكير خارجه، بل إنهم سوف يعمقوا المشكلة ولن يحلوها، وسوف يزيدون الأزمة ولن يجدوا مخرجاً لها، وسوف يغرقونا في الدوامة دون أي أمل في النجاة، فأزمة الصحف ليست في تكلفة طباعتها التي تفوق ثمن بيعها، حيث أنه طوال التاريخ .. الصحف لا تغطي تكاليفها من المبيعات، وانما تغطي تكاليفها وكانت تربح في اوقات سابقة من حجم الإعلانات، عندما كان يلجأ لها المعلنيين للاستفادة من حجم توزيعها الذي وصل ملايين من النسخ في الربع الأخير من القرن العشرين .. وأيضا من خلال انشطة تسويقية وتجارية أخري عندما كانت تدار المؤسسات الصحفية، خاصة القومية منها، كمؤسسات “رغم الاخطاء وقتها”، بعكس الحال الآن حيث أصبحت عاجزة بسبب تولي قيادتها، اشخاص أقل من مستوي المسئولية “وهذا ليس ذنبهم وانما ذنب من عينهم”

#علاج أزمة الصحافة المصرية عامة، والقومية علي وجه الخصوص يحتاج إلى وقفة صادقة مع النفس، سواء من رئاسة الجمهورية أو الحكومة أو البرلمان، وأخيراً وقبل كل شيء من العاملين بصناعة الصحافة.. وأن يدرك الجميع أن معرفة المشكلة وتوصيفها بشكل دقيق أولى خطوات حلها، شريطة الإعتراف بها، وعدم الإنكار أو القاء كرة اللهب بعيداً عن الأسباب الحقيقية أو الحديث عن أسباب ثانوية وتصديرها باعتبارها هي أصل المشكلة علي عكس الحقيقة.

#في البداية يجب أن تعترف الدولة أن الصحافة والتلفزيون والاذاعة وغيرها .. إعلام دولة .. واحد عناصر قوتها الناعمة وقدرتها الشاملة والمؤثرة وذلك منذ زمن بعيد والآن وفي المستقبل.. من أجل الاستحواذ على الرأي العام وصناعة التأثير .. أنظروا إلىBBC وCNN وفرانس 24 وسبوتنك وفي المنطقة العربية انظروا إلى الجزيرة والعربية وسكاي نيوز عربية وغيرهم .. انظروا إلى وكالات الانباء والصحف الكبرى .. جميعها يتولى الإنفاق عليها دول وليس مجموعة رجال أعمال لا نعرف أغراضهم الخاصة، لذا دعم الدولة للصحافة واجب وتمويلها من جانب الحكومات أمراً عالمياً وليس بدعة مصرية .. خاصة اذا أردنا استخدام ذلك السلاح في مواجهة كل ما يحاط بالوطن من مؤامرات ومحاولة تقليص النفوذ إقليمياً ودولياً .. وإذا أردنا ان يكون لنا تأثير اقليمي ودولي .. فالاعلام وسيلة مهمة لتحقيق ذلك .. ولا يمكن أن ينكر أحد أن الصحافة القومية والتلفزيون الرسمي كانوا حائط صد منيع ضد مخططات هدم الدولة وضد محاولة اختطافها من جانب بعض الجماعات الإرهابية والمجموعات العلمانية بالتنسيق مع دول غربية واقليمية كانت ومازالت تريد إدخال مصر في دوامة الفوضى، ويجب عليكم الرجوع خطوات للخلف لتعرفوا دور الاعلام الرسمي خاصة في الفترة 2012 وحتي ثورة 30 يونيه 2013.. وأن محاولة بعض دوائر صنع القرار تقزيمه تسبب في أضرار بالغة. على جميع المستويات .. وذلك مثال واضح لا بد أن ندركه جيداً.

#لا بد أن تدرك الدولة “رئاسة وحكومة وبرلمان” أن الرئيس جمال عبدالناصر عندما اراد أن يكون للثورة صحافتها انشأ جريدة “الجمهورية” لتكون لسان حال الثورة وعهد بذلك إلى انور السادات “الذي اصبح رئيسا للجمهورية في وقت لاحق”، وانشأ جريدة “المساء” وعهد بذلك إلى خالد محي الدين وطبعا تبعه إنشاء التلفزيون والاذاعات المختلفة .. لذا الدولة تكون قوية عندما تنشئ مؤسسات اعلامية قوية، ولن تكون الدولة قوية عندما تتجه إلى هدم المؤسسات الواحدة تلو الأخري.. ولن تصبح الدولة قوية عندما تعهد بالقيام علي تلك المؤسسات الإعلامية أشخاص ليسوا علي قدر المسؤولية وبالتالي يهدرون مليارات في الهواء.

#لا بد أن تتدرك الدولة “رئاسة وحكومة وبرلمان” أنها مسئولة عما باتت علية الصحافة الورقية من تراجع وعدم قدرة علي مجاراة إرتفاع الأسعار .. علي الدولة أن تدرك أن زيادة تكاليف الورق والطباعة سببه الرئيسي قرار تعويم سعر الصرف في نوفمبر 2016، والذي جعل العملة المحلية “الجنيه” تفقد اكثر من نصف قيمتها، وفي ظل استيراد الورق وادوات الطباعة من الخارج باتت الصحافة تدفع ثمن قرار خاطئ لم تتخذه ولا ذنب لها فية!!.

#لا بد أن تتدرك الدولة “رئاسة وحكومة وبرلمان” أن الصحافة القومية الورقية كانت توزع ملايين النسخ عندما كانت تنتهج سياسة تحريرية تحقق التوازن بين السياسة العامة للدولة وبين التعبير عن هموم ومشاكل الناس فوجد القارئ “الزبون الفعلي” نفسه فيها فكان يُقبل علي شرائها، وكان ذلك مفيداً للجميع فالدولة تصل رسالتها لأكبر عدد من الناس .. والقارئ يجد لصوته صدي لدي صانع القرار .. والمعلن يسوق منتجه بين الجماهير .. والصحف “تؤثر وتربح” .. أما عندما تحولت الصحف إلى مجرد نشرات مكررة تعيد نشر ما سبق أن نشرته المواقع الالكترونية والقنوات الفضائية دون تجديد أو إبداع .. وبات القائمين عليها يرفعون شعار “كله تمام” للحفاظ علي كراسيهم وكسب الرضا حتي لو اضروا بالوطن .. أصبح القارئ “الزبون الفعلي” لا يري نفسه في تلك الصحف فأنصرف عنها .. لذا فأن الحل ليس في استنساخ ما تنشره الصحف وتحويلها لنشرات دعائية مكررة .. لن يحل ذلك الأزمة .. وسوف تخسر الدولة جبرا ما تنفقه على الصحف لانه ببساطة رسالتها لن تصل، والتطبيل وأن “كله تمام” لن يجعل القارئ ينخدع في ظل ثورة تكنولوجية تكشف كل زيف .. وفي ظل مشاكل اقتصادية واجتماعية يعاني منها المواطن يومياً وتنغص علية حياته.. أم أن المقصود أن يصل قطار الخصخصة إلى الصحف وبالتالي إغلاقها الواحدة تلو الأخرى وبيع أصولها!!

#لا بد أن تدرك الدولة “رئاسة وحكومة وبرلمان” .. ماذا تريد من الصحف القومية؟ .. وهذا يتطلب أن تدرك أولاً أن الحل ليس في اطلاق راصة الرحمة علي تلك المؤسسات وتشييعها إلى مثواها الأخير .. فتلك المؤسسات لم تخلق من عدم .. ووجدت باعتبارها كيانات محورية تعد جزء من القدرة الشاملة للدولة أي دولة .. والواقع يقول ان تقرير موجه ضد مصر في الجارديان أو نيويورك تايمز وغيرها من الصحف العالمية يجعل الدولة ترتبك وتدور حول نفسها بسبب تأثيره .. فكيف لنا أن نسعي بايدينا للقضاء علي مؤسسات صحفية راسخة ذات تأثير واسع بدلاً من التحرك بشكل صادق لتطويرها.

#لا بد أن تدرك الدولة أن الحل في أن تكون الكفاءة وليس الحظوة والثقة، معيار حقيقي لاختيار من يقودوا تلك الصحف .. لا بد أن تدرك الدولة أن الحل هو ترك الصحف تتكلم وتكتب بحرية كاملة عن هموم ومشاكل الناس ومطالبهم ووجهات نظرهم، وتساعد الدولة في كشف الفساد ومواجهته، وانارة الطريق أمام المسئولين، وتنشر وجهات النظر المختلفة، وأن تتخلص الصحف مما أصبحت فية عبارة عن مجرد نشرة للوزارات والهيئات الحكومية وتعمل دعاية مجانية لكلام المسئولين، فالقارئ “الزبون” لن يشتري جريدة لا تعبر عنه…

#الحل.. إن كما قال صديقي “احمد حافظ” أن يجد القارئ في الجريدة كل شيء بيبحث عنه.. رأيه.. حلمه.. آماله لبكره .. مشكلاته.. طالباته.. موقفه من قضية فساد كبيرة.. عن القهر والذل الذي يراه يومياً في المصالح والهيئات الحكومية.. عن نقد مسئول أخطأ، عن محاسبة مسئول مقصر، وألا تكون الجريدة من الصفحة الأولى للأخيرة بيانات صحفية، وكل المكتوب يمجد ويعظم ويمتدح …

#الحل.. إن كل قارئ يلاقي نفسه في الجريدة.. المؤيد والمعارض والحزبي والمستقل والغني والفقير والمتوسط والموظف والفلاح وصاحب الحرفة والذي في الخدمة والذي على المعاش.. من يريد العلاج، ومن يريد التعلم، ومن يريد محاسبة مسئول او مكافئة مسئول اخر، وهكذا.

#الحل إن يكون لدينا رؤساء تحرير يمتلكون رؤية ويريدون النهوض بتلك الصحف وليس هدفهم الحفاظ علي الكراسي وتقضية فترة وجودهم وتحقيق اكبر مكاسب مادية .. حتي لو انهارت الصحف ولم تعد توزع عدد واحد .. فنحن نحتاج رؤساء تحرير لديهم ادراك للسياسة العامة للدولة، وفي نفس الوقت يمتلكون فكر مهني وشجاعة في اختراق الملفات والقضايا الشائكة وكشف الفساد والعمل علي إصلاح المجتمع .. ومواكبة كل تطور وكل حديث وكل جديد في المهنة .. ويدرك أن الصحافة سبق وانفراد وملعومة جديدة وليس انتظار لبيان موزع علي الجميع، يدركون أن ليس دورهم مجرد تنفيذ تعليمات وتوجيهات بعيدة عن هموم واهتمامات القارئ “الزبون الفعلي” .. ومعرفة أن كشف الفساد ونشر اوجاع الناس ومشاكلهم ونشر الايجابيات الحقيقية، وليس المختلقة، يصب في مصلحة النظام أي نظام .. وأن الحديث الكاذب عن أن “كله تمام” يجعل الناس تنصرف عن الصحف وبالتالي تخسر وتغلق أبوابها .. وتجعل المجتمع يصحوا علي نكسة كما حدث مع اعلام أحمد سعيد اثناء حرب 1967 أو هزيمة مدوية كما حدث مع سعيد الصحاف وزير اعلام صدام حسين 2003.

#لا بد أن تدرك الدولة أن الحل في خلق صحافة حرة تتمع في نفس الوقت بمسئولية نحو الوطن وليس مجرد نشرات وإلا يجب علي الدولة ” رئاسة وحكومة وبرلمان” أن تصارحنا وتقول أن عاجبها أن تصبح الصحف القومية الورقية مجرد نشرات وبالتالي عليها الا تنزعج من الخسائر وأن تدفع لنا مقابل تحولنا لنشرات وتتحمل كافة التكاليف من مستلزمات طباعة وتشغيل ومرتبات وأجور وعلاوات وفي ذلك الوقت يكون الأفضل للجميع أن توزع الصحف مجانا فهذه الطريقة الوحيدة المضمونه أن تصل فيها صحف “النشرات” للقارئ …

#لا بد أن تصارحنا الدولة “حكومة ورئاسة وبرلمان” هل تريد تطوير الصحافة لتعمتد علي ذاتها وتقوم بدورها الوطني والثقافي والتنويري في اطار من المهنية أم انها ترفع شعار “الإغلاق هو الحل” وأن كل ما يجري ليس إلا مقدمات لنتائج بات الجميع يشاهدها في اخر النفق المظلم بداية من ارهصات اغلاق الاصدرات المسائية وتحويلها لمواقع الكترونية، والسعي لتحويل الإصدارات الأسبوعية إلى مجلات شهرية .. والابقاء علي اصدار أو اثنين في كل مؤسسة .. ثم تأتي الخطوة الاخيرة بدمج تلك المؤسسات .. كما حدث في القنوات الفضائية .. وأن الدولة رافعة شعار “تخفف من الاحمال ولا تتحمل المسئولية ” ولا يوجد مسئول يريد بذل مجهود لتطوير المؤسسات ولكم في مجلس الشوري الملغي بفرمان الدستور خير مثال حيث بعد 5 سنوات اضطرت الدولة لإعادته مجددا حتى مسمى مجلس الشيوخ، أما سوف تكتشف خطأ قرارها بعد فوات الأوان؟!.

#وإذا كانت الحكومة كما تردد، تريد تحويل الصحافة القومية لصحافة إلكترونية لمواكبة التطور فلماذا هذا الإهمال وضعف الإنفاق التي تواجهه مواقع الصحف القومية كافة؟؛ ولماذا لا تجعل رئيس تحرير الإصدار الورقي والالكتروني شخص واحد حتى يحدث التكامل بدلا من الصراع الذي نشاهده في مختلف المؤسسات أم أن ذلك مقصود لكتابة وفاة المؤسسات الصحفية القومية بدوى الفشل؟!.

#أخيرا .. خلونا صرحاء مع انفسنا هل الدولة “رئاسة وحكومة وبرلمان” تريد تطوير المؤسسات الصحفية القومية وجعلها تعود قوية ومؤثرة .. فاذا كانت تريد فنحن لدينا مليون حل لذلك .. وحلول تحافظ في نفس الوقت علي السياسة العليا للدولة .. أم أن الدولة قرأت الفاتحة علي الصحف القومية وتريد تشييعها لمثواها الأخير وفي هذه الحالة نريد أن نعرف القرار الآن حتي نستعد إلى مصيرنا المجهول .. لكن عذرا لن نقبل العزاء .. ففي بلدي في قلب صعيد مصر لا نقبل عزاء في قتيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: