أشرف الريس يكتُب عن: ذكرى رحيل عماد حمدى

هو ‘‘ ملك الرومانسية ‘‘ و ‘‘ جنتل مان السينما المصرية ‘‘ و ‘‘ فتى الشاشة الأول ‘‘ الفنان الكبير و القدير ” محمد عماد الدين عبد الحميد ” الشهير بعماد حمدى ذلك المُمثل الذى عرفناه بملامحِ وجهه المنحوتة و بأدائه الإنفعالى الهادئ المُصاحب لصوته المُميز و الذى استطاع بكُل ماسبق جذب المُشاهد له علاوة على لَزماته و إفيهاته و جُمله الشهيرة سواء تلك الجُمل التى رددها بنفسه أو التى ذُكرت فى أفلامه و لصقت بأذهاننا مثل « من حكمدار العاصمة إلى أحمد إبراهيم القاطن بدير النحاس لا تشرب الدواء .. الدواء فيه سُم قاتل » تلك الجُملة التى ارتبطت فى أذهان كثير منا بعماد حمدى فى فيلم ” حياة أو موت ” و مازلنا نُرددها حتى يومنا هذا فى الكثيرِ من المُناسبات بالإضافة لِلَزمته الشهيرة ” إيه يا نينة ” و هى إحدى الجُمل الخالدة المُتداولة فى فيلمه الشهير ” ثرثرة فوق النيل ” .. ولد عماد حمدى فى 25 نوفمبر عام 1909م بمدينة البليانا بمُحافظة سوهاج و كان والده يعمل مُهندساً في السكك الحديدية و على درجة كبيرة من الثقافة الفرنسية التى نقلها بدوره إلى أبنائه الثلاثة و منهم « عماد » الذى بدأ يشعُر أثناء فترات دراسته الإبتدائية و الثانوية بميوله الفنية ما جعله ينضم لفريق التمثيل بالمدرسة الثانوية و الذى كان يُشرف عليه فى ذلك الوقت الفنان الكبير ” عبد الوارث عسر ” الذى اكتشف موهبة عماد و تنبأ له و هو فى سن الصبا و الشباب بأنه سيكون مُمثلاً و فناناً مُتميزاً و رغم هذه الشهادة من الفنان عبد الوارث عسر إلا أن عماد فضّل الابتعاد عن عالم الفن و الاشتغال به فالتحق بمدرسة التجارة العُليا ( كلية التجارة ) و تخرج منها عام 1932م لكنه كان أثناء دراسته يستغل ثقافته الفرنسية فيقوم بترجمة بعض النُصوص المسرحية من المسرح الفرنسى لفرقة جورج أبيض و رغم ترجمته لهذه المسرحيات لم يكن الفن أيضاً فى ذهنه و خاطره ! فبعد أن أنهى عماد دراسته العُليا افتتح مكتباً للدعاية و الإعلان لكنه لم يستمر طويلاً فى هذا العمل بسبب خسائره فى هذا المشروع حيث أغلقه و التحق بوظيفة « باشكاتب » فى مُستشفى أبو الريش بالقاهرة إلى أن التقى صُدفة بصديقة المُخرج الكبير « محمد رجائى » خلال تصوير فيلم ” وداد ” باستديو مصر عام 1936م فطلب مُساعدته فى إيجاد وظيفة مُناسبة له داخل الإستوديو و بالفعل أسند له وظيفة رئيس حسابات و من ثمَ ذهب إلى مُستشفى ” أبو الريش” و قدم استقالته و استلم عمله فى اليوم التالى باستوديو مصر و هكذا أصبح قريباً من هوايته الفنية التى لم يسع لها مُطلقاً ! فكان يُجالس يومياً كبار الفنانين كى يُحاسبهم و يُعطيهم رواتبهم و عِلاواتهم و استمر فى هذه الوظيفة إلى أن تم ترقيته إلى مُديرٍ للإنتاج و جاءت أول فُرص التمثيل له عندما طلبت وزارة الصحة من استوديو مصر إنتاج أفلاماً تسجيلية عن البلهارسيا و الإنكلستوما فاختاره المُخرج « جمال مدكور » للمُشاركة فى تمثيل هذه الأعمال الإرشادية و نجح فيها بشدة و كان ذلك بمثابة البوابة التى دخل منها لعالم الفن و حصُل فيها على أولى بُطولاته من خلال فيلم ” السوق السوداء ” عام 1945م ثُم انطلق عماد حمدى بعدها إلى عالم الأضواء و النُجومية و قام ببُطولة العديد من الأفلام الهامة فى تاريخ السينما المصرية منها ” أم العروسة ” و ” ميرامار ” و ” ثرثرة فوق النيل ” و ” سيدة القطار ” و ” أبى فوق الشجرة ” و ” المرأة المجهولة ” و ” عفريت مراتى ” و ” ليلة من عُمرى ” و ” موعد مع السعادة ” و ” آثار فى الرمال ” و ” إنى راحلة ” و ” ظلمونى الحبايب ” و ” أميرة حُبى أنا ” و ” سجن العذارى ” و ” الزوجة العذراء ” و ” الخطايا ” و ” شعبان تحت الصفر ” و ” أم العروسة ” و ” الظُلم حرام ” و ” رقصة الوداع ” و ” شعبان تحت الصفر ” و ” مُجرم فى آجازة ” و ” حتى آخر العُمر ” و ” الإخوة الأعداء ” و ” لاتُطفئ الشمس ” و ” صخرة الحُب ” و ” قلب يحترق ” و ” آخر من يعلم ” و ” وا إسلاماه ” و ” لن أبكى أبداً ” و حُب و إعدام ” و ” موعد غرام ” و ” شرف البنت ” و ” رحمة من السماء ” و ” أنا و قلبى ” و ” جناب السفير ” و ” الحُب العظيم ” و ” المماليك ” و ” بديعة مصابنى ” و ” المُذنبون ” و ” سواق الأتوبيس ” و ” الباطنية ” و قد وقف عماد أمام جميلات السينما المصرية فى أكثر من عملٍ فنى و تبادل الكثير من القُبلات معهم و لكن القُبلة التى جمعته مع الفنانة فاتن حمامة فى فيلم ” لا أنام ” كانت محل جدلٍ كبير و أثارت إعجاب إحسان عبد القدوس باعتباره مؤلف العمل و لكن كان للرقابة رأى أخر ! حيث تم تصنيف الفيلم ” للكبار فقط ” و بعد هذه القُبلة الشهيرة انتشرت الشائعات حول علاقته العاطفية بفاتن حمامة ! و التى أثارت الجدل كُلما زادت أعمالهم السينمائية معاً و لكن عماد لم ينتبه لمثل هذه الإشاعات و الإتهامات و اكتفى بالصمت و كان رده المْفاجئ للجُمهور على ذلك الإتهام بإعلان زواجه من الفنانة شادية التى كانت تعلم حقيقة هذه الشائعة المُغرضة و قد بدأ حُب عماد لشادية أثناء تصويرهما فيلم ” قطار الرحمة ” و تزوجا عام 1953م رغم رفض عائلتها لأنه يكبرها فى العُمر بحوالى 20 عاماً ! و لكن تم الزواج بعد إصرارها و بإقناعهم فى حفل عائلى صغير و فى أول زواجهما واجه مشاكل كثيرة بسبب نفقة زوجته الأولى و هى الفنانة ” فتحية شريف ” و بلغ ثمن النفقة فى ذلك الوقت ألف جنية و كان قد أنجب منها ابن يُدعى ” نادر” و لكن عماد تجاوز هذه المِحنة حتى جاء عام 1956م حين فاجأ عماد و شادية الجُمهور بأعلان طلاقهِما بسبب غيرته الشديدة على شادية ! ما جعلهما فى عِراكٍ مُستمر و توقف عماد بعدها عن العمل فترة طويلة ثم بدأ يعمل بكثرة مُتفانياً فى عمله كى يتجاوز أزمة طلاقه ! و قد تجاوزها بالفعل فى عام 1960م حين اختاره المُخرج حسن الإمام للمُشاركة فى فيلم ” زوجة في الشارع ” و كان ضمن طاقم الفيلم الوجه الجديد الفنانة ” نادية الجندى ” و كانت هناك قُبلة فى الفيلم جمعته بها و تكرر إعادة المشهد أكثر من 7 مرات بسبب ارتباكها و شعورها تجاهه و كان عماد مُهتماً بها جداً رغم فارق السن الكبير بينهما فكان يقوم بتوصيلها يومياً بعد انتهاء التصوير و قد تطور ذلك الإهتمام بعد ذلك إلى الزواج و إنجاب طفلهُما ” هشام ” و لكن تم الطلاق بينهُما بعد أن أنتج لها فيلم ” بمبة كشر” و خسر فيه أمواله و شقته و ساد الصمت و الحُزن فى حياته إلى أن جاءت مرحلة الشيخوخة ليستكمل عماد تألقه فى دور الأب و يُقدم أنجح أفلامه كان أبرزها ” أم العروسة ” و” أبى فوق الشجرة ” و قد لعب الفقر دوراً كبير فى المرحلة الأخيرة من حياة عماد حمدى بعد أن كان فتاً ثرياً يُنفق المال بسخاءٍ شديد و قد حذره من ذلك و بشدة صديقه الفنان ” يحيى شاهين ” بقوله ” لازم تعمل حساب لبُكره يا عماد عشان ماحدش فينا عارف بكره فيه إيه ” و لكنه لم يستمع للنصيحة فعاش كما يُطلق عليه ” برنس ” و انتهى به المطاف مُمثلاً باليومية ! فى فيلم ” سواق الأتوبيس ” مع نور الشريف ! ليُصاب عماد بعد ذلك بالاكتئاب الشديد فى آخر سنواته حينما لعب القدر لعبتُه بعدما ضاعت الثروة و تخلى عنه المعارف و الأصدقاء و ما زاد من إكتئابه رحيل شقيقه التوأم ” عبد الرحمن ” ففضل عماد العُزلة و لم يخرج من منزله لمُدة ثلاث سنوات و أصيب خلال هذه المُدة بالعمى و راح يصطدم بالأشياء فى طُرقات المنزل و فى 26 / 1 / 1984م زاره الشيخ محمد متولى الشعراوى ليطلُب منه التماسُك و الرضا بقضاء الله و بعدها دخل عماد غرفته و طلب عدم إزعاجه و بعد يومين من تلك الزيارة فارق الحياة لتخسر السينما فارساً من فُرسان الزمن الجميل و الذى ستظل أفلامه علامة مُميزة و مُصنفة من أفضل كلاسكيات الزمن الجميل فى السينما العربية و ليست المصرية فقط و قد كشف المصور الفوتوغرافى ” نادر ” نجل الفنان الكبير عماد حمدى فى إحدى البرامج الفضائية أن والده قد مر بأزمة مالية و نفسية فى أواخر أيامه بعد أن كان المؤلفون يكتبون نصوصهم للنُجوم الشباب فقط فى تجاهلٍ تام للكبار و هو ما أثر عليه بشكلٍ كبير خُصوصاً أن والده كان عاشقاً لمهنة التمثيل حتى النُخاع بالرغم من عدم طموحه و سعيه لها مُنذ طفولته .. قال عنه المُخرج العالمى الإيطالى ” ماركو فلينى ” ( إن كان فى الغرب يتباهون دائما بـ ” لورنس أوليفيه ” بأنه ملك الرومانسية ففى الشرق هُناك فتى يُدعى عماد حمدى لا يقلُ مُطلقاً عنه) .. رحم الله عماد حمدى و تجاوز عن سيئاته و أسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: