كتاب وشعراء

دكتور : مفيد مصا .. يلقي إضاة نقدية على نص الشاعر : أشرف شبانه ( في حضرة السلطان )

قراءة وإضاءة على نص الشاعر المصري ..
أشرف شبانة ..
كم هو جميل أن نقف أمام نص شعري قصصي يجمع بين حضارة الإنسان وسطوة السلطان ويسقطها على الطير بإسلوب عميق رقيق ناعم متعدد الصور والترميز يحمل طايع أدبي فلسفي متميز ..
الشاعر المصري أشرف شبانة يجسد لنا الواقع المؤلم الذي أنتج شعوب منقسمة بين فاسد ومؤدلج ونظيف لكنهُ مكمم الأفواه ..
يتغنى بالحرية بإسلوب مسرحي نثري يحمل مشاهد ولوحات متعددة فيها إسقاط بعيد باللفظ قريب بالمعنى من كل الأمم ..ليكون عام وشامل غير مرتبط بزمكان محدد
فيقول ::
.
بحضرة السلطان ،
وقف الحضور ..
إلا هو ؛
لم يتوقفْ عن الطيران
روحه في الهواء
و هو روحُ الهواء
و لا عزاء .. للإنسان

هذا الفريد ؛
حين يحب .. يحلو له الغناء ..
بأغنية الجماع
و إذا ما شعر بالأعداء ؛
حذر بنغم حاد
و على السرب الاستماع

حين تثاءب ، تثاءب الجميع
أغمض عينيه ،
رفع قدمه لبطنه
أدار منقاره لظهره .. ثم ..نام
ذات مرة ، رأيت صغيرهم
على الأرض يبكي كالأيتام ،
مَنحتُهُ عُشَّاً بصدري

مكتوب على عظامه ؛
(قابل للكسر) ..
لكن ريشه (ضد البلل)
رغم ذلك اغرقوه .. سحقوه ..
لم يرحموه حين سمعوه ؛
صرخوا ؛ صوته غير محتمل ،
اقتلوه ؟!

أصيب بالحزن الشديد
قرر العزلة في البعيد..البعيد
بشجرة عارية
من الحفيف
هجر لهم تلك الشجرة التي
فرضت حظر التغريد
ليعود في الأمان القادم

فتشت عن بدين ،
لم أجد
كلما رأيته محلقا ؛
تساءلت ؛
كلانا من طين …
فلماذا لا أطير ؟!!
ما أقواه .. ذاك النحيف

تحذير :
أي محاولة للإمساك به ؛
تُعد جريمةٌ همجية
من الآن ، كل العصافير ..
محمية .. و كيف لا أحمي
من علمني الحرية
شكراً و آلاف … لكل عصفور
____________
نلاحظ بعد عرض النص بالكامل …
كيف إفتتح الشاعر المسرح بحضرة السلطان !!!
وكيف يتمرَّد أحد الطيور عن الخنوع والصمت !!
ليكون هوَ الطير الوحيد الذي يعانق الهواء ويتنفس الحرية من كبد السماء.. دون الخشوع ولا الرجوع إلى تراتبية السلطان …فيقدم لنا الشاعر المشهد الأول والثاني بسكتشات سريعة لماحة ترمز إلى الإنفراد واليقظة من أي كارثة تنذر بالخطر ليلحق بالجميع فيتحول التغريد إلى صرخة كما جرس الإنذار ..
من هنا ينقلنا الشاعر إلى المشهد المتوقع وهو المشهد الثالث مستعرضاً فيه همجية السلطان بملاحقته الأجيال المتعاقبة وتدميرها قبل أن تتعلم الطيران …ولكن يتدخل الشاعر شخصياً لينقذ صغار العصافير ويمنحهم عشَّاً في صدرهِ وهو الرحمة التي يقصدها والتعاطف مع تلك الحالة المؤلمة وهي دور كل مثقف ووطني ..ولكن أدوات السلطان متنوعة ..فهو يقمع بيد ويقدم الإغراءات بيد أُخرى …حتى يقع الجميع ويغرقوا بالفساد والسلطة ليبقوا ضعفاء منقادين كما يشاء …فسحق الأحرار وقمعهم وترك البقية بين يديه لا يستطيعوا الطيران ولا التغريد إلا كما هوَ يريد …!!
هنا بعد تلك المشاهد أُسدل الستار وبدأ فصل جديد يحمل مشاهد القتل والتهجير والسجن والتضييق على كل الأحرار مهما كانوا وأينما كانوا ..
ولكن الحر يطير بأي سماء ويغرِّد على كل الأغصان ليجمع كل الطيور المهاجرة والمُهجَّرة ليتشكلوا ويتحولوا إلى سربٍ جديد لا أحد يمنعهم من الحرية والطيران ليعناق من يشاء في كبد السماء …
وأخيراً يُسدَل الستار ويقف شاعرنا العظيم وهو يقدم لنا لوحة تحذير يقول فيها :: أي محاولة للإمساك بالأحرار …تُعَد جريمة همجية ..من الآن ، تُعَد كل العصافير محمية ..وكيف لا نحمي من يعلمنا الطيران ..
هذا المقطع القصير الأخير هو عبارة عن نداء إلى كل مثقف ووجداني وإنساني ليكونوا يداً بيد داعمين الحرية وأحرارها ..
أخيراً أقول أننا تناولنا نصاً شعرياً مسرحياً وجدانياً يحمل رسالة كونية إنسانية سياسية تستنهض الشعوب والأمم بوجه كل القيود والعادات والأساليب البالية ..
الصور واضحة جلية هادفة غزيرة تحمل دلالات وإشارات مهمة بإسلوب لبق وخفيف الظل ..
البداية والنهاية مترابطة بدأت بوقوف الحضور …وإنتهت بالشكر لكل عصفور ..
النص خالي من الحشو والإبتذال ..
المنهج : جمالي + إجتماعي + سياسي + إنطباعي + فلسفي + نفسي + وجداني + عاطفي + رمزي + إبداعي = متكامل
التقييم العام ممتاز
دمتم للفكر والأدب عنوان
مفيد مصا…سوريا
— with Reem Alnukkari and 63 others.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى