أشرف الريس يكتُب عن: ذكرى ميلاد سُليمان نجيب

هو ‘‘ جنتل مان الشاشة الكبيرة ‘‘ و ‘‘ باشا السينما المِصرية ‘‘ و ‘‘ الدبلوماسى الفنان ‘‘ و ‘‘ ابن الآكابر ‘‘ و ‘‘ الأرستقراطى ابن البلد ‘‘ المُمثل و السنارست و المُخرج الكبير و القدير ” سليمان مُصطفى نجيب ” الشهير بسليمان نجيب ذلك الفنان الجميل خفيف الظل الذى خَطَفَ قلوبنا جميعاً بأدواره المُتميزة التى عَلَقَت بأذهاننا و مازالت و ستظل عالقة بها حتى يوم يُبعثون و الحقُ يُقال أننا نُبهرُ كثيراً عندما نستمعُ عن حياة المشاهير و يزيد الإنبهار اعجاباً و احتراماً عندما نجد جانباً إنسانياً راقياً و سياسياً مُشرفاً فى حياة هؤلاء النُجوم الذين كسبوا احترام و تقدير جُمهورهم مِن أداء أدوارِهم الإنسانية إضافة على تعامُلهم المُهذب المُتواضع علاوة على جراءتهم و فصاحة لسانهم التى اكتسبوها مِن مُرافقتهم للزُعماء مِن أمثال ‘‘ مُصطفى كامل ‘‘ و كان سليمان نجيب على رأس هؤلاء النُجوم الذين أثروا حياتنا بفتهم الجميل .. ولد سُليمان نجيب فى 21 يونيو 1898م فى حى السيدة زينب بمُحافظة القاهرة و كان والده ‘‘ مُصطفى نجيب ‘‘ الأديب الكبير و مُدير الإدارة العربية بالديوان السُلطانى و الذى اهتم بتربيته و تثقيفه على اُمهات الكتب أما عمه ‘‘ محمود باشا شكرى ‘‘ فكان رئيس الديوان الملكى و كان ابن عمته الشاعر و الأديب الدكتور ‘‘ أحمد زكى أبوشادى ‘‘ و شقيقه ‘‘ حُسنى نجيب ‘‘ مُدير استديو مصر و مُدير الإذاعة و كان خالِه ‘‘ أحمد زيور باشا ‘‘ أحد رؤساء وزراء مصر و قد عَشِقَ سُليمان التمثيل مُنذ أن كان طالباً فى المدرسة التحضيرية بمنطقة درب الجماميز و زاد العِشق شوقاً و هو فى المرحلة الثانوية التى حصُل عليها من المدرسة الخديوية و استفحل العِشق ولعاً عَقِبَ التحاقه بكُلية الحُقوق بجامعة فؤاد الأول ( القاهرة ) و تخرُجه منها لينضم مُباشرة لجماعة ” أنصار التمثيل ” و فرقة ” عبد الرحمن رُشدى ” و فرقة ” الشيخ سلامة حجازى ” و ذلك قبل أن يشغل وظيفة فى سكرتارية وزارة الأوقاف بعدما رفضت والدته التُركية الأصل عَمَلِه بالفن فألحقه والده بالسلك الدبلوماسى الذى تدّرج به حتى أضحى قُنصلاً لمصر فى السفارة المصرية باسطنبول إلا أنه عاد إلى مصر و التحق بوزارة العدل و عُين سكرتيراً فيها .. بدأ سُليمان حياته الفنية بكتابة المقالات فى مجلة ‘‘ الكشكول الأدبية ‘‘ تحت عُنوان ” مُذكرات عربجى ” مُنتقداً مُتسلقى ثورة 1919م و لم يستمر طويلاً بسبب المُضايقات التى كان يتلقاها من بعض مؤيدى هؤلاء المُتسلقين ! ثُم اتجه للتمثيل على خشبة المسرح فى عهدٍ كان يتعذر على أمثاله من الأسر المُحافظة العمل في ميدانه إذ كان يتم النظر للفن على أنه مهنة دنيا يُحتقر أصحابها و لا تُقبل شهادتهم فى المحاكم و فى فترة الأربعينيات من القرن الماضى كان من الصعب أن يخوض غمار الفن أبناء العائلات الكبيرة إلا نادراً و بعد وفاة والدته كوّن مع الفنان الكبير ‘‘ عبد الوارث عسر ‘‘ جمعية أنصار التمثيل كما شاركه فى تمصير أكثر من 30 عملاً مسرحياً من الأدب العالمى و بعد سنواتٍ قليلة رشحه صديق عُمره المُخرج ‘‘ محمد كريم ‘‘ عام 1933م ليُشارك موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب بطولة أول أفلامه ” الوردة البيضاء ” و ” دموع ” الحُب عام 1935م و عام سعيد 1940م لينطلق قطار سُليمان الفنى بعد ذلك بحوالى 52 فيلماً قام فى مُعظمهم بتجسيد أدوار الباشا أو ابن الذوات كان أشهرهم  ‘‘ استوديو مصر ‘‘ و ‘‘ تار بايت ‘‘ و ‘‘ أحلام الربيع ‘‘ و ‘‘ آمانى العُمر ‘‘ و ‘‘ الأنسة حنفى ‘‘ و ‘‘ إلحقونى بالمأذون ‘‘ و ‘‘ جُنون الحُب ‘‘ و ‘‘ المُختال ‘‘ و ‘‘ يا حلاوة الحُب ‘‘ و ‘‘ قطار الليل ‘‘ و ‘‘ دنانير ‘‘ و ‘‘ المُنتصر ‘‘ و ‘‘ نادية ‘‘ و ‘‘ قُبلة فى لُبنان ‘‘ و ‘‘ إلهام ‘‘ و ‘‘ أخيراً تزوجت ‘‘ و ‘‘ ورد الغرام ‘‘ و ‘‘ إلى الأبد ‘‘ و ‘‘ الليل لنا ‘‘ و ‘‘ حبيبتى سوسو ‘‘ و ‘‘ الأنسة ماما ‘‘ و ‘‘ الحل الآخير ‘‘ و ‘‘ غزل البنات ‘‘ و الذى يُعد الأخير من أشهر أدواره ” سعادة الباشا مُراد ” بعدما أدى هذه الشخصية بكُل اُرستقراطيتها مع خليطٍ من طيبة القلب و خفة الدم فلم يكن مُتشدقا و لا مُبالغاً فى الأداء ما يُطيح بعُذوبة الشخصية فاستحق بذلك النجومية الفذة و يُذكر أن سُليمان قد كتب سيناريو عدة أفلام شارك فى تمثيلها و هى ( قُبلة فى لبنان ) و ( لستُ ملاكاً ) و ( أخيراً اتجوزت ) كما شارك تمثيلياً فى مايقرُب من 40 عرضاً مسرحياً كان أبرزهم مسرحية ‘‘ الغيرة ‘‘ و أخرج أكثر من 40 مسرحية و عرّب العديد من المسرحيات الأجنبية مثل” فتاة الأناضول ” و ” المُشكلة الكبرى ” كما شارك أيضاً فى مُسلسلين إذاعيين بعُنوان ‘‘ جمعية العُزاب ‘‘ و ‘‘ آخر إنذار ‘‘ و ما لا يعرفُه الكثير من الجُمهور أن سُليمان قد عَمِلَ مُصوراً فى فيلمٍ وحيد و هو فيلم ” كلمة حق ” من بطولة إسماعيل ياسين و ميمى شكيب و من تأليف على الزرقانى و فطين عبد الوهاب و إخراج فطين عبد الوهاب الذى آشاد الأخير به و طلب منه أن يُرافقه فى تصوير أفلام أخرى لكن سُليمان رفض بشدة و قال له ضاحكاً ” مش كُل مرة تسلم الجرة .. المرة دى عدت على خير و ماضمنش اللى جاية حايحصل فيها إيه .. كانت تجرُبة اتحديت بيها نفسى و مش حاكررها تانى ” و يُذكر أن سُليمان كان من أوائل الداعمين للراقصة ‘‘ تحية كاريوكا ‘‘ فى مسيرتها الفنية و هو الذى اختار لها رقصة الكاريوكا التى اكتسبت اسمها منها .. شَغَلَ سُليمان منصب ثانى مُديراً مصرياً لدار الأوبرا الملكية ” دار الأوبرا المصرية ” و ذلك بعد ” منصور غانم ” الذى كان أول مصرياً يترأس الأوبرا و لم يستمر أكثر من عام إذ جرى العرف آنذاك أن يتولى رئاسة دار الأوبرا المصرية أجانب كان أبرزهم الفنان اليونانى ” بافلوس ” و المؤلف الموسيقى ” بسكوالى كلمنته ” و ” جنارو فورنارنو ” و يُحسب له ” نجيب ” تمصيرها و فتح أبوابها للفِرق المِصرية بعد أن كانت حِكراً على الفرق الأجنبية ففى عهده عرف المصريين الأوبرا لأول مرة مع احتفاظه بتقاليدها بمنع التدخين و الأحاديث أثناء التمثيل و قد منحه الملك فاروق لقب البكوية ليُصبح واحداً من قلائل العاملين فى المجال الفنى الحاصلين على البكوية إلى جانب عميد المسرح ” يوسف وهبى ” و هو اللقب الذى كاد أن يفقده سُليمان ! بسبب دُعابة حدثت أثناء حوارٍ فى السياسة و الفن و الحُب و الزواج حدث على حفل عشاء بينه و بين بعض الفنانين كان يحضره أحد رجال الملك فاروق و ذلك حين سأله احدهم عن الزوجة التى يتمناها فقال من باب الفكاهة و الدعابة ” ان كان علىّ انا عايز اتجوز بنت السلطان ” و بعد أيام فوجئ باستدعائه للقصر الملكى ليُحقق بشأن ما بدر منه فى سهرة العشاء و طمعِه فى الزواج من بنت الملك ! و عَرِفَ سُليمان أن واحداً مِمَن كانوا فى السهرة وشى به و نقل كل ما جاء على لسانه بالطمع فى الزواج من بنت ” السلطان ” الذى يقصد به ” بنت الملك  و كاد سليمان نجيب ان يفقد منصبه كرئيس لدار الأوبرا بسبب هذه الوشاية لولا محبة الملك فاروق له و ثقته به و معرفته بخفة ظله .. كان سليمان نجيب عصبياً جداً و كان بعض الناس يستقبلون عصبيته بالضحك أما الذين لم يكونو يعرفون طيبة قلبه و تسامُحه فكانت تُدهشهم عصبيته و بعد لحظات يضحك الجميع عندما يكتشفوا طيبة قلبه فحدث ذات يوم أنه كان يسير فى شارع القصر العينى فى طريقه إلى النادى الأهلى الذى كان يُشجعه حتى الثُمالة و كان الشارع يومها مُزدحماً بالمارة على غير العادة فداس أحدهم على قدمه و ماكان سُليمان يلتفت له حتى اصطدم آخر بكَتِفه فألقى نجيب بمضرب التنس على الأرض و صرخ يُعبر عن رأيه من الشخص الذى اصطدم بكتفه و الذى داس قدمه و وقف الناس يستمعون إلى شتائمه دون أن يفتح احدهم فمه ليرد التحية بأحسن منها و فجأة توقف سُليمان بك عن الشتم و راح يقول ‘‘ يعنى هو مفيش حد قبيح إلا أنا ؟! ما تشتمونى زى ما بشتمكم و ريحونى ‘‘ فضج من كانوا حوله بالضحك و صفقوا له و كأنه يمثل أمامهم مشهداً تمثيلياً .. كانت لدى سُليمان مُشكلة فى الزواج حيث كان يعتقد أن كُل النساء جالبات للمشاكل و العكننة و قلبة المزاج ! لذا لم يتزوج طوال حياته و خاف أن ينجب أطفالاً فى جوٍ من الشحن و الغضب بينه و بين أي سيدة سيتزوجها و كان عاشقاً للعيش بحرية و رفاهية و بالرغم من ذلك قام بتربية أولاد خادمته الثلاثة و تعليمهم و أوصى قبل وفاته بنقل كتبه و هداياه و صوره لدار الأوبرا و سيارته لسائقه و شقته لخادمه و كيف لا و هو العطوف الذى يُبكيه طفلاً مُشرداً فى الشارع أو رجلاً أو أمرأة عجوز لا مأوى لها و يفرح قلبه بابتسامة طفل صغير مُتعلق بقميصه .. فى 16 يناير 1955م و بعد أن انتهى دوره فى مسرحية ” المُشكلة الكبرى ” طلب سُليمان نجيب ان يُفتح الستار مرة أخرى ليودع جُمهوره مُعتذراً لهُم لاعتلال صحته و عاد بعدها لمنزله ليتوفى عَقِبَ يومين من هذا الوداع الأخير عن عُمرٍ يُناهز على الـ 57 عاماً و هو بالتأكيد رحيلٌ جسدىٌ فقط لأن فنه و أعماله الجميلة ستظل باقية و محفورة فى قلوب قبل آذهان جُمهوره إلى يوم يُبعثون .. رحم الله سُليمان نجيب و تجاوز عن سيئاته و أسكنه فسيح جناته .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: