الأحد , نوفمبر 29 2020
أخبار عاجلة

ذكريات محظــــورة .. رواية على حلقات للأديب : نبيل الخولي (1 من 7)

ذكريات محظــــورة  .. رواية على حلقات للأديب : نبيل الخولي  (القاهرة 2001)

 .. رحيق أيام وبطولات وتضحيات المصريين فداء لمصر   .. 

تحيا مصر كلمة قالها كل مصري فى إنتصاره  

تحيا مصر وكل جندي عاش لها ليله ونهاره 

الحلقة (1)

الوقت قبل الغروب بقليل .. نسمات شتاء نوفمبرتداعب بلسعة برودة خفيفة وجوه من يجلسون فوق سور الكورنيش وجههم للنيل متأبطين بعضهم ألتماسا للدفئ .. أو غرقا في لحظة رومانسية مراهقة يشبهون في تراصهم هكذا أزواج الحمام في مواسم العشق وإلتفاتات سريعة قبل إن يقتطف أحدهم قبلة سريعة تتبعها منه ضحكة الفوز بطعم سعادة الدنيا .. ومنها هي لون تورد الخجل بالخدود وهي تطأطئ رأسها لأسفل وإبتسامة شفتيها تحمل مذاق شهد تلك القبلة السريعة ..

ربما تكون هذه أول قبلة لهما أو المائة ولكنها هكذا هي القبلة المختلسة دائما لها طعم القبلة الأولي التي تكون سريعة جدا وقصيرة جدا ولكن لها طعم يبقي بالذاكرة أبدا ..

مرت عليه أكثر من ساعة بقليل .. كان يسير علي كورنيش النيل واضعا يديه في جيب جاكت بدلة بني قديم علي بنطلون جينز أزرق كالح لونه وحول رقبته تلفيحة من الصوف الأسود منتعلا حذاءا لم تمسه فرشة جزمجي لمدة طويلة فبدا وجهه مقفهرا..

يسير دون أن يري وجوه من حوله من البشر بعد أن نزل من الأتوبيس في ميدان التحرير وعبر كوبري قصر النيل وفي أخره إلي اليمين هبط السلالم القليلة ليسير علي رصيف الكورنيش بغير هدف ..

تلح علي خاطره كلمات القصيدة – لست أدري – التي غناها حليم جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت .. ولقد أبصرت أمامي طريقا فمشيت .. وسأبقي سائرا إن شئت هذا أم أبيت .. لست أدري

مرت بجواره إمرأة واضعة يديها في جيبي معطف رمادي اللون لأسفل ركبتيها بقليل يلف رأسها إيشارب شيفون أزرق معقودا من أسفل ذقنها .. لمحته وبعد أن تختطه بقليل لم تستطع أن تواصل سيرها فقد صرخت ملامحه داخل ذاكرتها برغم تغيرها من أثر الزمن وأحست داخل قلبها بدقة مختلفة وكأنها وخزة في جرح قديم .. توقفت وألتفتت .. نظرت لظهر هذا الهائم علي وجهه الذي بدا لها لحظة مرورها بجواره وكأن ملامحه تحمل تعبيرا واحدا معناه .. الضياع ..

أسرعت من خلفه حتي أدركته .. ربتت بأطراف أصابع يدها علي كتفه الأيسر ليلتفت ناظرا إليها وهو مازال يواصل سيره وعلي وجهه سؤال لم ينطقه لسانه .. من أنتي وماذا تريدين ؟؟

كانت قد حاذته في سيره الأن وقد تقوس حاجبيها الرفيعان من الوسط لأعلي وأشرقت في وجهها إبتسامة سعادة مندهشة من تلك الصدفة التي لم ترد علي خاطرها يوما ..

– علي ؟؟… أنتا علي مش كدا ؟..

——————————————————————————————

الحلقة (2)

تمددت ملامح وجهه لأسفل ولأعلي بتعجب مطاط وهو ينظر إليها يهز وجهه يمينا ويسارا متحققا منها صامتا .. توقف عن السير يحاول أن يتذكرها ويردد لها أو لنفسه التي دخلت في حالة فقدان ذاكرة مؤقتة ..

– علي ؟؟.. علي مين ؟؟.. أأأه علي ؟؟.. ثم يهز رأسه لأعلي ولأسفل مؤكدا لنفسه وليس لها أيواا … أيواا أنا علي ..

– أنتا مش فاكرني يا علي ؟.. أنا نادية .. نادية يا علي !!…

يقطب حاجبيه .. يعتصر تفكيره .. يخرج صوت ذاكرته الأتي من أعماق أعوام طويلة .

– أأه .. نادية .. نادية أنتي نادية ؟؟ يتذكرها يرفع حاجبيه .. مش ممكن .. ياااه يا نادية كنتي فين ؟..

– أنا هنا أهو يا علي .. شوفت يا علي السنين عملت فينا إيه .. تعالي يا علي .. تعالي .

تأخذه من ذراعه .. يسير حيث تجذبه بلطف كطفل وديع جدا لتجلسه علي أحد كراسي الكورنيش الخالية وتجلس بجواره تواجهه بنصف جسدها .. الفرح يكاد يقفز من داخلها لا تعرف هل تضحك أم تصرخ هل ترتمي بين ذراعيه لتضمه بشوق كل تلك السنين .. يدها حائرة بين فمها تكتم أن تنطلق منه ضحكة فرح مجنونة وبين ذراعه تمسكه برفق وتتركه وكأنها تلمسه لتتأكد أنه حقيقة وأنه معها هنا الأن ..

دموع تسيل من عينيها تجري علي وجنتيها وهو ينظر لها مشدوها وكأنه لا يعي كل ما يجري .. بداخله الأن كل علامات الإستفهام والتعجب والدهشة .

– ياااه يا علي أنا مش مصدقة نفسي .. معقول بعد كل السنين دي نتقابل كدا .. معقول يا علي نشوف بعض تاني بعد كل الفراق دا.

يستجمع نفسه .. يحاول أن يتصيد بعض من ماء فمه الذي جف كصحراء لم تمطر سمائها لسنوات .. يهز رأسه وكأنه يؤكد لها انه لديه نفس أسئلتها .

– كنت فين يا علي كل السنين دي ؟.. وحشتني أوي .. كنت فين ؟

– مش عارف ..

– ضحكت الأن .. رددت من بعده مش عارف !!.. ههههي إزاي مش عارف يا علي ؟؟..

– إحكيلي أنتي يا نادية ..

———————————————————————————————

الحلقة ( 3)

إنطلقت نادية تحكي .. وعلي ينظر في وجهها بنصف تركيز فقد دارت بداخل رأسه ألة الزمن الوهمية ودارت أمام عينه دوامتها التي بدت في أولها بكل ألوان الطيف واضحة حتي وصلت لسرعتها القصوي ليصبح اللون الأبيض فقط هو سيد اللحظة وشعر بدخوله في شبه غيوم ينقشع ببطئ وهو يخرج منه ليجد نفسه صاعدا درجات سلم بيت قديم في حارة من حارات الدرب الأحمر بحي الجمالية العريق حتي صعدت به إلي الدور الثاني ليطرق علي الشراعة الزجاجية للباب الوحيد في الدور حيث شقة الأستاذ عبد الله مباشر الموظف بدار الوثائق المصرية .. ومع طرقات علي للمرة الثالثة يسمع من الداخل صوت نادية وهي أتية لتفتح الباب ..

– أيواا يا للي بتخبط حاضر حاضر أصبر شوية .. هو أحنا قاعدينلك ورا الباب .

وما أن تصل لباب الشقة وتفتحه فتجد علي أمامها .. تصرخ صرخة طفولة شقية .. علي .. أزيك يا علي حمد الله بالسلامة جيت أمتي .. تعالي يا علي ادخل أتفضل .

– مين يا نادية ؟..

كان هذا صوت والدة نادية من الحمام فقد كانت في مصارعة تحميم عفاف أخت نادية الصغيرة صاحبة السبعة أعوام التي كانت تبكي من دخول الصابون بعينيها وأمها نحممها .

– دا علي يا ماما .. ثم تخفض صوتها وهي تدخله إلي غرفة الصالون وحشتني أوي يا علي وحشتني خالص .. ثم تعود لترفع صوتها تنادي علي والدها الجالس بغرفته يقرأ جريدة الجمهورية .. يا بابا علي جه يا بابا ..

– وأنتي وحشاني أوي يا نادية أزيك عاملة إيه ؟..

– الحمد لله يا علي أتفضل انا فرحانة أوي ها أروح بسرعة واجيلك أقعد يا حبيبي لحظات بس .

– أهلا يا سي علي أزيك يا أبني .. عامل إيه ؟..

– الله يسلمك يا عمي والله ليكم واحشة كلكم وأزي طنط أم نادية.

– الحمد لله أقعد يا علي أتفضل يا أبني .. هيييه كل فين وفين علي ما بتيجي يا علي .. هو في إيه يا بني هو أنتوا بتعملوا إيه كل دا هو لسا مفيش جديد ؟

– ربنا يسهل يا عمي محدش عارف أمتي ولا بكرة ها يحصل إيه

– يالا يا ماما بأة عايزة الحمام بسرعة وأطلعي ألبسي حاجة كدا علي مع بابا في الصالون .

– يا ختي ومسعوفة علي إيه كدا .. يا ما جاب الغراب لمه .. علي في السالووون .. أهلا يا ختي شرفت يا سي

علي .. هو لسا فاكرك من الشهر للشهر لما يجي يشوفك وحتي ما يحطش في عينه حصوة ملح عمره مادخل علينا جايبلك حاجة ولا حتي كيلو سفندي .. يا ختي بلا خيبة ..

——————————————————————————————

الحلقة ( 4 )

– يوووه يا ماما بأة هو دا وقته .. يالا بقي نشفي عفاف وأخرجوا بقا .. عايزة الحمام .

– طيب .. طيب .. أوعي كدا .. قدامي يا مقروصة أنتي كمان لما أسرحلك شعرك ونشوف سي علي اللي طب علينا دا .

– يا أم نادية .. أنتي فين ما تيجي تسلمي علي البشمهندس علي

– حاضر يا أبو نادية جاية أهو .. أتعدلي يا بت أنتي كمان خليني أشوف أبوكي المسعوف دا مش عارفة علي إيه

عمال ينادي وخلاص .

– ها إيه رأيك يا ماما .. حلو كدا ..

– أه يا حبيبتي حلو .. إستني يا بت روحي أمسحي الروج دا عيب وأبوكي قاعد كدا أحترمي نفسك يا مقصوفة الرقبة .

– يوووه بأة يا ماما .. دا كل فين وفين لما علي بيجي ..أهو مسحته .

– يسلااام .. هو كده تبقي مسحتيه .. يا بت .. خدي يا بت .

كانت نادية تنطلق في الرواق الرفيع الذي به أبواب غرفتين النوم والحمام والمطبخ هاربة من أمام أمها لتخرج إلي صالة الشقة تتوقف قليلا تضبط ملابسها وتأخذ نفسا عميقا ليتوقف صدرها عن الصعود والهبوط فقد كان قلبها يدق سريعا جدا فرحة لحضور علي اليوم ولهفة للجلوس معه ثم تدخل إلي الصالون مرحبة به وعلي وجهها إبتسامة تبدو كضحكة أو زغرودة محبوسة ومن شدة فرحها لم تأتي بواجب الضيافة معها ..

– يوووه يا نادية .. كدا برضو يا بنتي أنا فاكرك كنتي بتعملي الشاي .. فين الشاي يا نادية ؟..

– يوووه معلش يا بابا أسفة والله ما أخدتش بالي حالا أهو ..

– مفيش داعي يا عمي أنا شوية وماشي علي طول ..

– لا يا بني ودا معقول أنتا ها تتعشي معانا النهاردة ..

– إتفضل الشاي أهو يا بابا .. أتفضل يا علي ..

– أهلا يا علي أزيك يا خويا فينك من زمن .. يعني ليك مدة ما شفناش وشك خير يا خويا .. وأزي أمك الست أم سعيد كويسة .. ووالدك عامل إيه لسا في الشغل ولا خرج علي المعاش .. وأخواتك السبعة عاملين إيه يا خويا ..

– هههه.. إيه يا ست أم نادية حيلك علي الراجل شوية لما يشرب الشاي .. وبعدين دا زمانه نسي السؤال الأولاني من كتر الأسئلة هههه .. منور ياسي علي .

– وماله يا أبو نادية .. أرجع أعيدهم له تاني واحد واحد ولا يهمك .. إزيك يا سي علي عامل إيه ..

ينطلق عبدالله أبو نادية هو ونادية وعلي في الضحك من طريقة أم نادية التي يعلمها علي جيدا .. وبينما هم يضحكون تعوج أم نادية شفتيها ثم تتبعها بشهقة سريعة ..

– كدا يا أبو نادية ببتنؤوز عليا .. وكمان بتضحك عليا العيال طب أشرب الشاي يا خويا وحاسب علي روحك

شوية – وكأنها تتوعده في سرها قائلة صبرك عليا بس أنتا والمزغودة بنتك لما الواد يمشي ..

—————————————————————————————-

الحلقة ( 5 )

– نورت يا سي علي أشرب الشاي .. إحنا بس بنضحكك معاكي يا أم نادية ههههه .. قالها عبد الله تلطيفا للجو فقط فقد وصلته رسالة أم نادية الصامتة بأن ليلتهم ستكون ضلمة بعدما ينهي علي زيارته لهم .

– إزيك يا علي .. ليكك مدة ما جيتش .. إيه مش بتنزل أجازة ولا إيه ؟..

– لسا نازل النهاردة يا نادية مابقاليش ساعتين .. يا دوب روحت البيت سلمت علي الحاج والحاجة وأخواتي وجيت أشوفكم علي طول أصلي واخد تصريح 48 ساعة بس وراجع علي طول ..

– والحال دا ها يفضل كدا لحد أمتي يا سي علي .. خطوبتك لنادية طولت أوي ولا عارفين لك أول من أخر يا خويا ..

– معلش يا ست أم نادية أنتي شايفة الحال بقالي 5 سنين في الجيش من وقت ما اتخرجت من الجامعة ودخلت ظابط أحتياط مش عارفين ها نعمل إيه ..

– أيوا يا خويا بس البت كدا بقت زي البيت الوقف والسنين عمالة تجر في بعضها لا عارفين أول من أخر ..

– يا ماما مش كدة سيبي الراجل بس يشرب الشاي .. ما هو حال البلد والشباب كلهم كده مش علي بس ..

– أستني أنتي شوية .. أنا عايزة أسمع منه هو الكلام المفيد ..

– قولي لي أعمل إيه بس يا طنط وأنا تحت أمركم ..

– لا يا خويا العمل عمل ربنا .. أنتا الأجازة الجاية بدون مؤطعة كدا تجي لي ومعاك الست الحاجة وسي الحاج والدك ونقعد قعدة نقول فيها الخلاصة أحنا عايزين نعرف راسنا من رجلينا .. أأأه كفاية كده أوي خمس سنين شابك البت ورابطها علي حس أنك ها تكتب عليها وتجيب شقة وتتجوزوا ومن وقتها ما شوفناش أي حاجة .. كل بنات الحتة يا خويا اتجوزا وشالين عيالهم علي أديهم ما هو مش معقول ها اسيب البيت لما تشيخ كده وفي الأخر تسيبهالي كركوبة لا يا حبيبي لازم تشوفلك حل .

ألقت أم نادية كلماتها التي كانت مثل إنهيارات صخورالمقطم المعلقة علي حواف مطلعه فجأة .. بينما نادية تنظر لوالدها ليوقف أنطلاق أمها في وجه علي هكذا ووالدها لا يستطيع أن ينطق بكلمة واحدة خوفا من تبدأ ليلته الضلمة قبل أن ينهي علي زيارته لهم ..

—————————————————————————————-

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: