أشرف الريس يكتُب عن: ذكرى رحيل نجيب محفوظ

هو  ‘‘ ابو الرواية المصرية الحديثة ‘‘ و ‘‘ أمير الرواية العربية ‘‘ و ‘‘ الثائر الصامت ‘‘ و ‘‘ أديب نوبل ‘‘ الكاتب و الأديب و الروائى الكبير و القدير ” نجيب محفوظ عبد العزيز ابراهيم احمد الباشا ” الشهير بنجيب محفوظ ذلك العملاق الذى تفاعل برواياته مع الواقع الاجتماعى و السياسى المِصرى على مدى عُقودٍ من الزمان بصمت و دون ضجيج أو إدعاء بطولة بعدما نطق هذا الصامت فى وقتٍ صَمَتَ فيه الناطقون قكان صوتُ أبطالِ رواياته و قصصه القصيرة بمثابة الصوت السياسى الوحيد المسموع طوال الحِقب الإستبدادية التى شهدتها مِصر و شهِدت معها ضُمور النقد السياسى بعدما شكل أدب محفوظ حزباً سياسياً قائماً بذاته يُقاتل بهدوء و ينتقد برصانة و يُحلل بذكاء كافة أمراض الواقع الاجتماعى – السياسى فى وقتٍ اختار الاخرون فيه اما التصفيق أو الصمت أو بالمعنى الدارج ‘‘ مصمصة الشفايف ‘‘ فاستطاع محفوظ أن يُصور فى رواياته الأمراض الاجتماعية المُستشرية و التيارات السياسية و الفكرية التى اضطربت تحت السطح الراكد لمياه الحياة السياسية المِصرية و هو ما أفصح عنه محفوظ عام 1977م فى أحد البرامج التليفزيونية قائلاً ” لا تخلو رواية من رواياتى من السياسة ” و هى السياسة التى من وجهة نظر كاتب هذه السُطور اسقطت المُعاصر على الغابر أو رصدت الحاضر و تصوراته إما بمُباشرة أو برمزية و هو ما سنُلاحظه فى 33 روايه و 13 مجموعة قصص قصيرة و حوالى 50 قصة اتنشرت فى الجرائد و المّجلات و أكتر من 300 مقالة و حوالى 400 حوار صحفى و مؤلفاته التى تخطت الـ 40 كتاب .. ولد نجيب محفوظ فى 11 / 12 / 1911م بحى الحسين فى القاهره وسط أسره مُتوسطه الحال مع اربعة أشقاء و شقيقتين و كان هو أصغرهم و كان والده موظف درجة خامسة فى الدوله و سمى نجلَه بـنجيب محفوظ على اسم ( نجيب باشا محفوظ ) و هو طبيب امراض نسا و ولادة أشرف على ولادته التى كانت مُتعسرة و قد عايش محفوظ ثورة 1919 و هو طفلٌ دون الثامنة من عُمره و استثمر تلك المُعايشة فى فترة الصبا و الشباب حين ولدت مصر روحاً جديده بعد عُصور التقوقع و فُقدان الإحساس بالهويه حتى تم تجسيد الشُعور بالقوميه المِصريه و انتاب المصريون احساساً جارفاً بالفخر الوطنى و العزه القائمة على الإيمان بتاريخ مصر و وحدتها الوطنية و تطلُعها لمُستقبلٍ مُشرق اساسه الانفتاح العِلمى و الثقافى على العالم و بالذات على الغرب .. بعدما حصُل محفوظ على شهادة ” البكالوريا ” دخل قسم الفلسفة فى كلية الاداب فى جامعة فؤاد الاول ( القاهرة ) و أخد الليسانس عام 1934م ثُم عَمِلَ فى عدة وظائف حُكومية .. فى فتره الدراسة فى الجامعة تعرف محفوظ على شخصيتين مُهمين اثرو على توجهاته الفكرية و هما ‘‘ الشيخ مُصطفى عبد الرازق ‘‘ استاذ الفلسفه الاسلامية فى كلية الاداب و ‘‘ سلامة موسى ‘‘ المُفكر المُستنير  فكان أثر الشيخ مُصطفى فى كتابات محفوظ على شكل مُناقشات فكريه و فلسفيه مُستنيرة أما سلامة موسى فقد اثر تأثير كبير على افكار محفوظ بفِكره المُستنير و مُناداته للحُريه و التطور و التقدم و بإيمانه بالحضاره الغربيه إيماناً كبيراً حيث كان يعتبرها بعُلومها و فُنونها و صناعاتها أساساً للتمدُن و التقدُم و هو ما جعل محفوظ يتحمس لحضارة مصر القديمه فنشر اول كتابٍ مُترجم لكتاب انجليزى عام 1932م بعُنوان ” مصر القديمة ” و نشر له هذا الكتاب سلامة موسى بنفسه و تحت تاثير الأخير الف نجيب محفوظ ثلاث روايات عن مصر الفرعونيه و هى ” عَبَث الأقدار ” و ” رادوبيس ” و ” كفاح طيبة ” كما استلهم محفوظ من حى الحُسين الشعبى و التاريخى مُعظم رواياته مثل ” خان الخليلى ” ( 1946 ) و ” زقاق المدق ” ( 1947 ) و بين القصرين ( 1956 ) و قصر الشوك ( 1957 ) و السُكرية ( 1957 ) فمن حى الحسين أخذ محفوظ فكرة ” الحاره ” التى استعملها كرمزاً للمُجتمع المصرى و العالم كحياه و بشر  فأظهر كثيراً فى روايته شخصية ” الفتوه ” كرمزاً للسُلطه من كل نواحيها و تقلُبها مابين العدل و الظلم و الطيبة و القسوة و الشهامة و النذالة أيضاً ! حيثُ كانت صور محفوظ من الحاره المصريه صورٌ حيه و واقعيه من المُجتمع المصرى وقت صراعاته و فى مراحل تطوره و فى فتره لاحقة استطاع محفوظ تحويل الحاره المصرية لصوره اكبر و هى صورة العالم كله بأفكاره و اتجاهاته و صِراعاته الكبيرة مثلما فعل فى روايات ” أولاد حارتنا ” و ” ملحمة الحرافيش ” ففى هاتين الروايتين المُهمين سنجد العديد من النماذج الإنسانيه الحيه و التى تعملق فيهما محفوظ بتجسيد صراع الانسان للوصول للمعرفة و العدل و توازنه مع نفسه و و كذلك توازنه مع المُجتمع و الحياه .. لعبت المقاهى دوراً كبيراً فى حياة نجيب محفوظ و كانت بمثابة الأماكن التى يقضى فيها وقت فراغه مع أصحابه فهُناك كان يلتقط بحاسته الفنية شخصيات و كلام بالتأكيد كان لهم اثر على كتاباته و قد بدأ ذلك مُنذ الطفولة حين كان يذهب ليستمع لحكايات الربابه و حواديت سيرة الظاهر بيبرس و أبو زيد الهلالى سلامة و غيرهم و كلها كانت ملاحم شعبية جميلة تُلهم المصريين البُسطاء و تُنمى فيهم مشاعر الشهامة و حُب الوطن و قد كان محفوظ فى شبابه شديد المرح و مُحب للضحك و صاحب نكتة و يدخل فى افيهات مع مُحترفين من رواد المقاهى و كان بيتمتع بقُدره على توليد الافكار و تجسيدها و التنكيت عليهم بصوت جَهورى .. من وجهة نظرى ان نجيب محفوظ تسلم أمانة الرواية المِصرية من توفيق الحكيم و تحمل عبء الرواية العربية مُنذ الأربعينات ” مُحاولا صياغة وجهها الحديث المُعبر عن تناقُضات المرحلة الدامية التى وصلت لها حضارتنا و الحقُ يُقال أن محفوظ لم ينقل إطاراً روائياً جاهزاُ فى الأدب الغربى و لم يُطبق مَذهبا فكرياً بعينه و انما حاول أن يكتشف الصيغة الجمالية الصحيحة باختيار شتى الاُطر الفنية و المَذاهب الفكرية فى أرض الواقع المِصرى و فضلاً عن استنباطه صيغته الجمالية من الواقع المصرى فانه استقى مواضيع العديد من رواياته و خاصة الأوائل منها من التاريخ المِصرى و كما استقى شكل أدبه و مضمونه من الواقع المصرى فانه ساهم بمهمة نضالية شجاعة تجاه مُجتمعه و لكن بصمت ! ففى رواية ” اللص و الكلاب ” نجد الصراع بين المَبادئ و الخيانة و التخلى كما نستطيع رصد موقفاً ثورياً من النَمطية و المفاهيم السائدة فنجد البطلين الإيجابيين فى الرواية هما لص و مومس ! و طبعا البُطولة الايجابية هنا تفهم بشكلٍ نسبى و ضمن نسيج و تركيب الرواية ذاتها أما فى رواية ” ثرثرة فوق النيل ” التى كتبها محفوظ عام 1966 فنجد تحليلاً لآفات المُجتمع المصرى التى بناءً عليها استطاع الكاتب التنبؤ  بهزيمة عام 1967م و الصَحوة المؤقتة التى أعقبت الصدمة (حين صدمت السيارة التى كانت تستقلها شلة مُستهترة فلاحة و المأزق الذى نجم عن ذلك و دفع الجميع للتفكير بطريقة للخروج من المأزق أما فى رواية ” الكرنك ” فيُصور إرهاب النظام و غياب الديموقراطية و فى روايات و مجموعات قصصية أخرى نرى إطلالات لشخصيات مُتنوعة و علاقاتها المُختلفة بالنظام من اعتباره خائناً للمبادئ التى جاء محمولاً عليها الى السُلطة الى اعتباره ” مُخرباً ” للتركيبة الاجتماعية – الاقتصادية السائدة فى المُجتع المصرى الى الحماس غير المشروط لطروحاته و شعاراته و بِخلاف مواقف العديد من الكتاب المِصريين الآخرين الذين إما التزموا الصمت أو اختاروا مُداهنة النظام لينقضوا عليه بعُنف ! فور موت الرئيس جمال عبد الناصر و يبدأوا التملق ” للرئيس السادات ” التزم محفوظ الهدوء فى رواية ‘‘ ليالى ألف ليلة ‘‘ ليشرح فيها ” مُجتمع الانفتاح ” و يقدم لنا شخصيات انتهازية جديدة تسلقت السلم الجديد و بدأت فى نهش النظام السابق الذى اختارت مُحاباته فى أوج سلطته كما يقدم لنا الطبقة الجديدة المغلوبة على أمرها التى تصارع من أجل هدف ” اسمى” جديد يتمثل في تامين ” الخلو ” للحُصول على شقة يبدأون بها الحياة الزوجية و قد أفرد محفوظ مساحة فى بعض رواياته لمن امتشقوا السيف فنجده في رواية ” ليالى ألف ليلة ” يصور الغليان الذى اجتاح المُجتمع المصرى فى أجواء الاعتقالات و تقييد الحريات و فى رواية ” يوم قتل الزعيم ” نجده قد ربط السبب بالمُسبب .. من وجهة نظر كاتب هذه السُطور أن محفوظ قد التزم الحياد من الشخصيات التى صورها فى رواياته و قصصه و لكننا كقُراء لا بد أن نُلاحظ من الطريقة التى يصيغ بها مصائر الشخصيات و الطرق التى يقودها اليها و الزوايا التى ينظر اليها منها انه مع وقوفه على ناصية المشهد الا انه يبتسم أحياناً و يقطب أحياناً أخرى و لكن دون أن ينفعل أو يصطنع المُبالاة فلا بد أن يلاحظ القارئ نظرته الى الشخصيات التي تمثل اليسار و اليمين السياسى على انها هامشية و غير فاعلة و لا بد أن نلاحظ شيئاً من السُخرية المُبطنة فى تصويره لبعض شخصيات البرجوازية الصغيرة المُتطلعة التى تتخبط فى لِهاثها باتجاه القمة التى تصبو اليها و أحياناً تسقُط فيُدك عُنقها فمواقف محفوظ من شخصياته و أحداثه ليست مواقفٌ معلنة و هى بعيدة كل البعد عن المباشرة و الوعظ و يُمكن تقسيم المراحل اللى مر بها ابداع محفوظ الأدبى إلى ثلاث مراحل و هُم المرحلة التاريخية ( الرومانسية 1939 – 1944 ) و هى مرحلة نشر روايات ” عبث الاقدار ” و ” رادوبيس ”  و ” كفاح طيبه ” و المرحلة الإجتماعية ( الواقعيه النقدية 1944 – 1952 ) التى نشر فيها ” القاهرة الجديدة ” و ” خان الخليلى ” و ” السَراب ” و ” زقاق المدق ” و ” بداية و نهاية ” و ” ثُلاثية بين القصرين ” و ” السُكرية ” و ” قصر الشوق ” و أخيراً المرحلة التأمُلية ( الفلسفة الرمزية ) من 1957 و بدأها عَقِبَ فترة توقفه عن الكتابة حتى عام 1957 و نشره فيها ” أولاد حارتنا ” و ” اللص و الكلاب ”  و ” السِمان و الخريف ” و ” الطريق ” و ” الشحاذ ” و ” ثرثرة على النيل ” و ” ميرامار ” و ” ملحمة الحرافيش ” اللى نشرها عام 1977 .. تزوج محفوظ عام 1957م من السيدة ‘‘ عطية الله ابراهيم ‘‘ التى أنجبت له ‘‘ أم كلثوم ‘‘ و ‘‘ فاطمة ‘‘ و اللاتى رافقاه لحظة حصولة على جائزة نوبل عام 1988م و كان محفوظ قد تعّرض لمُحاولة اغتيال فاشلة فى بداية تسعينيات القرن الماضى من طرف الجماعات المُتطرفة و ذلك قبل أن تُداهمه أمراض الشيخوخة و يُلازم فراش المنزل لمُددٍ طويلة إلى أن توفى فى 30 / 8 / 2006م بمُستشفى العجوزه عن عُمرٍ يُناهز على الـ 95 عام و كرمته الدوله المصرية بجنازه رسمية كبيره شارك فيها كبار رجال الدولة و المِصريين من كل الطبقات و بلا شك فكان وفاته خسارة كبيرة لمصر و الادب لكن و فاته لم تكُن نهاية المطاف بالنسبة للغوغائية الدينية الظلامية التى تُعادى الفن و الادب و الفكر الحُر المُستنير و التى ازدهرت فى مصر مع بدايات القرن الواحد و عشرين و ظلت تُهدد مُستقبلها و ثقافتها و كيانها فبعد وفاة نجيب محفوظ استمرت الحمله الغوغائيه ضده مثلما استمرت ضد طه حسين و سلامة موسى و غيرهم من مُفكرين مصر و كتابها الذين ظهروا فى النصف الأول من القرن العشرين .. رحم الله نجيب محفوظ و تجاوز عن سيئاته و أسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: