أشرف الريس يكتُب عن: ذكرى ميلاد جمال الغيطانى

هو ” المُحاربُ المُنتصر ” و ” دَرويش الروايةِ العَربية ” و ” أديب التُراثِ التاريخى ” و ” عاشقُ القاهرة و حَارِسُ ذاكرتها ” و ” رّسامُ السِجاد الشَرقى الذى آعاد نّسْجْ التاريخ بِشكلٍ إبداعى جَميل ” الأديب و الروائى و الرَسام و الموسيقى و الصَحَفى اليَسارى المُبدع ” جَمال أحمد الغيطانى ” الشَهير بجَمال الغيطانى ذلك المواطن المِصرى البَسيط المّعْجون بِكلُ ذرةِِ مِن تُراب وطَنِه و لايعبأ إلا بِه و لايَرى سِواه و كيفَ يرى غَيره و هو يَجرى فى عُروقه مَجرى الدم فهو الأديب الذى يُضْرَبُ به المَثَلَ فى رّوعةِ تّصوير فَسادِ و قَهرِ الدّولة البوليسية عِِندما يَتّحَكَمَ فيها « البّصاصون » كما صَوَرها فى روايته ‘‘ الزينى بَركات ‘‘ لمواجَهةِ القَمْعِ و الظُلمِ و الاستبداد و الوِشاية و التّسّلُطْ فى حياتنا ! و ذلك علاوة على تمّيُزه ( عَكس بَعض اليساريين ) بشِدة إيمانِه و تّقديره للجَيشِ المِصرى كونه كان و سَيَظَلَ بمَثابَة العَمودِ الفَقَرى للحَضارة المِصرية بما يملُك مِن مؤسّسّةٍ حَضارية لا عّسكرية فحسب كونها تُراثاً وَ طنياً طويلاً جداً و رُبما يكون هذا التُراث هو ما جَعَلَهُ يرفُض الدُخول لمُسْتّشفى خاص شهير برغمِ أن صاحِبه كان زَميلاً له مُنذُ الدِراسة و يلجأ فى وّعْكَتِهِ الصِحية التى هاجَمتُه قبل وفاته إلى هذا المُسْتّشفى العّسكرى الذى يعيش فيه تجلياته ! و هى بالتأكيد ليست مُصادفة على الإطلاق فالحقُ يُقال أن جمال الغيطانى قد استطاع التُراث المِصرى أن يتَفّنْنْ فى زرعِ لوحاتٍ إبداعية فى وجْدانِه لتّطرَحَ فِكراً مُستنيراً استّمتع به القارئ المِصرى و العَربى أيضاً و كما فى الليلة الظُلماء يُفتَقَدَ البدر أيضاً فى زمن الخرابِ و المِحَن يغدو رحيل المُبدعين أشدّ إيلاماً و وطأة فكيف إذا كان الراحلُ الذى نّحتفلُ بِذكرى ميلاده هو جَمال الغيطانى الذى نَذَرَ عُمره كاملاً فى خِدمة الكلِمة و كانت كَلمتُه دائِماً فى خِدمة المُجتَمع و الناس و بِرغْمِ رحيله فى اللّحظاتِ الحَرِجَة من تاريخِ مِصر و العَرب لكنّه يبقى حاضراً فى إرثه الإبداعى الكَبير روايةً و قصّةً و أبحاثاً و نقداً و نُصوصاً مّفتوحةً على المُسْتقبلِ مِثلما سيظلّ حاضِراً فى ذاكِرة و قُلوبِ قُرائِه و عُشاقِه إلى يومِ يُبعَثون .. ولد الغيطانى فى 9 / 5 / 1945م فى مَركز البليانا بمُحافَظةِ سوهاج وَ سَطَ اُسْرة مُتوسِطة الحال سافَرَ مَعها إلى القاهرِة و هو دون السادِسة مِن عُمره و رغم انتقالِه إليها فى سنٍ صغيرة فقد ظل الصَعيد يُهّيمن عليه و بقى يُشكل الخَلفية المُسْتَمِرة لِوّعْيه حتى بعدما عاش فى حى الجَمالية بمنطقة الحُسين فى حارة الطبلاوى و تلقى تعليمه الابتدائى بمّدرسة ” عبد الرحمن كتخدا ” ثُم أكْمِلَهُ فى مّدرسة الجَمالية الابتدائية حتى حَصُلَ على الشَهادّة الإعدادية مِن مّدرسة ” مُحمد على ” ليتحق بمّدرسة الفُنون و الصَنائِع بالعّباسية كى يُساعِد والده فى تَحّمُلِ عِبئ مَصروفاتِ تّعليمه ثُم بعد ذلك عَمِلَ رَساماً فى المؤسّسَة المِصرية العامة للتّعاون الإنتاجى إلى أن تَمَ اعتقالِه فى أكتوبر عام 1966م لأسبابٍ سياسيةٍ بتُهمة اعتناقِ الفِكرِ الماركِسى و بعد أن اُطلِقَ سَراحَهُ فى مارس مِن عام 1967م عَمِلَ سِكرتيراً للجّمْعية التَعاونية المِصرية لصُناعِ و فنانى خان الخليلى حتى عام 1969م و هو ذات العام الذى أصْدَرَ الغيطانى فيه أول كتابٍ له بعد مُرورِ عامَين مِن نَكْسَةِ يونيو بعُنوان « أوراق شاب عاش مُنذ ألف عام » و بعدها قرَرَ أن يَتّفَرّغَ للكِتابة و أن يَدرُس مايحتاجَ إليه بل و التّحق أيضاً بِمّعَهدِ الموسيقى العربية ! و درس العَزفِ على آلة « القانون » ! و آجادَ العَزفَ عليها إجادة تامَة حتى أضحى العازفَ المُفّضَلَ لدَى أصدقائه فى سَهَراتِ و جلَساتِ السَمرْ و أعياد ميلادهم و مُناسباتِهم السَعيدة .. يُذكر أن الغيطانى قد تأثُراً شَديدَ التأثُر بِالأديب الكبير ” نَجيب مَحفوظ ” و تأثر أيضاً بِعددٍ مِن الكُتاب و المُفكرين كان أبرزهُم ” يحيى حقى ” الذى وَصَفهُ بأنه أعْظم كُتّابْ القَرنِ العِشرين إضافة إلى ” عبد الرّحمن الخميسى ” و جديرٌ بالذِكرِ أن الغيطانى قد عَمَلَ أيضاً مُراسِلاً صَحفياً حَربياً للأخبارِ على الجّبهة أثناء حَرْبِ الاستنزاف و كذا حَربِ أكتوبر المجيدة و بعد انتهاءِ الحَرب بعامٍ واحدٍ انْتَقَلَ للعَمَلِ فى قِسم التّحقيقات الصَحَفية إلى أن تَرّقى رَئيساً للقِسمِ الأدبى بجريدة أخبارِ اليوم ثُم قام أثناء رئاسَته للقِسم بتأسيس جَريدة أخبارِ الأدب و شَغَلَ مّنصَبْ رئيس تحريرها عام 1993م ..يُذكر أن الغيطانى ظل يرفُضُ القَهرَ السياسى و الاجتماعى الذى جّسَدَه فى كتابِه « التّجليات » المُتّضمِن مَوضوعاً فى فترة حُكم الرئيس السادات و الذى يُعدُ بمثابة خُطوة جَّريئة و نقلةٍ مّلحوظة فى تاريِخه لأنه كما قال عنها « خَرَجْتْ بها مِن التُراثِ و توّغلّتُ فى الذاتِ بدلاً عَن القضايا السياسية الكبيرة » حتى جاء عام 74 لينشُر قِصةً فى مّجْموعة بعُنوان « ذِكْرُ ما جرى » التى تَخّيَلَ الغيطانى فيها أن مِصر تُباع فى مَزادٍ عَلنِى ! و رغم ذلك يأتى تَوّغُله فى الذاتِ نُقطة فى بَحرِ كِتاباته و لُغَتِهِ التى احْتَرّفَتْ لُغة الحِجارة و العِمارة و المَعابد القَديمة و جاءت لُغته ” السّردية ” كما يقول ( النُقاد و رِفاق مشواره ) لتّنْبض مِن خِلالها أحجارِ المَعابدِ القَديمةِِ و حَوائِط المَساجدِ العَريقة و جَمالياتها و آذانَها بل و قراءة القُرآن الكَريم بها و حَلاوة المَقدس و تّجَليهِ فى النَصِ و قَداسَة الرُهبانِ فى الأدْيرَة المِصرية و كان لاهتِمامِ الغيطانى بالروائى الروسى « دوستوفيسكى » ما جَعَلَهُ يَتَمّنى أن يَكتُب مِثلَه حيثُ يَرى أن هُناك ثلاثةٍ كُتّابٍ عَرَبْ قامتهُم تَتّشَابَه مَع دستوفيسكى هم ” نَجيب محفوظ ” و ” يحيى حقى ” و ” تَوفيق الحَكيم ” ( فى بَعضِ أعمالِه ) و رَغْمَ ذلك جاءتْ لُغة الغيطانى مِن مَصادرٍ مُتنوعة و على رأسها كُتب الصوفية و المُتّصَوفة و تَجارُبهِم الروحية العَميقة و لذلك لم يَخْفْ ولعه بِشَيخه « ابن إياس » و غَيره مِن أعْلامِ التأريخ و الصوفية بعد أن التّقَطَ شّخصيته الشَهيرة مِن موسوعة ابن اياس « بَدائعِ الزُهور فى وقائِعِ الدُهور » ” بركات بن موسى ” التى بنى عليها رائعته « الزينى بركات » و كان يَسعى طوال الوَقتِ للمّعرِفة و لم تكُن لديه ثقافة تُعادى الأخر فكان مُولعاً بالفّرعونية لكنه لم يَقِفْ مُطلقاً ضِد العَربية لأن عُروبَته لا و لن و لم تَحرِمَهُ مِن الاطلاع على الفارسية ! علاوة على تأليفه لإبداعاتِه الأخرى مِثل ” الزويل ” و ” حُراسِ البوابة الشّرقية ” و ” مُتون الأهرام ” و ” شَطَحَ المَدينة ” و ” مُنتهى الطَلَبَ إلى تُراثِ العَربْ ” و ” سَفَرَ البُنيان ” و ” حِكايات المؤسّسَة ” .. يُذكر أن الغيطانى قد حَصُلَ على العَديدِ مِن الجَوائزِ كان أشْهَرَها ” جائزة الدّولة التّشجيعية للرواية عام 1980م ” و ” وسام العُلوم و الفُنون مِن الطَبَقة الأولى ” و ” وسامِ الاستحقاق الفِرنسى مِن طبقة فارس عام 1987م ” و ” جائزة لورباتليون ” لأفضلِ عَمَلِ أدبىِ مُترجمْ إلى الفِرنسية عَن روايته التّجليات مُشاركةّ مَع المُتَرجم خالد عُثمان فى عام 2005م ” و ” جائزة الدّولة التّقديرية عام 2007م ” .. تزوّجَ الغيطانى مِن الكاتِبة الصَحفية ” ماجدة الجِندى ” و التى أنْجَبّتْ له نّجله ” مُحمد ” و ظَلَ الغيطانى قبل رَحِيله بسَنواتٍ قليلة يظهر على الساحَةٍ بعض الوقت و يختفى أحياناً ثُم يَظهر مّرة اُخرى ليُعّبِر عَن عَذاباتِ الناسِ و آلامِهم و هواجسهم فى كُل إبداعاته إلى أن توفى فى 18 / 10 / 2015م عَن عُمرٍ ناهزَ على الـ 70 عاماً بعد صِراعٍ طويلٍ و مَريرٍ مَع المَرَضَ انتهى بإصابتِه بوعكةٍ صحية أدخلته غَيبوبة لأكثرِ مِن ثلاثةٍ أشهُر فى مُستشفى الجلاء العَسكرى بالقاهِرة .. يُذكر أن الغيطانى قد صَرَحَ فى أحد حواراته الصَحَفية عَن رأيه فى الرئيسين ” ناصر ” و ” السادات ” فقال ( أنا اتْحَبّسْتْ فى عهد ناصر و اتبهدِلت فى المُعْتَقل و لما مات مازعلتش أبداً على موته ! و لكن لما جه السادات و حَكَمْ مصر عِرفْتْ قد إيه عَظمِة و وطَنية ناصر و كان كُل ما تيجى سيرتُه على بالى دُموعى تِنزل على خَدى و افضل ألوم نفسى و اندم إنى ماكونتِشْ عارِف قيمته لدَرَجِة إنى مازعلتش و مابكيتش عليه يوم ما مات أما السادات دا كان راجل كُل اللى عَمَلُه فى حياته إنه دّمْر كُل شيئ إيجابى عَمَلُه ناصر ! و كان أهوج و أخرق و مُقامر فى مُعظم قَراراتِه سَواء فى قرار طَرد الخُبراء الروس أو توقيت العُبور أو كامب ديفيد أو تَحالُفه مع التيارات الإسلامية عَشان يضْرب بيهم الناصِريين و اليساريين و فى الأخر خِسر القُمار لما قَتَلوه ! و عشان كده ماقدرش أغفِر لواحد مُقامِر مَساوئه و لا اُشيد بِحسناته على اعتبار إن له حَسنات على سَبيل الخَطأ ! إنما ناصر رغم كُل مساوئه لكنهُ كان ماشى فى الطريق الصَحيح و تعثّر و عشان كده باغفر له سيئاته و عَثَراته ) .. قال عنه د. محمد أبو الفضل الأمين العام للمّجلس الأعلى للثقافة أن الغيطانى قد نَجَحَ فى نَقلِ الأدب العَربى إلى أوروبا و أنه شّخصياً لَمَسَ مَدى عَشَقَ الأوروبيين لرواياته عِندما حَضَرَ مَعَهُ فى جامعة « بون » الألمانية إحدى مُحاضراته و رأى كيف كان الطُلاب و المُسْتّشرقون يُناقِشونه فى شّخصياتِ رواياتِه مِثل الزينى بَركات و التّجليات فى مُناقشة عِلمية دَقيقة و جاءت رُدوده لتُعَبِرَ عَن ثقافَتِه الواسِعة و المُتعددة و هو ماجَعَلَ أحد المُسْتّشْرقين الألمان يقول لى أن الغيطانى قد وَصَلَ فى حالة التأويل إلى عوالم لم يَصِلَ إليها أديبٌ عربى آخر ! .. رَحِمَ الله جمال الغيطانى و تَجَاوَزَ عن سيئاته و أسْكنهُ فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: