رؤى ومقالات

عادل عبد الظاهر يكتب : أسطورة الكبير

منذ أن فتحنا أعيننا
على الدنيا في تلك البلاد، ونحن نشعر بيد تجذبنا إلى التوقف كلما حاولنا السير، أو
إلى الخلف، كلما حاولنا الإنطلاق حَبْوا أو هرولةً، بدءاً من يد الوالدين إلى
الأعمام والأخوال، بدافع الخوف علينا من الأذى (فهكذا علمهم آباؤهم أيضاً)، ومن ثمَّ
وقر في قلوبنا منذ الطفولة شعورٌ بضرورة وأهمية الوصاية، وكأنما هي مظلة الحماية
الوحيدة من كل النكبات، ولم نكن نعرف أنها هي نكبة النكبات.

فعلى مستوى أُسَرنا
تنشأ الأجيال على أن من ليس له كبير، فإنه قد يضطر إلى شراء كبير (وكأنما من
الممكن شراء كبير كما نشتري العبد مثلاً).

وإذا بنا نكبر، وإذا
بنا نرى أن الكبار مثلهم مثلنا، يخطئون ويصيبون ويتعثرون ويتلعثمون، فتنهار أهرام
الوصاية وتزول من أذهاننا، ولكن مشاعرنا لا تتخلى عنها بسهولة، يحدث هذا إذا
كبرنا، بمعنى إذا ما نجحنا في تجاوز مرحلة التعلق الطفولي السيكلوجي بالكبير، فالكِبَر
ليس هو مجرد النمو البدني، ولكن منا كثيرون ممن لا يكبرون أبداً، ولا يريدون أن
يكبروا، ويظلون على تعلقهم السهل بوهم الكبير وبمظلة الوصاية وانتظار التعليمات.

وتلك حالة لا تُنتج
إبداعاً ولا أناساً خالقين ولا أفعالاً خلاقة.

والحقيقة أنه لا كبير
في هذه الدنيا إلا الأحرار المبدعون من العاملين والعالمين. وهؤلاء هم من يخلدهم
التاريخ.

هل علمتم الآن لما
تعادي السلطات بكافة أشكالها الإبداع بكافة أشكاله؟

لأن الإبداع – من وجهة
النظر السلطوية – يساوي بين الرؤوس، بل هو يعلو برؤوس موهوبة على رؤوس “موهومة”،
لأن الإبداع حرية والسلطة قيد، والإبداع انطلاق عبر السماوات، بينما لا تملك
السلطة غير أوتاد الأرض.

لقد قامت السلطة
الدينية بمناصبة الدكتور مصطفى محمود – رحمه الله – العداء، بسبب ممارسة حرية
الفكر، وقامت باستعداء الجمهور عليه، حتى أنك تجد من العامة من لا يعلم عن مصطفى
محمود شيئاً غير أنه ذلك الإنسان الذي كفر وألحد، ثم أدركه الله فهداه، فأصبح الشك
في تاريخه وصمة عار، بينما يجب علينا أن نعلم أنه لا يشك إلا الكبير حقاً، ولا
يستسلم للمألوف إلا الصغار، كما أن صاحب الشك يستحق الاصطفاء، مثلما اصطفى الله
ابراهيم، فسماه الخليل، بسبب أنه ثار على المألوف اجتماعياً ودينياً.

السلطة السياسية أيضاً
أوقفت مصطفى محمود عن الكتابة، بطلب من العدو الصديق، دولة الصهاينة، لأنه كان يفضح
تلك الدولة، ويكشف خططها ومؤامراتها، وهو ما حدث بالفعل مؤخراً، وما كان أجدر
كبرائنا ببناء نُصُبٍ لذلك الرأس الكاشف، ويقومون بالسماح لآرائه أن تدخل إلى عقول
طلاب العلم في المدارس، ولكن الكبير الزائف دائماً هو من يكره الكبير بحق.

ولقد اتضح لي أن
أسطورة الكبير في بلادنا هي السبب الرئيسي وراء تخلفنا على كافة المستويات، إذ لا
يقبل رأس القبيلة برؤوس أخرى في ضيعته، تنتزع منه الأضواء وأمان الولاءات، ولذلك
فمن الأفضل أن تظل الشعوب جاهلة، حتى لا يُفلح في استقطابها هؤلاء المثقفون
الخطرين على ثبات واستقرار العروش.

والكبير في بلادنا لا
يدع فرصة لأحد أن يكبر، إلا إذا كان ممن يأمن جانبهم، وكلما رأى قاطرة غير قاطرته
تريد الانطلاق، قام سدنته بالإمساك بها، وشلّ حركتها، ويأبى أن يتركها إلا إذا سارت
على قضبانه.

تماماً مثلما يقدم أحد
نواب البرلمان مشروعاً بقانون، فيُعْرض على اللجنة المسئولة، فيتم تجاهله وإهماله،
بحجة أن الحكومة ستقدم مشروعاً مماثلاً، كما لو أن الدور المنوط بعضو البرلمان ليس
سن القوانين، وإنما أن يكون له الشرف أن يبصم على القوانين المعروضة عليه.

بيئتنا في عالمنا
المتخلف غير صالحة للنمو ولا للإنماء.

بيئتنا خانقة لكل المواهب، غير موهبة النفاق والتسبيح ليل نهار بأذكار الولاء لكل
كبير.

الكبراء يريدون للصغار أن تتفاوت أحجامهم حسب درجة القرب ومستوى الرضا عن حسن أداء
واجبهم الأسمى في السمع والطاعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى