الزفة … بقلم : محمد عاطف

الزفة ( ذكريات ١٩ )
أينما وليت وَجهي أحمل بداخلي ذِكريات طفولتي، وقَريتي التي نشأت وتربيت وترعرعت في إحدى دروبها وما زلت أعيش بها للآن، فمنذ أيام الكُتاب وحفظ القرآن الكريم، وكانت تتمايل أجسادنا للأمام والخلف وترديد الآيات والحفظ دون الفهم ، فقد كان يُقاس التفوق بالحفظ وعدد الأجزاء المحفوظة ، ومن أشهر كتاتيبها وأفضلها كُتاب نجل فضيلة الشيخ عبد الحميد جِبارة وكنا نناديه بالأستاذ سالم والذي كان وقتها شاباً مُستنيراً يعلمنا القرآن الكريم وكتابة اللغة العربية من كتاب ( وزن ) وكان كِتابًا شهيرًا بصفحته الأولى زرع ثم حصد ثم وزن وكتاب مباديء الحساب، وقد كان الأستاذ سالم حَسِن الخط العربي خطه جميلًا منمقًا سواء كان النسخ أو الرقعه وكان يكتب الكُوفي أحياناً، وأذكر أننا كنا نحصل على أجازة يوم مولد النبي، وكانت الأجازة ليست من أول اليوم ولكن بعد أن نأتي للكُتاب لمدة نصف ساعة فقط بالصباح الباكر كالمعتاد لكي نُنشد نشيد ( حليمة ) مُصطحبين معنا بخلاف مبلغ الأتعاب الشهرية مبلغ من النقود عبارة عن قروش قليلة ندفعها للمساهمة في إحياء ليلة رسول الله ثم نتلو نشيد حليمة خلف أفضلنا صوتًا وأكبرنا سنًا وأكثرنا حفظًا للقرآن ويُلقب ب ( العَريف ) الذي صار فيما بعد مستر سعيد عطا أستاذ اللغة الإنجليزية، وكنا نشدو بصوت عالٍ جدًا يُزلزل أركان الكُتاب، حيث تقف الناس أمام الكُتاب تشاهد وتستمع وتردد الصلاة والتسليم على الرسول الكريم .
حليمة يا حليمة يا مُرضعه نبينَا
قُومي رضعي محمد …. قُومي يا حليمة
بُشراكِ يا بُشراكِ سبحان من أعطاكِ
أعطاكِ السُندس الأخضر
تمشي عليه تتبختر
مَعكِ (عليٌ) معكِ (جَعفر)
معكِ (النبي) المُطهر
يارب طهر لي قلبي
واجعل الجنةَ في صدري
صل الله على محمد
صل الله عليه وسلم
ونردد الصلاة والتسليم كثيراً
ثم يُفاجئنا العريف بعد أخذه إشارة الإنصراف، بقوله إنصراف وكل عام وأنتم بخير، فنهلل ونُكبر ونتدافع كشلال الماء الدافق من باب الكُتاب المفتوح على مِصراعيه. وما كان قبل الليلة الكبيرة للمولد النبوي الشريف، يبدأون الإعداد للإحتفال بها مع بداية شهر ربيع الأول ، وذلك بدق الراية ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) والتي يتم وضعها على ساري يُثبت فوق عمود خشبي يتم تثبيته في منتصف قطعة أرض واسعة بين البيوت تسمي ( الوسعاية ) و هذا من التَقليد المُتبع قبل الإحتفال ، أما يوم المولد نفسه فكانت كل البيوت تُعد طبيخ طعام الموسم وكان في العادة عبارة عن الأرز والفته ونوع من الخُضار المطهو وأي نوع من لحوم الماشية أو لحم طيرٍ مما يشتهون وإعداد الحلو يكون أرز باللبن الحليب، والمُتَيسِر يشترى حلوى المولد من كفوف الحلوى سواء الحُمصية والسمسمية والفُوليه ( فول سوداني ) أو تماثيل مصنوعة من السكر لعروسة المولد وحصان المولد، وقبل الليلة الكبيرة تجوب أنحاء القرية مسيرة تسمى ( الزفة ) يقوم فيها بعض الشباب بحمل الرايات والبعض بنقر الطبول والدفوف والصاجات النحاسية ويحمل بعضهم رايات تضم أسماء الطُرق الصوفية المُشاركة في الزفة ، ثم يتقدمهم عم الشيخ جِبارة ومعه مشايخ الطُرق الصوفية يعتمرون العمامه الخضراء وبأيديهم العصي وتتدلي المسابح الكبيرة الحجم على صدورهم، ثم الشيخ سيد ورنيش الذي كان يتبع الطريقة الرفاعية تلك التي تحوي وتُسيطر على الثعابين والتي لا تؤذي أتباع الطريقة، ويكون بيده ثعبانًا ويلف حول يده الأخرى ثعبانًا ويتدلى من عنقه ثعبانًا ثالث في مشهد يُثير الرعب والإبهار، ثم طابوراً من خلفهم يتقدمهم كِبار السن يضعون فوق رؤسهم شالًا يعلوه عِقالًا، ويمتشقون سيوفًا حديدية غير مسنونه، ثم يليهم الشباب وينتهي الطابور بالصِبية الذين يُغطون رؤسهم بشالٍ وعِقالٍ أصغر ويمتشقون سيوفًا خشبيه، والجميع يتمايل يميناً ويساراً ذاكرين ومُرددين لفظ الجلاله ( الله الله ) ويدقون الأرض بأقدامهم ثم يتوقفون ويتحركون بأجسادهم للأمام قليلًا ثم للخلف ويرددون (حي حي حي ) ثم يُصلون ويُسلمون على رسول الله ، ثم تسير الزفة مخترقة دروب القرية وبواباتها ويتهافت الناس بدفع النقود للنقوط ويقال ( شوباش ) للمعلم فلان أو الأستاذ فلان أو أبو فلان ويتم ذِكر المبلغ المدفوع والذي سيتم وضعه بالمنديل، ثم يطلب الشيخ من الحشد الغفير ترديد فاتحة القرآن الكريم تيمناً بها بأن يفتح الله على صاحب النقوط ويكرمه ويرزقه، وكان ومازال بالقرية أضرحة لبعض العارفين بالله أمثال سيدي علي الطويل وسيدي خميس وسيدي محمد العراقي، وعند الإنتهاء من قراءة الفاتحة يشمل الدعاء هؤلاء العارفين مع صاحب النقوط مرة أخرى، وفي اليوم التالي وهو الليله الكبيرة، يتم إضاءة المكان بالكهرباء وأفرع من لمبات الإنارة والتي تعمل بمولد الديزل، ومن ثَمَ تثبيت ميكروفونات على أسطح المنازل العالية، وكان يتم تجريب الميكروفون منذ أذان العصر، ويتم تجريبه بالعبارات المعهودة آلوه آلوه اثنين أربعة ستة ثمانية عشرة نحن الآن في حالة تجارب آلوه آلو، وكنا نتبارى كصغار أن نأتي بجوار الميكروفون ونقول آلو آلو حتى نسمع أصواتنا من خلال سماعة الميكروفون، وتتم إقامة المسرح والذي هو عبارة عن بِضعة دِكك ملتحمة في بعضها بالمسامير يوضع من فوقها الكراسي حيث مكان جلوس المُنشد وفرقته الموسيقية، وكانت الفرقة قليلة العدد تتكون من عازف كمنجة وعواد وطبال وناقر الدُف وعازف صاجات ، وفي الليل يصطف الناس على شكل حلقات مُفترشين الأرض بالحصير يجلسون عليها، ومن ثَمَ يُشعلون مواقد النيران يضعون عليها قطع الخشب أو قوالح الذرة ويصنعون الشاي الحِبر ويدخنون الجوزة الأرجيلة ، ويطول السهر وتتبدل المشاريب إلى الحلبه أوالسحلب أو الكركدية، أما بعض المُقتدرين ممن كانوا يقتنون جهاز تسجيل ريكوردر ( راديو كاسيت ) إما أن يحمله صاحبه باتجاه سماعة الميكروفون أو يقوم بربطه بمنديلاً على إحدى الأشجار أو أعمدة الإنارة لكي يحظى بتسجيل المديح، وكان يتم إحياء الليلة بواسطة أحد مشايخ الإنشاد الديني وكان أشهرهم يُدعى الشيخ شرف الذي كان يُنشد قصصًا مثل قصة (الغزالة ) التي تحدثت مع الرسول وقصة (الجمل ) الذي بكى عندما شاهد الرسول، وآخر يُدعى الشيخ / فتحي عيسى الذي كان يُنشد السيرة النبوية شِعرًا، حيث كان يصطف أمامه في صفين متقابلين الذَكيرة، والذين يتمايلون يميناً ويساراً ويذكرون الله حتى تُبَح أصواتهم، وكان يقودهم عم الشيخ مصطفى أبو تعيلب واقفًا أمامهم مثل المايسترو حيث يُشير بيديه متى يرفعون أصواتهم ومتى يُخفضونها ويُسَبلُون ويُغمضون أعينهم ومتى يتوقفون تماماً، أما عن المُنشد الشيخ فتحي عيسى كان يتشابه من حيث الإسم والمهنه مع الشاعر فتحي سليمان (شاعر الربابه) الذائع الصيت فلأول كان متخصص في موالد الرسول وأولياء الله الصالحين بينما الشاعر فتحي كان متخصص في إحياء الأفراح والليالي المِلاح، وكان هناك ثَمة تشابه في مشهد حفل ليلة العُرس تمامًا مع مشهد ليلة المولد ما خلا حلقة الذِكر التي تكون بالمولد وبعض الألعاب مثل الأرجوحة ( الصندوق ) أو الأرجوحة ( الحصان )، وكان يبدأ الشاعر فتحي بإحياء ليلة العُرس بالدعاية لنفسه قائلًا أنا الشاعر فتحي ابن الشاعر سليمان
شاعر ربابة من ( زاوية جروان )
(منوف) المركز سابقاً
و( الباجور ) مركزها الآن
واللي عايزني أنا خدام
ورقم تليفوني موجود عند
شيخ العرب مظهر طمان
والمعلم فتحي الإمام …
ثم يقدم التَحية للفرح وصاحب الفرح والحضور الكريم، ويُرسل بالتهاني لإدارة القرية حضرة عمدتها الأستاذ علي أبو النصر ومشايخ البلد وشيخ الغفر والغفر ثم يُعرّج على السيرة الهلالية، ويسرد قصة أبو زيد الهلالي سلامة والخضرة الشريفة والجازية الهلالية ودياب ابن غانم والزناتي خليفة والعلام، أو قصة عزيزة ويونس . ويتجاوب معه الجالسين يطلبون إعادة بعض المقاطع التى تروقهم، ثم يُرسل هؤلاء الجالسين رسائل ورقية مكتوب بها أسماء من يودون إرسال التماسي والتبريكات والتهاني لصاحب الفرح ، مسبوقة بأسمائهم وببعض الوظائف الهامه جدًا والتى لم يتقلدوها بالأساس، ولكنها مصحوبة بالمبالغ النقدية، فَيستعد الشاعر فتحي بالتوقف عن الشدو والغناء قائلًا بشكل مُنغم مع صوت الموسيقى :
قبل السلام اللي رايح
وقبل السلام اللي جاي
صاحب الفرح هات لينا شاي
وتَقل السُكر شويه …
وتَقل السكر شويه ….
ثم يتناول الأوراق والمكاتيب ويُرسل من خلال الميكروفون السلامات المُدونه بها، وتكون مصحوبة بكلمات السجع لكل صاحب مهنة ويستمر الفرح منصوباً حتى مطلع الفجر …
فقد كانت أيام أحلامها بسيطة وجميلة أستعيدها من حين لآخر وأقصصها على أولادي ….
ذكريات بقلم / محمد عاطف سلامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: