أشرف الريس يكتُب عن: ذكرى رحيل حسن الإمام

هو ” مُخرج الروائع ” و ” صاحب مدرسة الميلودراما فى السينما المصرية ” المؤلف و المُلحن و المُخرج الكبير و القدير حسن الإمام ذلك المُخرج الذى حينما يُذكر اسمه دائماً مُقترناً بكافة الأعمال الرائعة و الشاملة فنياً و تاريخياً و اجتماعياً و ثقافياً أيضاً و لذلك لم يُمنح لقب ” مُخرج الروائع ” من فراغ أو على سبيل المُجاملة كتلك الألقاب التى يمنحها بعض النُقاد لأنصاف فنانين فى الغالب لايستحقونها ! فهو لقب أطلقه أصحاب دور العرض السينمائية و المُنتجين بعدما كانت أفلامه تُحقق إقبالاً و نجاحاً جماهيرياً مُنقطع النظير لأنه كان فناناً شاملاً بمعنى و حق الكلمة فعلاوة على بصمته الفنية المُتميزة فى الإخراج كانت له بصمة مُماثلة فى التأليف و السيناريو كما قدم مجموعة كبيرة من الأفلام كمُمثل أيضاً كانت لها علامة بارزة فى تاريخ السينما المصرية و رُب ضارة نافعة حين خَسِر والده أمواله و ثروته فعمل فى الفن ليُصبح الإمام واحداً من أكثر مُخرجى السينما المصرية إنتاجاً برصيد أفلام بلغ الـ 97 فيلماً يحمل اسمه كمُخرج من بينهم ما يزيد عن الـ 45 فيلم شارك فى تأليفهم إضافة لكونه كان يكتُب و يُلحن ! بعض الأغانى التى تضمنتها أفلامه و ما يزيد من الحُزن و الأسى أن حسن الإمام قد عاش حتى توفى فى 29 / 1 / 1988م و هو موصومٌ بلقب ” مُخرج العوالم ” ! ذلك اللقب الذى كان يُسبب له الكثير من الحُزن و الأسى لأنه لم يكُن يُقدم هؤلاء العوالم إلا فى سياق أفلامه لكى تكتمل الصورة الشاملة لها و حتى أفلامه التى سُميت بأسماء العوالم لم يكُن يُلقى الضوء عليهم بقدر ماكان يُلقيه على الأحداث التاريخية للعمل الفنى .. ولد حسن الإمام فى 6 / 3 / 1919م بمركز شربين فى مدينة المنصورة بمُحافظة الدقهلية و كان والده يعمل بالتجارة بينما كان حسن مُنشغلاً بعالمِه الخاص بعدما انصب تركيزه على القراءة و حُضور العُروض المسرحية التى كان تقام أسبوعياً على مسرح ” عدن ” بالمنصورة إضافة لتركيزه فى الدراسة اللغة الفرنسية و الإنجليزية و قد كانت الصدمة الأولى لحسن بعدما توفى والده حُزنً على ضياع ثروته و أمواله و تجارته ليجد نفسه مُطالباً بالعمل لمُساعدة أسرته على تكاليف الحياة فيُقرر العمل فى مجال الفن الذى كان يعشقُه مُنذ نعومة أظافره حيث بدأ فى ترجمة المسرحيات الفرنسية و الإنجليزية و الإسكتشات و بيعها لفرق المسرح فى القاهرة و شيئا فشيئاً ينضم إلى فرقة رمسيس مع العملاق المسرحى ” يوسف وهبى ” كمُترجماً فى البداية ثم كمُمثلاً بعدها و أخيراً مُساعداً ليوسف وهبى ! و قد إنتقل الإمام مع وهبى من المسرح للسينما و هناك التقى بأستاذه المُخرج ” نيازى مُصطفى ” ليعمل بعدها مُساعد مُخرج فى السينما فى عِدة أفلام كان أشهرها ” شارع محمد على ” و” الانسة بوسة ” و” حسن و حسن ” و” القرش الأبيض ” ثُم يُقرر الإمام ان يُقدم أول تجاربه السينمائية كمُخرج عام 1946م بفيلم ” ملائكة فى جهنم ” و مُنذ فيلمه الأول اتضح اتجاهه للقِصص الميلودرامية الإجتماعية مُبتعداً بنفسه فى تلك الفترة عن أى مُحاولة للأسقاط السياسى او الدراما السياسية فكانت توليفة أفلامه ببساطة مُنصبه على قصة حُب و عُقدة اجتماعية و شخصية كسيرة مُضطهدة تُحاول فقط ان تنل حقها فى الحياة و كُل ذلك كان يتم بمُعطيات بسيطة للغاية قد تخلق مُعالجات سينمائية مُكررة تُمكِن المُشاهد من ان يرسم خريطة سينمائية لأفلام حسن الإمام الميلودرامية من حيث تسلسُل الأحداث و انطلاقها و نهايتها فكاميرا الإمام نادرة الحركة ميالة دائماً للكادرات الثابتة بينما يتحرك المُمثلون داخل الكادر و لكن حينما تتحرك كاميرا الإمام فإن لها طريقتها الخاصة و هو إقتصادٌ شديد فى حركة الكاميرا فلا تدور أو تهتز و لكن فقط تتحرك كمُُتابع للبطل يميناً و يساراً أو من أعلى الى أسفل و ربما أبرز مثال على ذلك هو إفتتاحية فيلم ” بين القصرين ” كما كانت كاميرا الأمام أيضا مُتأثرة بالأسلوب الكلاسيكى الأقرب للمسرح حيث تنتقل بحركة واحدة من غُرفة إلى غُرفة و من مكانٍ لأخر كأن لا جُدران تفصلها مُطلقاً ! و هذا الأسلوب المسرحى ربما اُخذ عليه الكثير من المُلاحظات منها افتقاره الشديد للواقعية و أيضاً عدم مُجاراة تطور السينما و تطور اللغة البَصرية لها و لكنه سينما الإمام تأخذ بُعداً اخراً و هو اتصال الحالة الموجودة على الشاشة و عدم انقطاعها لدى المُشاهد كما أن هُناك جانبٌ اخر اهتم به حسن الإمام فى أفلامه أكثر من حركة الكاميرا و هو إدارة المُمثل و توجيهه و هو ما مَثَلَ ببساطة نُقطة تحَول فى تاريخ كل مَن عملوا معه باستثناء عددٍ من الأسماء من بينهم ” فاتن حمامة ” فكان لدى الإمام قدرة و جرأة غريبة على إسناد أدوار مُعقدة و مُختلفة عما قدمه المُمثل قبل ذلك بل و يُخرج منه أفضل ما فيه و رُبما أبرز و أهم مثال كان مع الفنانة ” هند رُستم ” التى كان للإمام الفضل الأول فى تكوين اسطورتها كمَلِكة للإغراء فى السينما المصرية و استطاع أيضاً ان يُخرجها خارج هذا القالب فى فيلم ” الحلوة عزيزة ” حينما قدمت شخصية مُديرة الكباريه المُشوهة قاسية القلب و من قبلها دورها فى فيلم ” الراهبة ” و ” شفيقة القبطية ” أما أكبر إنجازات حسن الإمام فتتمثل فى الفنان ” يحيى شاهين ” الذى كان قد سُجنَ فى قالب مُحكم من الأدوار الجادة النمطية ليُخرجه منها و يضعُه فى أهم ادواره على الإطلاق و هو دور ” السيد احمد عبد الجواد ” فى الثُلاثية حيثُ إستطاع الإمام أن يُخرج شاهين عن جديته و أعطاه دوراً شديد التعقيد و هى مُغامرة لا يُقدم عليها سوى مُخرج جريئ و مُغامر و لكن من يمتلك تلك الجرأة سوى حسن الإمام ؟! و هى نفس الجرأة التى أخرجت عبد المنعم إبراهيم و نادية لُطفى فى ” ارض الشوق ” فى دور اثبت فيه إبراهيم بما لا يدع مجالاً للشك انه أحد اهم الطاقات السينمائية التى اهدرتها السينما مع الأسف الشديد بينما كان ” قصر الشوق ” هو إعادة اكتشاف حقيقى لـ ” نادية لطفى ” خارج بوتقة أدوار الفتاة المُدللة أو الثرية و رغم كل تلك الأفلام التى أخرجها حسن الإمام للسينما فإن المسرحية الوحيدة التى قدمها على خشبة المسرح كانت « يا حلوة ماتلعبيش بالكبريت » و التى أقسم بعدها ألا يقرب من دقات رفع أى ستار فى المسرح لأن المُمثلين يخرُجون عن النص و يؤلفون كما يُريدون ببساطة و استهانة مُتناهية ! كما قدم للإذاعة مُسلسل « سماح » و « ناعسة و أيوب » و « عيد ميلاد نادية » من إخراج ” بابا شارو ” أما المُسلسل التليفزيونى الوحيد الذى أخرجه فهو « صاحب الجلالة الحُب » عن قصة الكاتب و الصحفى الكبير ” مُصطفى أمين “.. تزوج الإمام بسيدة من خارج الوسط الفنى تُدعى ” نعمت الحديدى ” و كان يُحبها حُباً شديداً لدرجة أنه اطلق اسمها على مُعظم بطلات افلامه بالإضافة إلى أنه عند ولادة أول حفيدة له صَمَمَ على تسميتها نعمت ! و قد أنجبت له زوجته 3 اولاد هم الفنان الراحل ” حسين الإمام ” و الفنان ” مودى الإمام ” و السيدة ” زينب الإمام ” مُدير التحرير السابق لجريدة الأهرام .. فى رأيى الشخصى أن حسن الإمام قد استطاع ان يكون بطلاً فى أعيُن جُمهوره رغم ان أفلامه فى الغالب كانت بعيده كُل البُعد عن القضايا السياسية و برغم اتهامه كثيراً من قِبل أغلب النُقاد بضعف مُستواه ! لكننى أراه عكس ذلك تماماً فكان بداخله الكثير من السينما و لكن لحساباته الخاصة و حسابات الجُمهور أيضاً ما جعلته يحتفظ بها لنفسه فلم نر منها سوى شَذراتٍ بين الحين و الأخر .. رحم الله حسن الإمام و تجاوز عن سيئاته و أسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: