د.محمد شعيب يكتب:مطلوب فصل السلطة الأكاديمية عن السلطة المالية والإدارية لرؤساء الجامعات الحكومية

في ظل حديث جميع وسائل الإعلام المقروءة والمرئية عن ضربة جديدة وناجحة لهيئة الرقابة الإدارية في ضبط رئيس جامعة دمنهور وآخرين متلبسين برشوة 4 مليون جنيه لتسهيل عملية استلام توريدات من بعض المتعاملين مع الجامعة وذلك حسب البيان الذي أعلنته الهيئة الموقرة على صفحتها الرسمية.

استوقتني فكرة طالما ناديت بها في السابق ومطبقة ومعمول بها في الجامعات الخاصة الناجحة، وكذلك في بعض الجامعات الأجنبية خارج مصر، ألا وهي فصل السلطة الإدارية والمالية عن السلطة الأكاديمية، ومنح رؤساء الجامعات السلطة الأكاديمية فقط. حيث يتولى مجلس أمناء الجامعات الخاصة إدارة الشئون المالية والإدارية، ويكون رئيس الجامعة مسئولاً عن العملية التعليمية والشئون الأكاديمية فقط.
فالدولة تختار رؤساء الجامعات من أجل تطوير العملية التعليمية وتطوير منظومة البحث العلمي في الجامعة، وليس من أجل تولي أمور المناقصات والمزادات والمشتريات وأعمال المقاولات … الخ.

فهذه المسائل الإدارية والمالية والهندسية لها أهلها من ذوي الخبرة، وهي جسيمة وتثقل ظهورهم. وإسنادها لرؤساء الجامعات فيها تشتيت لهم عن مهامهم الأصيلة في تطوير البحث العلمي والعملية التعليمية، ناهيك أن معظمهم يأتون من تخصصات وكليات ليس لها علاقة بهذا المسائل الفنية والإدارية، وقد يكون أقصى وأصعب عمل إداري قام به هو ترخيص سيارته من المرور! بل إن بعضهم ربما لم يمارس الإدارة في حياته وتبهره أضواء السلطة، وقد تضعف نفس البعض، ويقع فريسة لإغواء السلطة وينحرف بها مثل الحالة التي ضبطتها الرقابة الإدارية فيمكث خلف السجن ما تبقى من حياته، وكان بالأمس أستاذاً يشار إليه بالبنان في تخصصه العلمي.

وهذا يتطلب تعديلاً في قانون تنظيم الجامعات في مادته 26 التي تنص على “يتولى رئيس الجامعة إدارة شئون الجامعة العلمية، الإدارية، المالية وهو الذي يمثلها أمام الهيئات الأخرى وهو مسئول عن تنفيذ القوانين واللوائح وقرارات مجلس الجامعة والمجلس الأعلى للجامعات”
ولم تشترط المادة 25 من ذات القانون لتعيين رئيس الجامعة سوى أن يكون قد شغل وظيفة أستاذ لمدة 5 سنوات على الأقل.

بل إن أمين عام الجامعة المنوط به الشئون المالية والإدارية للجامعة جعل قانون تنظيم الجامعات صلاحياته وسلطاته تحت إشراف رئيس الجامعة حيث نصت المادة 38 من قانون تنظيم الجامعات على “يتولى أمين الجامعة الأعمال الإدارية والمالية في الجامعة تحت إشراف رئيس الجامعة ونواب الرئيس ويكون مسئولاً عن تنفيذ القوانين واللوائح والنظم والمقررة في حدود اختصاصه”

ربما ثار البعض ضد رأينا، واعتصموا بمسالة “استقلال الجامعات” وهذا القول مردود عليه بان الاستقلال الوارد في المادة 1 من قانون تنظيم الجامعات هو الاستقلال الأكاديمي والعلمي، وهذا لن يتم المساس به في ظل مقترحنا هذا. حيث تنص المادة 1 من القانون على “تختص الجامعات بكل ما يتعلق بالتعليم الجامعي والبحث العلمي الذي تقوم به كلياتها ومعاهدها في سبيل خدمة المجتمع والارتقاء به حضارياً، وتكفل الدولة استقلال الجامعات بما يحقق الربط بين التعليم الجامعي وحاجات المجتمع والإنتاج”

هذا هو الاستقلال الذي ينشده القانون يا سادة، وليس الاستقلال الذي يجعل رئيس الجامعة منغمساً طول الوقت في أعمال إدارية ومالية ليس له سابقة أعمال ونجاحات مسبقة بها، وتنسيه مهامه وخبراته الأكاديمية التي كانت سبباً في إتيان الدولة به لرفع تصنيف الجامعات وتحسين سمعة التعليم المصري.

وربما شكك البعض في صحة وإجراءات اختيار رئيس جامعة دمنهور وألقوا باللوم على الأجهزة الرقابية المعنية التي وافقت عليه، وهذا القول مردود عليه بأن من رشحه أولاً هو اللجنة المختصة “لجنة اختيار رؤساء الجامعات”، ثم يأتي دور الأجهزة الرقابية في المرحلة التالية. فربما كان الرجل ناجحاً أكاديمياً وعلمياً، وهذا ما نراه عند مراجعة سيرته الذاتية العلمية والأكاديمية، التي تثبت أنه كان طموحاً دؤوباً، حصل على جميع الدرجات العلمية في توقيتاتها وأقل من قرنائه. وأيضاً لم تسنح له الفرصة في السابق قبل توليه رئيس جامعة في الاستئثار بمثل هذه السلطات والقرارات. فهل كانت الأجهزة الرقابية علامة للغيب وتعلم ما في الأنفس والصدور؟ هل كانت الأجهزة الرقابية تعلم أن نفسه ضعيفة أمارة بالسوء؟ كلا والله وألف كلا . بل إن الأجهزة المعنية اتخذت من سيرته الذاتية الناجحة وملفه كمؤشر يستدل منه على نجاحه في تولي منصبه المرشح له. وربما لو فعلت غير ذلك وأتت بمن هم دونه في تلك المؤشرات لكال البعض الاتهامات بالمجاملة والمحسوبية.

بل إن قانون تنظيم الجامعات 49 لسنة 1972 الذي منح الرجل سلطات منفردة ثلاث وزراء “مالية وتنمية إدارية وتعليم عالي” والتي لا تمنح حتى لرئيس الجمهورية !! هذه السلطات الرهيبة هي التي أوعزت لنفسه الأمارة بالسوء.

لذا أقترح تعيين مجلس أمناء في كل جامعة أسوةً بالجامعات الخاصة، يضم في عضويته أعضاء من الجهات الرقابية والشخصيات العامة، والجهات الهندسية الكبرى في مصر، وذلك لإدارة والإشراف على الأمور المالية والإدارية والهندسية في الجامعات الحكومية المصرية، حفاظاً على أموال الشعب المصري العظيم.

وولحديث بقية حول البطالة المقنعة في بعض الأقسام العلمية وتشوه واختلال الهيكل الأكاديمي البشري في بعض الأقسام والكليات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: