ثقافة وفنون

أعتذر يا أمي ……. نص للشاعرة/ عائشة علي الجعيدي

أنا وبكل انكسار يمكن أن يصيب جميع أفراد أسرة – عاطلين عن العمل يعولهم تربوي متقاعد ينتظر الراتب على عتبة البريد كل صباح – حين يطالبهم صاحب البقالة بالدين المتزايد عندهم منذ بداية الأزمة ،
أعتذر يا أمي !
أعتذر ؛لأن الجميع يهدي أمه عدد كبير من أوراق يضعها لأول مرة بين دفتين بينما ابنتك تعجز عن ارتجال نص بحجم ورقة في مذكرة الهاتف.
الآلاف من كلماتي الحلوى أوزعها كل يوم على أطفال خواطري ،
على صديق قد يهمه أمري، وغريب مر بالصدفة في ذروة انهمارها،
لكن فعلا صغيرا اقصدك في آخره بضمير متصل أو مستتر
تستعصي عظمته على أناملي وفكري وشعوري !
أيتها المرأة
-التي تغفو الآن أمامي وتفتح عينيها باذختي العطف كل عشر دقائق لتسألني أصليت العشاء؟ أكلت شيئا أم تلوك معدتك أمعائها حتى أضع الصحن على طاولتك؟ متى سيترك الجهاز يدك؟ وتجيبها عيني التائهتين في الفراغ بلا تركيز :نعم يا أمي –
أنت أبهى بكثير من كينونتك الصغيرة بيننا..وضئيلة أنا على عمرك الذي حشوته في عظامي وتركت عظمك واهنا !
كثيرة أنت على قلب واحد تجاوز معك مراحل الحب ال(هيبتا) _كما يدعون_ حتى فاض بك،
وبعد الفيضان كما تعلمين تعود الأمور لطبيعتها ولا نشعر بمدى عوزنا للماء.
على حافة الصدق أقف لأبرر اعتباري لك شيئا مسلما به يحبني لأنني أنا وأحبه لأنني أحتاجه !
لكنني أسقط كل مرة !
هذه المرة وأنا أهوي لأكون مثالا حيا على السقوط الحر ،
تشكلت فوقي تماما سحابتان ..على أحدهما عبارة: أنت لست أكثر من حاجة الآخرين اليك .
وعلى الأخرى :كل يوم يحببنا أمهاتنا أكثر وأكثر وعلى العكس ، نكبر نحن ونحبهن أقل ثم أقل !
العبارتان لكاتب أثق بشعوره كثيرا ..
فجأة..
اختفت القمة،والسحب ،وقانون نيوتن ، واختفيت أنا؛لأغرق في أعماقي ،
الأمر كله يا أمي .. يتلخص في كوني وجدتك هناك ،
تماما عند نقطة البداية ..
تحملين منشفة تجففين بها تلعثمي ، تحتضنيني بقوة وأفشل في اعطائك الورقة الصغيرة التي أمضيت في كتابتها ساعة ونيف بتوقيت العجز ..
ولم أكتب فيها الا عبارة صغيرة تقول : أحبك كثيرا .. ولم أعد أذكر متى كانت البداية ؛ لأنك تسبقين بدايتي يا أمي !
أفشل ؛ لأنها تبللت .
لكنك مثل كل مرة تسابقين دهشتي وتقولين لي :
أنك تعرفين ذلك أيضا !!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى