آلاء عبد الجبار كايد تكتب … قربٌ مبهمٌ

قربٌ مُبهمٌ
وددتُ قُربهُ دائمًا لكنّه فضّل البُعدَ في كُلِّ حينٍ، لطالما كان يُراقبني من خلفِ النوافذِ بينما كانتْ جميعُ المقاعدُ جانبي فارغةً و بإمكانهِ ملؤها، لكنّهُ فضّل مُراقبتي و مُتابعةَ حالي و أحوالي من خلفِ القُضبانِ بخفاءٍ تامٍ حتى لا تُدركهُ ذاتي، لا أعلمُ ما كانَ مُبتغاهُ وما الذي جعلهُ يهابُ القُرب منّي إلى هذا الحد.
كُنتُ على علمٍ تامٍ بقربي من أفكارهِ بالرغمِ من بعدهِ عنّي، كُنتُ مُدركةً لكُلّ تحركاتهِ المُبهمةِ من حولي، و دائمةُ الاستغرابِ من عدمِ محاولتهِ في الاقتراب.
أحببتُ بعدهُ القريبَ ذاكَ، كانَ مُلفتًا بطريقةٍ جعلتني لا أنفكُ عن التفكيرِ بهِ، تساؤلاتٌ كثيرةٌ راودتني، أعساهُ يقتربُ يومًا؟ أيُعقل أنّي أغرمتُ بهِ بسبب اهتمامهِ؟ أهممتُ بعشقٍ بعد أن رفضتُ جميع أنواع الحب؟ أتعلقتُ بهِ بسبب قُربه و اهتمامهِ المتواري عن الأنظارِ؟
أدركتُ أنّي بحاجةٍ إلى قُربهِ مُنذُ الآن، ليتخطى الجميعَ و يُرافقني، ليجالسني طيلةَ عمري الآتي لأحدّثه عن أقصى أحلامي، لأصفَ لهُ كم أنّي كُنت أنتظرهُ بشغفٍ و ولهٍ، لأحكي لهُ عن تلك الأيامِ و الليالي التي قضيتها أفكرُ فيهِ و في خطواتهِ الخفيةِ تجاهي، لأُفصحَ لهُ عن حُبّي الذي توّلدَ من جوفِ اهتمامهِ البعيدِ.
لكنّه فضلَ البعدَ دائِمًا، و لم يكن قادرًا على خطوِ أيّ خطوةٍ تجاهي، كانَ كثيرَ الخوفِ منّي و من دربِ حُبّي، ظنًا منهُ أنّه لن يتسطيعَ منالَ قلبي يومًا، و أنّه و بمسيرهِ في دربي سيخسرُ ذاتهُ و روحهُ محاولاً الوصولَ إليّ و لن يُفلحَ.
الا أنّه كانَ مخطئًا تمامًا، دروبُ قلبي ليستْ مخيفةً إلى هذا الحدِ، كانَ بإمكانِهِ أن يسلكها بحذرٍ و تخطيطٍ مُسبقٍ، كانَ بإمكانهِ الوصالُ إليّ دونَ تلك الأفكار التي دارتْ في رأسهِ لكنّه فضلّ الخوفَ دائمًا و سلوكَ الطُرقِ الوعرةِ التي أودتْ بهِ إلى متاهاتٍ عديدةٍ، ما خرجَ منها الا بروحٍ تالفةٍ و جسدٍ باهتٍ و فؤادٍ مهزومٍ أضاعَ مُبتغاهُ دونَ وعيٍ أو إدراكٍ.
فيا ليتهُ لم يهابَ طُرقي يومًا، ليتهُ حاولَ المَضيّ قُدمًا نحوي لكنتُ استقبلتهُ في ثنايا الروحِ بغبطةٍ و سرورٍ، فأهلاً بهِ في هذهِ الديارِ، هو أهلٌ لها و هي مسكنٌ لهُ، لكنّه مضى بدروبٍ خاطئةٍ بعيدةً عني، فجعلتهُ مهزومًا عالقًا في زقاقِ الطرقِ باكيًا على روحهِ التي فُقدتْ في خِضَمّ مناوشاتِ أفكارهِ، خسرَ جميعَ الفرص في الوصولِ إليّ، و بتُّ أنا أذكرهُ في بعضِ الأحيانِ، و اذكرُ حُبّه في الخفاءِ و أحنُّ إليهِ، الا أنّه قد استنزف فرصهُ جميعها، و لم يبقَ هناكَ أيُّ طريقٍ يؤدي بهِ إلى قلبي.
و الآنَ سأظلُ على مقعدي هذا أجلسُ و أراقبُ الجميعَ من حولي، و جميعُ المقاعدِ جانبي فارغةٌ لم و لن يملأها أحدٌ يومًا.
الآء عبد الجبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: