قصة الإنكسار ………. بقلم : إبراهيم عبد الكريم // المغرب

قصة تحت عنوان: الإنكسار .
بقلم : إبراهيم عبد الكريم

“شروق الشمس منبع الإلهام ” هذا ما ردده علي في قرارة نفسه وهو يتهيأ للنوم بعد قراءة آخر صفحة من رواية الخبز الحافي للكاتب المغربي محمد شكري. أمنية طالما تحدثت لخواطره، حلم راسخ في مخيلته منذ رد ح من الزمان ..
في الصباح الباكر من نهار الغد، غادر علي بيته حوالي الساعة الخامسة والنصف تاركا زوجته تغط في سبات عميق، اعتاد القيام ببعض الحركات الرياضية على الشاطئ، عملا بنصيحة طبيبه المتخصص في أمراض السكري. كان الجو ربيعيا من أواخر شهر مارس، أشجار وورود مزهرة على رصيف الطريق، وورود الياسمين تتسلق جدران بعض المنازل الفاخرة، كانت الأزقة فارغة وحركة الناس شبه منعدمة إلا من بعض الكلاب الضالة التي تبحث عن طعامها في صناديق القمامة بجانب كبار المقاهي والمطاعم، وطائر النورس في محاولاته مباغتة الصيادين لسرقة طعامه من صناديق سمك السردين وغيرها، منظر جميل بسحره في ظل بزوغ خيوط الشمس التي تفرش قلب السماء بأشعتها الذهبية وترسلها على الرمال وأمواج البحر، إلا هدير الموج الذي يكدر صفو السكون الشامل، مناسبة أملت على علي تجسيدها بالتقاط صور تذكارية وإرسالها إلى أبنائه بديار المهجر لعلها تؤثر في نفوسهم لاستقطابهم لزيارة الوطن وصلة الرحم، فجأة رمق فنانا يرسم شروق الشمس وهي تبعث التفاؤل بنسيجها الذهبي لتمنح الإنسان الطاقة اللازمة في توفير حاجيات رمقه اليومي، في عالم تملؤه الصراعات والمنافسات المبنية على الأنانية والأوبئة الفتاكة كما هو حال فيروس كورونا الذي ما زال يحصد الملايين من الأرواح في ظل عجز الفكر الإنساني على مقاومتها..
بعد التقاط الصور الجميلة، قرر علي الإلتحاق بالمقهى لاحتساء فنجان قهوة بعيدا عن ضجيج حركات المصطافين الذين بدأوا في النزوح نحو الشاطئ.

“نادى علي على النادل قائلا:
من فضلك اريد قهوة مغلية ومعطرة بالقرفة”
أضاف” لا تنسى قدحا من زيت الزيتون البلدي”
هكذا خاطب النادل الذي لم يكن سوى ابن صديقه الشاب الذي حصل مؤخرا على شهادة الماستر تخصص في الالكترونيات، لكن الحظ لم يحالفه في الحصول على منصب على الرغم من تزايد الفنادق والمطاعم بالمنطقة السياحية التي فتحت أبوابها مؤخرا بالمنطقة الشرقية للبلاد، مؤثرات كورونا على حركات السياح والاقتصاد كان عاملا أساسيا في الحد من فرص العمل، شلت الحركة السياحية بالكامل…

قبع علي في مكانه المألوف يتأمل الأمواج والقوارب الصغيرة الزرقاء التي كانت في طريقها للعودة إلى المرسى محملين بـ – بغنيمتهم، في بعض الأحيان ترى الزبائن يركضون للفوز بأسماك طرية يشترونها من لدن رب القارب أو مساعده، كان المنظر فريدا من نوعه، خلابا بجماله ونادرا بشروق الشمس!
سرعان ما سمع مناديا ينادي باسمه: علي يا علي
أضاف: يا لها من صدفة، انت علي
في البداية لم ينتبه لمخاطبه، لكن حينما إقترب الرجل، صاحب الشعر الأبيض، تذكر علي صديق الدراسة بالاعدادي، احمد،
صاح علي قائلا: اهلا بصديقي، ليضيف، “لم تتغير ملامحك، اللهم الشيب الذي اكتسح راسك
رد أحمد على علي بقوله: ألم يقل الشاعر، الزاهد أبو عمران:
“.ذهب الشباب بجهله وبعاره وأتى المشيب بحمله ووقاره
، كان أحمد من محبي الأدب خاصة منه الشعر، غادر الدراسة في الثمانينات للالتحاق بأبيه وعائلته بالمهجر.
عرض عليه مرافقته في احتساء فنجان قهوة وتبادل أطراف الحديث عن الماضي والحاضر.
لكن سرعان ما انتبه إلى وجه أحمد الذي كانت تعلوه ابتسامة متوترة.” لابد من استحضار الماضي مع أحمد لعل ذلك يخفف من اليأس الذي يبدو على ملامحه” هذا ما ردده علي في قرارة نفسه على الرغم من أنه يبحث عن راحة البال واجتناب كل ما من شأنه أن يعكر عطلته. كان الحديث شيقا في استحضار الماضي بين الدراسة والقصص الغرامية التي كانت لها حصة كبيرة في حياتهم، إلا أن الحديث عن الأبناء وحياة الغربة، اربك أحمد ليشع من جديد نوع من الانزعاج من وجهه، اطبق على الجلسة صمت شامل، لا أحد ينبس ببنت شفة، فجأة خبأ أحمد رأسه بكلتا يديه وتنهد تنهيدة عميقة فرفع رأسه ليسترسل في الحديث دون توقف. كان يتحدث عن زوجته بقلب مفعم بالحزن، زوجته التي فضلت أحفادها بالمهجر على العودة إلى المغرب لقضاء العطلة برفقته، سرعان ما نطق قائلا” لا أستطيع تحمل أكثر مما أنا فيه” أضاف وهو ينظر يمنة ويسرة، وبصوت خافت، وكأنه لا يريد أن يسمعه بقية زبناء المقهى،” زوجتي لا تريد العودة للمغرب لقضاء العطلة، بدعوى تربية أحفادها في غياب امهم، ابنتي التي تقضي أيامها في العمل”
فجأة نظر إلى علي بسؤال قائلا:” ماذا يمكنني فعله بعد أربعين عاما من الغربة؟ وبنبرة حزن عميق قال:”اريد العيش بوطني ما دمت حيا” ليضيف، أنا مصاب بمرض السكري وضغط الدم، احتاج الى عناية وراحة البال، اريد الهدوء، أريد عطور بلادي” استرسل قائلا” لكن ويا للأسف زوجتي تفضل الغربة” وبنبرة عاطفية قال :” كبر أبنائي وتزوجوا، أريد أن أسافر، أريد زيارة كل شبر من وطني، زيارة المآثر التاريخية، المرافق السياحية، زيارة العائلة” كان يتحدث واللعاب يتطاير من فمه.
“”سئمت من الغربة ومن الوحدانية صديقي، سئمت العيش في بلد أصبحت فيه العنصرية حرية من حريات التعبير”، لقد تفاقم انتشار أفكار اليمين المتطرف، انتشار العنصرية في المجتمع الأوروبي، أضاف بقوله: “قضيت أكثر من أربعين سنة في جو مشحون بالعداء إلى كل من له أصول أفريقية أو عربية خاصة تجاه المسلمين، كم من شباب وشابات ذهبوا ضحية لأفكار اليمين المتطرف،” توقف هنيهة يتنهد تنهيدة عميقة وهو يدرك في أعماقه أن المشكل عويص جدا وليس بظاهرة عابرة، ثم أضاف قائلا: “كنت اسكن في احدى العمارات لما يزيد عن عشر سنوات، وفي يوم من الأيام فاجأني جاري، الذي كنت أكن له كل الاحترام، بقوله “ارجع الى وطنك -صال بونيول-اتفهم لماذا أردت العودة إلى وطني، اريد العيش ما تبقى لي من الوقت بعيدا عن هذا الإحساس الخبيث، المرعب”، توقف ليرتشف قهوته ويستأنف كلامه بعد ذلك قائلا: أنظر لما يجري في الانتخابات الفرنسية حاليا- أواخر 2021- كل من أراد كسب ٲصوات المواطنين يوظف قضية الهجرة والمهاجرين، الهجرة أصبحت بمثابة العملة الصعبة التي يستعملها المرشحون للفوز في الانتخابات المحلية أو الجهوية اوالوطنية حتى الرئاسية منها، أما منابر الإعلام فحدث ولا حرج، أصبحت تنشر وتكرر العبارات العنصرية التي يستعملها المرشحون في خطاباتهم، منهم من أدين من طرف القضاء بتهمة زرع التفرقة العرقية والعنصرية إلا أنه ما زال يروج لأفكاره، فالمنابر السمعية والبصرية أصبحت تروج وتنشر افكار العنصريين المتطرفين ضد الأقلية المسلمة، تحت غطاء الديمقراطية وحرية التعبير التي هي جوهرة القانون الفرنسي. وكأننا نعيش في القرون المظلمة الاستعمارية التي ظهرت فيها العبودية باسم العصرنة والحداثة. كما كان الشأن في القرن السابع عشر الى حدود القرن العشرين، إلا أن الفرق مع ما نعيشه الآن هي مسألة مبادئ الديمقراطية التي أصبحت تخضع للعولمة، أما في العصور السابقة فكانت مبادئها عن قناعة بعيدا عن الظرفية الاقتصادية، كانت صلبة برجالها وأفكارهم”
توقف أحمد، والعرق يتصبب على وجهه من كثرة الانفعال وحرارة الشمس ثم أضاف ، “كل هذه الحياة احتملتها لسنين عديدة على مضض” ..

في الٲخير انهى كلامه وقد استشاط غضبا ليردد قوله: “سئمت، سئمت من حياة الغربة، لكن زوجتي اختارت الاعتناء بالأحفاد عوض العيش بجانبي، أنا لا أكره احفادي لكن من حقي العيش بوطني مادمت قد أديت واجبي كأب لارتاح إلى أن ألقى ربي .”، قبل أن يودع على صارحه بأنه لم يكن يدور في خلده ابدا ان يصل الى هذه المأساة، كان يتحدث والغصة تكبر في حلقه شيء فشيء، وقبل أن يغادر المكان قال بصوت مرتفع : “وما أخبرتك به صديقي، ليس إلا غيض من فيض”
كادت عيناه تذرف دموعا وهو يذكر اسم زوجته وابنائه.

فرنسا 29/10/2021
إبراهيم عبد الكريم
المغرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: