فراج إسماعيل يكتب :في حضرة الإمام البخاري

استقبلني الشيخ محمد صادق رحمه الله مفتي الإدارة الدينية لآسيا الوسطى في مقر الإدارة بعاصمة أوزبكستان، طشقند، ثاني يوم لوصولي قادما من جدة وموفدا من جريدة المسلمون، وقد أصبح مفتيا لأوزبكستان بعد استقلالها وانهيار الاتحاد السوفيتي.
في المطار كان مندوب من الإدارة الدينية في انتظاري لتسهيل إجراءات الدخول، حيث أخذني إلى فندق أوزبكستان وهو أفضل فندق في زمن التسعينيات في طشقند.
ورغم ان الإدارة التي تشرف على إصدارات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، كانت تحرص على أن تتصدرها عبارة ان الصحيفة تتحمل تكلفة سفر وإقامة موفديها، إلا أن حجوزات الفندق فاجأتني بأن الإدارة الدينية أرسلت إليهم بتحمل تكاليف إقامتي الكاملة، وعندما قابلت الشيخ محمد صادق، طلبت منه إلغاء ذلك احتراما مني لأعراف صحيفتي، ولكنه رفض بإصرار مستخدما مرجعيته الفقهية كأستاذ وعميد لمعهد الإمام البخاري في طشقند، وخبرته الصحفية السابقة كمحرر صحفي في السبعينيات.
قال مازحا: لقد وثقوا بك حتما لأنهم طبقوا عليك شروط “علم الرجال” ويعني به علم الجرح والتعديل التي طبقها أمير الحديث الإمام البخاري رضي الله عنه، واستنتج من خلال فلترتها شديدة القيود والقسوة، أحوال الرواة لقبول الرواية أو الخبر منهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
كان يقصد أن تحملهم تكلفة الفندق لن يجعلني أتساهل او أجامل في تقاريري او أمدح من يستحق الذم.
كان الشيخ محمد صادق معحبا بشخصية الإمام البخاري، حريصا على المداومة على زيارة مسقط رأسه في بخارى على بعد نحو 500 كم من طشقند، وضريحه قرب سمرقند على مسافة 4 ساعات بالسيارة من طشقند.
درس الحديث الشريف وتعلق به، وكما ظل الإمام البخاري 16 عاما يطوف حواضر العالم الإسلامي ليحفظ الحديث من رواته ويوثق سنده وصحة متنه، حتى تحقق في صحيحه ما يعرف عند العلماء بالسلسلة الذهبية من الرواة، طاف محمد صادق أيضا بحواضر العالم الإسلامي بدءا من تلقي العلم في مدرسة مير عرب الإسلامية بمدينة الإمام البخاري والشيخ الرئيس ابن سينا .. مدينة “بخارى”. ولم يتوقف عن العلم حتى نال درجة حامعية عليا في الحديث والشريعة والفقه والتفسير من جامعة ليبية، نجح من خلالها في إجادة اللغة العربية، ووضع مجلد تفسير معاني القرآن الكريم باللغة الأزبكية.
إذا أحببت علامة واقتفيت طريقه، لا يعني ذلك أنك ستعيش محنته، لكن الله سبحانه وتعالى شاء لمحمد صادق أن يعيش محنة تقترب من محنة الإمام البخاري في أخريات حياته بعد أن أخرج للناس كتابه الجامع الصحيح المشهور بصحيح البخاري.
ذهب البخاري ليقيم في نيسابور مدينة زاخرة بالعلم والعلماء وحفاظ الحديث، فتزاحم الناس على مجلسه وهجروا الآخرين من العلماء، فحقد عليه بعض هؤلاء العلماء وحسدوه واتهموه اتهاما باطلا، فخرج إلى مسقط رأسه بخارى، وهناك سلط عليه أميرها بعض السفهاء ثم نفاه، فذهب إلى قرية قرب سمرقند عند بعض أقربائه، وفي جنح الليل وهو يطيل في صلاته كالمعتاد، دعا ربه بأن يقبضه إليه بعد أن ضاقت الأرض عليه بما رحبت، ومات بعدها بأيام.
تعرض محمد صادق لغضب أول رئيس لأوزبكستان أسلام كريموف بعد أن أصبح مفتيا للدولة المستقلة حديثا، فقد كان يحسده على دوره في إعادة إحياء الإسلام ورد حقوق المسلمين في أخريات زمن الاتحاد السوفيتي، عندما عينه جورباتشوف عضوا بمجلس السوفيات الأعلى، وقيل إنه كان من العقول المفكرة لجورباتشوف في البروسترويكا والجلاسنوست وإسقاط الشيوعية.
نفاه رئيس الدولة الجديدة وكان شيوعيا متطرفا، ولم يعد إلا سنة 2000.. ثم رحل بعد ذلك بسنوات عن الدنيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: