بيوت تحتضن ذاكرة المدينة .. بقلم : خالد جهاد

ليس من السهل أن يكرس أيٌ منا مشاعره ووقته وجهده في خدمة هدفٍ نبيل، لكن عندما يمتلك الإنسان حساً مرهفاً يحتضن كل ما حوله مما قد يتجاهله كثر تتغير المعادلة وتصبح الحسابات وجدانية بشكل ٍ بحت، وهنا أتحدث عن أكثر من موضوع فلفتني الحرص والمحبة والحنان والإحساس الوطني الصادق في قلب امرأة رائعة ومصورة متميزة هي السيدة انعام خالد، فهي تتعامل مع مدينتها وبيوتها الحزينة بأمومة فتتألم لوجعها، وتسلط الضوء على أجمل ما فيها ، وتعمل بكل ما أوتيت من قوة إلى جانب زملاء أفاضل كثر للحفاظ على تراث وهوية محبوبتهم الجميلة (بيروت) بعد كل ما حل بها، وذلك من خلال التعريف بإرثها الغني وإبراز جمال ورقي بيوتها العريقة في مناطقها المختلفة، وتوثيقها من خلال عدستها لصالح (جمعية تراث بيروت) التي تحاول إنقاذ هذا التاريخ الإنساني الذي يواجه تهديدات جدية بالإختفاء..

فتتنقل دون كللٍ أو ملل بين مناطق بيروت المختلفة لتتابع مع رفاقها في الجمعية هذا الإرث الحضاري والثقافي والإجتماعي الذي يؤرخ لمزيجٍ من الحقب التاريخية التي مرت على لبنان وبيروت بشكل ٍ خاص، ومنطقة بلاد الشام والمنطقة العربية بشكل ٍ عام، فنلحظ تصاميم هندسية متنوعة، جذابة، مختلفة ورائعة تنبع من أرض لبنان وتشترك في تفاصيلها مع المعمار في سوريا وفلسطين والأردن، كما امتزجت مع الطراز العثماني والشامي وتفاصيل من دول عدة كالمغرب إضافةً إلى العديد من الأنماط الكلاسيكية الأوروبية، ونراها في مناطق متعددة بشكل ٍ خاص مثل منطقة زقاق البلاط الشهيرة التي سكنتها شخصيات سياسية وثقافية بارزة منها السيدة فيروز والشاعر بشارة الخوري الملقب بالأخطل الصغير، كما كانت تحتضن عدداً من المطابع ودور النشر لكن تاريخها وبصمات بيوتها توثق أنها كانت مرتعاً للعائلات البيروتية البرجوازية والطبقة المخملية التي بنت القصور والمباني الفخمة، كما استقرت فيها المدارس والإرساليات منذ عام ١٨٤٠م، وتحول قسم منها إلى مراكز ثقافية أو مدارس..

لكن هناك أيضاً العديد من المناطق في قلب العاصمة اللبنانية بيروت وضواحيها تحوي عدداً من هذه البيوت العريقة كالأشرفية والمصيطبة والباشورة وعين المريسة والجميزة ومحلة القنطاري وميناء الحصن ورأس بيروت وغيرها، والتي تتعرض إلى غزوٍ اسمنتي منذ أربعينات القرن الماضي ولكن جمالها لا يقتصر فقط على قصورٍ ومنازل فخمة بل يمتد ليشمل دور العبادة والمنازل السكنية في أحياء تصنف بالشعبية، والتي يوجد فيها أيضاً عظمة هندسية ومعمارية ارتبطت بالتحولات الكبيرة والكثيرة على صعيد اجتماعي خاصةً في القرنين التاسع عشر والعشرين وشملت زيادةً مستمرة في عدد السكان..

فكانت البيوت عادةً تتكون من طابقين وتبنى بأشكال هندسية مربعة محاطة بالجدران من كل الجهات للحفاظ على الخصوصية، وكانت البيوت أيضاً تشبه شخصية الناس وطباعهم فكان تصميمها يراعي التجمعات العائلية ويتميز بالفناء الداخلي الذي تتوسطه بركة ماء، وتحيطه أشجار الليمون والرمان والتوت والموز وداليات العنب دون أن ننسى شتلات الياسمين والفل والحبق والقرنفل، وأما الغرف المحيطة بالفناء في الطابق الأرضي فتتكون عادةً من مجموعةٍ من الحجرات منها قاعة مغلقة لإستقبال النساء وحجرة تسمى ب(بيت المونة) والتي تستخدم لتخزين الحبوب والأجبان ومايمكن تجفيفه من الثمار..

فيما يتم الصعود إلى الطوابق العلوية عبر سلم داخلي مصنوع من الخشب المثبت الذي يؤدي إلى (الرواق) الذي يؤدي بدوره إلى غرف النوم، وحينها لم تكن النوافذ والشرفات مفتوحة على الخارج كاليوم بل كانت داخلية وتطل على الفناء، لكن كان هنالك ما يعرف ب(القمريات) وهي عبارة عن فتحات مستديرة ومزخرفة ومزدانة بالزجاج الملون تسمح بدخول النور والهواء، وسميت بذلك لأن ضوء القمر يتسلل عبرها ليلاً..
وكانت هذه البيوت تبنى من الحجر الرملي فيما تبنى أسطحها من ألواحٍ خشبية تسندها جسورٌ مستوردة من سوريا وتركيا، وغالباً ما تكون مصنوعة من خشب القطران وتبنى مع مكوناتٍ أخرى بتصميمٍ يحميها من تقلبات الطقس سواءاً كانت حرارة الشمس في الصيف أو الأمطار في الشتاء، لتشمل كل الغرف التي كانت تتسع للأبناء ثم الأحفاد لاحقاً والذي تغيرت أنماط بنائه تبعاً للمتغيرات السياسية والإجتماعية وتداخل الثقافات بين شرقي وغربي، عدا عن طابعها المحلي والذي يتشابه مع طابع البناء في بقية بلاد الشام، كما كانت القناطر تحت الأدراج الحجرية شائعة في العمارة البيروتية التقليدية الخارجية..

ثم ظهر في أربعينات القرن التاسع عشر نموذج جديد للبيت البيروتي سمي بـ(الدار)، يقوم على قفل الفناء الداخلي وسقفه بالقرميد الأحمر، والإستفادة من الفسحة المذكورة ببناء الشرفات المسورة بـ(درابزين) من الحديد المشغول، كما تحتوي على مجموعة ٍ من القناطر والأعمدة الرخامية، واستبدلت (القمريات) بالنوافذ المجهزة بدرفات من الخشب تسمح بدخول النور والهواء، فأصبح للبيوت واجهات مؤلفة من ثلاث قناطر تتضمن زخارف من الخشب المخروط على شكل أزهار ٍ ونباتات ومن زجاج ملون وأعمدة رخامية، وشيئاً فشيئاً بدأ التغير الإجتماعي والإنفتاح على الغرب بشكل ٍ أكبر خصوصاً في زمن الإنتداب الفرنسي ووجود الإرساليات اللذين ساهما كثيراً بتغيير نمط البناء، ليغير بدوره طابع المدينة على مختلف المستويات، وقد بدأت وتيرته بالتسارع بشكل ٍ خاص في عقدي الأربعينات والخمسينات في القرن الماضي وظهر معها بداية ازدياد تعدد الطوابق والتي بدأت تصل إلى ثمانية طوابق..

كما شهدت تلك الحقبة بناء أضخم القصور وأفخمها وأكثرها بذخاً وإنفاقاً في تشييدها وتصاميمها الهندسية في بيروت، فتميزت بتأثرها بطراز العمارة الباروكية والمغربية والأندلسية والشامية من حيث الأعمدة والنقوش والرسوم على الجدران فضلاً عن الأثاث الأوروبي الكلاسيكي والتحف النادرة الباهظة الثمن، كما كانت كثيرة الغرف وتقوم بتخصيص غرفة لكل نشاطٍ يومي في شكلٍ من أشكال الرفاهية، فأصبح هناك غرف جلوس للسيدات وغرف للطعام والتدخين والمكتب والمرسم والمدفأ والمطالعة وغيرها،
عدا عن تخصيص غرف وسلالم منفصلة للعاملين ومدبرات المنزل والمربيات عن تلك التي يستخدمها أصحاب البيوت لتحقيق المزيد من الخصوصية خاصةً في الأوساط البرجوازية، كما تم إنشاء بيوتٍ للضيافة مخصصة للزوار القادمين من خارج المدينة دون أن نغفل عن ذكر البيوت الصيفية التي كانت تستخدم للإستجمام على مقربةٍ من البحر..

وبمرور الوقت أصبح هذا النمط المعماري متاحاً لفئات اجتماعية متوسطة وميسورة لكن ليس بنفس الإمكانيات المتاحة للطبقات الثرية، خاصةً بعد إنخفاض تكلفة البناء ومواده فمكنها من محاكاة بيوت الأغنياء بشكل ٍ أقل يتناسب مع قدراتهم المادية، ومن ناحيةٍ أخرى ترافق هذا التوسع العمراني وازدياده ووصوله إلى طبقاتٍ اجتماعية وثقافية مختلفة مع محاصرة المساحات الخضراء وزيادة عدد الأبنية السكنية والتجارية وارتفاع طوابقها خاصةً مع تواجد المصاعد الكهربائية، فأخذت هذه البيوت العريقة وخصائص العمارة في بيروت ككل بالتضائل والتراجع، وتناقصت أعداد هذه البيوت بسبب هجر الكثيرين لها بعد الحرب الأهلية أو تنازع الورثة عليها واهمالها أيضاً كإرث ثقافي من قبل الجهات المعنية، فتم هدم عدد كبير منها وأصبح الباقي منها مهددا ً خاصةً مع وجود سماسرة العقارات الذين يحاولون بيعها بمبالغ خيالية غير عابئين بقيمتها المعنوية، وتم الحديث عن هذا الجانب منذ سنوات في الكثير من المقالات والأعمال الأدبية كانت احداها رواية (سهرة تنكرية للموتى) للأديبة السورية الكبيرة غادة السمان..

ومما لا شك فيه أن المعمار والبيوت بتفاصيلها الدافئة الحميمة ليست مجرد أثاث أو تصاميم أو نوافذ أو شرفات أو قناطر أو أدراج أو أبواب بل هي حياة بأكملها، حاضنة للضحكات والدموع، تمثل هوية شعب وسجلاً لتاريخه ولحظاته وأفراحه وأتراحه وانتصاراته وهزائمه، شاهدةً على أحداث إنسانية وتاريخية لا تتكرر، توثق لواقعٍ اجتماعي وثقافي محلي نابع من بيئته ومحيطه ومتداخل مع منطقته، تأثر بحضاراتٍ قادمة من بلاد متعددة قريبة وبعيدة فاحتضن أبنائها الذين شاركوا في نهضتها، وتقترب هذه المنازل بروحها من أصحابها وذكرياتهم إلى حد التطابق والتماهي معهم، لذلك نثمن كل جهدٍ مبذول مهما كان بسيطا ً لمحاولة حماية وترميم هذا التراث الذي يستحق كل مظاهر المحبة والعطف والحنان والإحتواء، بدلاً من الإهمال ومحاولات الإتجار بها في شكل ٍ من أشكال الجحود لكل ماهو وجداني مقابل بريقٍ زائف، وثمنٍ لا يمكن أن يعادل لحظةً صادقة في أحضان بيتٍ دافىء أكثر من قلوب الكثير من البشر..

ونوجه تحية من القلب الى المصورة اللبنانية الرائعة السيدة انعام خالد على جهودها وصورها المميزة التي نقلت جمال هذه البيوت وتراثها الفريد، والى كافة زملائها في (جمعية تراث بيروت) على محاولات حماية التراث وترميم البيوت وإنقاذها وإنقاذ ذاكرة مدينة ووطن، والى كل من يحمل ضميراً وقلباً يشعر بكل ما حوله بإخلاص دون أن ينتظر مقابلاً لعاطفته النبيلة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: