كتاب وشعراء

الكاتبة السورية راما الرفاعي تكتب: “شغف”

“شغف”

كان وقتاً عصيباً ذاك الذي مرّ على “شغف” تلك العروس الصغيرة بفستانها الأبيض الذي قد تلوّث لونه بعادات الشرق البالية وبقرار والدها وزوجته الفظّة اللعينة ..
في تلك اللحظة لم يكن هنالك ما يخفّف من وطأة الألم الذي لطالما عانت منه صديقتنا شغف سوى صورة والدتها المعلّقة على جدار غرفتها .. تلك الصورة كانت الشيء الوحيد الذي حملته شغف بيدها واخذته معها لحياتها الجديدة التي اختارتها لها زوجة والدها بعدما انتهكت كرامتها وعزّة نفسها حينما أقنعت الوالد بضرورة زواجها من ذلك التاجر الغني الذي كان يكبرها ما يزيد عن خمسة وعشرون عاماً ..
وبعد ما قبض والدها ذلك المهر الغالي وكأنها كانت قرباناً لذلك الرجل على صفقةً تجاريّة رابحة لوالدها الظالم “السيد جورج” وزوجه التي كانت تدعى “السيدة ناظلي” تلك المرأة اللعوب الماكرة ..
كانت قطرات من الدم القاني تسيل على قدميها فتبلل ثوبها حتى الأرضية ..
وما كان من شغف إلا وأمسكت بصورة أمها وبدأت تحدّثها وتبكي قائلة: كلُّ شيء في غيابك موجع يا أمي لقد رحلتِ ورحلت السعادة والأمان معك، لمَ تركتنا باكراً يا أمّاه .. لقد انقضى الخريف تاركاً إياي وإخوتي تائهين في هذه الحياة نرتجي دفء حضنك يا أمي ..
أجزم يا حبيبتي لو كنتِ بيننا لما سمحتِ لهم بانتهاك طفولتي ولم تتركيني لحظة واحدة بين يديّ هذا الرجل الذي ظنَّ أنه اشتراني وامتلكني كأيِّ سلعة من بين السِلع التي يقتنيها ..
أتذكّر تماماً كيف تركت المدرسة من أجلكِ يا أمي كنت مستعدّةً أن أفني عمري في خدمتكِ، فقط لتكوني بصحّة جيّدة وتكوني قويّة من أجلنا يا أمي من أجل أن أحتمي بك من غدر الزمان ..
أنظري إلى حالي اليوم، ألا ترَين ثوبي الملوّث بالدماء ..
أعرف أنكِ تشعرين بي يا أمي، صحيحٌ أنك قد رحلتِ ولكن بالفعل أشعر بأنَّ روحك تحاوطني وتتألم لألمي ..
وهنا سمعت شغف صوتاً في الخارج يناديها للنزول، فمسحت دموعها بسرعة وقالت بصوت مرتجف : أنا هنا، دقائقٌ وسوف أنزل ..
وبعد أن أخذت حماماً ساخناً وسريعاً ونظّفت كل ما حولها من السرير والأرضية والشراشف وفستانها الذي أبى إلا أن يتلون بلون قلبها البريئ ..
نزلت لعالمها الجديد وجوهٌ جديدة وابتساماتٌ ماكرة تُخفي وراءها الكثير من الحسد والضغينة ..
فالجميع هنا طامعون بذلك التاجر ويخشون أن تسيطر عليه شغف بأنوثتها الطاغية التي تجلّت في ملامحها الجذابة وجسدها المتناسق وشعرها الذهبي بخصلاته الطويلة الذي تنحني له القامات مهما علا نفوذها ..
وهنا أصبحت شغف عدّوة الجميع حيث قرروا منذ اللحظة الأولى قتلها، ولكن بطريقة خبيثة تَخفى على الشيطان بوضاعتها ..
حيث قامت عمّة زوجها بالتعاون مع ابنته الكبيرة بإحضار عشبةٍ سامّة قادرة على قتلها فور شربها ..
وما مرَّ على شغف في ذلك المنزل ما يقارب السنة إلا وقد تمّت المهمّة بعد عذاب وذلّ وإهاناتٍ عديدة يندى لها جبين الإنسانيّة، حيث أن التاجر جاء سكراناً ليلتها وأرادَ أن يُضاجعها رغماً عنها ولم يعلم أن في أحشاء زوجته قلباً آخر ينبض من أجل الحياة .. ولكن للأسف ذلك الجنين هو ولده ووليّ عهده المُنتظر، كان قد تناول السمَّ في الطعام الذي تناولته شغف في ذلك المساء .. وأتى في النهاية زوجها ليبرحها أرضاً من شدّة الضرب حين أخبرته أنها تريد أن يترك لها مجالاً للراحة فبطنها تتقطّع من الألم ولا تدري ما السبب، ولكنَّ زوجها لم يعتد سماع كلمة لا من أحد ولهذا استشاط غضباً وقام بضرب زوجته حتى الموت ..
وكانت النهاية مأساوية إذ صعدت روح شغف وروح جنينها للسماء، لحقت بوالدتها التي سبقتها لجنة العدنان..
وكانت دماؤها المُستباحة وصمةَ عارٍ على جبين والدها قبل زوجها وعلى كل من تجرّأ على انتهاك حقوقها وكرامتها في الحياة ..

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى