د. نيفين عبد الجواد تكتب :العنف والبلادة

 

ما بين مذبحة المسجد الإبراهيمي في يوم 25 فبراير عام 1994م وبين يوم 28 نوفمبر عام 2021م، مضى أكثر من ربع قرن ولم يزل التدنيس مستمرًا للمسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل في فلسطين المحتلة، مثلما لم يتوقف العنف داخل أماكن العبادة في البقاع التي تحوي مساجد المسلمين وعلى رأسها ساحة المسجد الأقصى التي تقع تحت قبضة الاحتلال الإسرائيلي الغاشم.
وبعدما كانت هناك انتفاضات شعبية تهب بين حينٍ وآخر رفضًا لانتهاك حرمة دور العبادة واحتجاجًا على التنكيل بالأبرياء وقتل المصلين المسلمين من أهل فلسطين، لم يعد هناك بعد كل حادثة انتهاك أو اعتداء سوى التنديد الرسمي الباهت والهزيل والذي لا محل له من الاهتمام ولا طائل منه مهما تكرر ومهما تعددت جهاته.
إن المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل بالضفة الغربية ليس فقط مكانًا يؤدي فيه المسلمون شعائر صلاة الجماعة ولكنه معلمًا تاريخيًّا وأثريًّا هامًّا في دولة فلسطين؛ ومن ثم فهو لا يخص المسلمين وحدهم بل يخص الإنسانية جمعاء. وعندما يتم انتهاكه وتدنيسه على مرأى ومسمع من العالم دون أن يتحرك ساكن، ودون أن يستفز ذلك التدنيس بصفة خاصة مشاعر المسلمين في كافة أنحاء العالم، و دون أن يستثير ذلك الانتهاك غضب كل إنسان لا يبغي الفساد في الأرض وينشد الخير والسلام للإنسانية جمعاء، فهذا يعني أن نصرة الحق قد أصبحت في أزمة حقيقية وأن التهاء البشر كلٌّ في دنياه الزائلة –والتافهة إلى حد كبير– لم يعد يترك أية فرصة لأي إنسان كي يُميز بين الحق والباطل؛ وبالتالي ليس هناك من ينشغل بتنمية قدرته على مقاومة الباطل بل أصبح الاستسلام بكل طواعية لأي طغيان والتسليم بالهزيمة أمامه هو السمة العامة للبشر اليوم.
فهل هناك انتصار أعظم لكل طغاة العالم والمفسدين في الأرض من ذلك الانتصار على الإنسانية جمعاء بعدما وهنت عزيمتها وتشتت شملها ولم يعد لديها أي طموح في أن يعم السلام الحقيقي من جديد على وجه الأرض؟ ويا تُرى هل هناك أي نجاح أو تقدم يمكن أن تحققه البشرية بعدما لم يعد العدل هو المقصد الإنساني الأهم وبعدما أصبح الباطل يتم فرضه على الجميع بكل بطش وبمنتهى القهر؟
إن البقعة التي تعاقبت عليها الحقب التاريخية فأصبحت موضع تقديس وإجلال من أهل أكثر من ديانة وشريعة ليست بقعة عادية؛ لذلك لا يجب عدم الاكتراث بأية محاولة لطمس معالمها أو تدنيس مقدساتها. وما دام القوي هو الذي يفرض قانونه على الجميع فبالقطع سيكون القوي هو الذي يملك، وهو الذي يحكم، وهو الذي يدك بنيان ما هو قائم فيصبح ردمًا، وهو الذي يبني فوقه ما هو جديد فيصبح معلمًا يغطي على ما كان أثرًا.
وها هو المسجد الإبراهيمي قد تم بناؤه على تلك البقعة التي شاع عنها أنها كانت تضم المغارة التي دُفِن فيها النبي إبراهيم أبو الأنبياء والذي يؤمن بنبوته كلٌّ من اليهود والمسيحيين والمسلمين. أما المصدر الذي يستند إليه أهل الكتاب بشأن حقيقة دفن النبي إبراهيم وغيره من الأنبياء في تلك المغارة فهو العهد القديم وتحديدًا سفر التكوين (28:49-33). ومن هذا المصدر الديني تناقل أهل الكتاب جيلًا وراء جيل تلك المعلومة إلى أن وصلت إلى المؤرخين المسلمين فيما بعد ومنهم “ابن جرير الطبري” [ت. 310هـ/923م]، ثم وصلت بعد ذلك إلى أبرز مؤرخي العصر المملوكي “ابن كثير الدمشقي” [ ت. 774هـ/ 1373م] الذي ذكر في كتابه (البداية والنهاية) في (ج1، ص173-175) خبر دفن النبي إبراهيم لزوجته سارة في مغارة بأرض كنعان في أرض حبرون (المعروفة اليوم بالخليل) والتي اشتراها من رجل يسمى “عفرون بن صخر” ثم تم دفنه هو بجوارها بعد موته ودُفِن معه بعد ذلك ولده إسحاق وولد ولده يعقوب. وهذا هو ما ورد في سفر التكوين والذي تم تواتره من زمن بني إسرائيل إلى الآن. ويشير “ابن كثير” إلى أن تعيين مكان القبر تحديدًا ليس فيه خبر صحيح عن معصوم لذلك ينبغي أن يتم احترام وتبجيل تلك المحلة فيُجَلّ أن يُداس في أرجائها خشية أن يكون قبر النبي إبراهيم أو أحد الأنبياء من ذريته تحتها.
واليوم نرى الانتهاكات التي يعاني منها المسجد الإبراهيمي فبعدما أعلن يوم السبت الماضي رئيس الكيان الإسرائيلي الغاصب لأرض فلسطين أنه سوف يصلي في المسجد الإبراهيمي وأنه سيقيم طقوسًا دينية يهودية بمناسبة عيد الأنوار التلمودي، نراه قد اقتحم بالفعل صحن المسجد محتميًا بحراسة مشددة من القوات الإسرائيلية، ونرى قوات الاحتلال تعتدي على مجموعة من النشطاء الذين شاركوا في مظاهرة خارج المسجد الإبراهيمي احتجاجًا على تدنيسه. ليذكرنا ذلك بمذبحة المسجد الإبراهيمي التي نفذها الإرهابي الإسرائيلي”باروخ جولدشتاين” في فجر يوم الجمعة 15 رمضان عام 1414هـ الموافق 25 فبراير عام 1994م حيث أطلق النار على المصلين المسلمين أثناء أدائهم لصلاة الفجر مما أدى إلى استشهاد29 مصليًّا وجرح أكثر من 150 آخرين.
ولقد ساعد جنود الاحتلال الإسرائيلي الإرهابي الإسرائيلي على تنفيذ جريمته تلك بإغلاق أبواب المسجد وذلك لمنع المصلين من الهرب ولمنع القادمين من خارج المسجد من دخوله لإنقاذ الجرحى والمصابين. كما استشهد أيضًا في هذه المذبحة برصاص جنود الاحتلال الإسرائيلي فلسطينيون آخرون كانوا خارج المسجد وذلك أثناء تشييع جثامين الشهداء في هذه الجريمة الإرهابية التي لايجب أن تسقط بالتقادم.
وفي إثر هذه المذبحة تم تقسيم مجمع المسجد رسميًّا بين المسلمين في مدينة الخليل والبالغ عددهم آنذاك 160 ألف مسلمٍ والمستوطنين اليهود البالغ عددهم800 مستوطنًا يهوديًّا. وبالرغم من تقسيم مبنى المسجد الإبراهيمي إلى مسجد للمسلمين وكنيس لليهود فما زالت الانتهاكات الإسرائيلية للمسجد مستمرة خاصة في ظل ما تزعمه إسرائيل من أن “كهف البطاركة” أو “مغارة المكفيلة” –وتعني المغارة المزدوجة لأن بها كهفين– والمبني عليها المسجد هي التي دُفِن بها النبي إبراهيم وغيره من الأنبياء. ولذلك تعد تلك المغارة ثاني أقدس الأماكن عند اليهود بعد “جبل الهيكل” الذي ينسبونه إلى النبي سليمان والذي يزعمون أيضًا أنه موجود في ساحات المسجد الأقصى. وبالتالي ليس غريبًا أن تقوم إسرائيل في أوائل عام 2019م بطرد المراقبين الدوليين الذين يحمون أهل الخليل من الفلسطينيين، ثم يتوالى انتهاكها للمسجد بعد ذلك دون أي رادع.
فهل كان هناك أي كنيس لليهود في هذه البقعة قبل بناء المسجد الإبراهيمي؟ وهل تلك المغارة المقدسة عند كل من اليهود والمسيحيين والمسلمين قد دُفِن فيها بالفعل أبو الأنبياء إبراهيم وغيره من الأنبياء؟ وهل المسجد الإبراهيمي يستحق دفاع المسلمين في شتى أنحاء العالم عنه مثلما يستحق الحفاظ عليه كمنشأة أثرية وتاريخية هامة تنتمي للتراث الإنساني العالمي؟
إن الجهل يقود إلى ضياع الحقوق، والضعف يقود إلى التنازل عن الحقوق، والجهل والضعف كلاهما معًا يقودان إلى المذلة والبلادة والهوان؛ لذلك إذا أراد المسلمون القوة فعليهم بالعلم، فإذا لم تشغلهم سوى الدنيا فلن يطلبوا العلم إلا للدنيا ولن يطلبوا القوة إلا لها، أما إذا كان مقصدهم هو الحق والعدل فسيطلبون العلم من أجل القوة وسيطلبون القوة من أجل الحق والعدل.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: