أشرف الريس يكتُب عن: ذكرى رحيل صلاح أبو سيف

هو  “رائد الواقِعية ” و ” أبو الرّمزية ” و ” أول مُخرج مِصرى يَدخُل تاريخِ السينما العالمية ” المُخرج الكبير و القدير صلاح أبو سيف ذلك العِملاق الذى يُعد أحد أهم مُخرجى السينما المِصرية على مَدارِ تاريخها بَعد أن استطاع نقلَ الواقعِ برؤية فنية و بتدّخُل إبداعى لا مَثيل له فهو الرائع الذى نَراه مُختلفاً فى كل مّرة يقدّم فيها فيلماً جَديداً بعد أن بَرَعَ مع احتفاظِه بالواقعية فى أن يّنفُذُ بِبَصَرِه و بَصيرتِه إلى أعماقِ الشّخصياتِ التى قدّمَها فى أعمالِه ليُدركَ و يَعى جُذورها و لا يكتفى برصدِ مَلامِحها فقط و ذلك علاوة أنهُ أكثرَ مُخرج جَمَعَ بينَ الحُسْنَيّيّنْ ” الفن ” و ” الجَماهير ” إضافة أن رصيده قد احتوى على أربعة أفلامٍ صُنِفّت ضِمن أهم 10 أعمالْ فى تاريخِ الشاشَة الكَبيرة و التى قضى فى رِحابها خَمسة عُقود قبل أن يّرحَلَ عَن عالمِنا فى مُنتصف التِسعينيات مِن القَرنِ الماضى و الحَقُ يُقال أن ما بين تَلامِذة نُجباء و أساتذة أفاضل ولِدتْ أحلام فنانين أسّسوا مَدارسٍ للواقِعية فى عالمهم كان على رأسهِم صلاح أبو سيف الذى أستّقى أصول المّدرسة الواقِعية مِن أستاذة ” كمال سليم ” قبل أن يُطّور مُفرداتِه و يؤسس المّدرسة الواقعية الخاصَة به فى السينما المِصرية .. وُلد صلاح أبو سيف فى 10 / 5 / 1915م فى حى بولاق أبو العِلا بمُحافَظة القاهِرة خِلال فّترة الحَرب العالمية الأولى و هو ما كان له الأثر فى شّخْصيته خاصةً أن بَعَضِ أفرادِ عائلته كان يَعمل بالسياسة و كانت الشُرطة كثيراً ماترتاد منزل العائلِة التى كانت تنّحدِر مِن قرية ” الحُومة ” مَركز الواسطى بمُحافَظة بنى سويف و لم تكُن عَلاقة أبو سيف مع والده طَيبة و مَن يتَّتّبعَ أفلامَه بِشكلٍ دقيق يُلاحِظ انعكاسِ ذلك على بَعضِ شّخصياتِه ! و يُذكر أن والِده قد توفى باكراً فَعاشَ يَتيماً مع والدِته التى قامتْ على تّربيتِه بشكلٍ صارم و بعد الانتهاء مِن الدِراسة الابتدائية إلتّحَقَ أبو سيف بمّدرسة التجارة المُتَوسِطة ثُم عَمِلَ فى الغزِل و النَسيج بِشَركة المَحلة الكُبرى لمُدة ثلاثِ سَنوات مِن عام 1933م إلى 1936م و فى ذاتِ الوقتْ اشْتَغَلَ بالصَحافة الفَنية ثم انْكّبَ على دِراسة فُروعِ السينما المُختلفة و العُلومِ المُتّعلِقة بها مِثل الموسيقى و المَنطِق و قد كان مُكوث أبو سيف فى شركة المَحلة بِمثابة فترة تّحصيل مُهمة فى حياته بعد أن قام خلالها بإخراجِ بعضِ المّسْرحيات لفريقٍ مُكّون مِن هواة العاملين بالشَركة و اُتيحت له فُرصة الإلتقاءِ بالمُخرج ” نيازى مُصطفى” عندما ذهَبَ الأخير للمَحلة كى يُنتِج فيلماً تّسجيلياً عَن الشَركة حَيثُ دَهَشَ مِن ثقافة أبو سيف و درايته بأصولِ الفَن السينمائى و وعده بأن يّعْمَلَ على نّقلِه إلى ستوديو مِصر و هو ما حَدَثَ و بدأ العَمَلَ بِقِسمِ المونتاج فى الإستوديو و مِن ثمَ أصبح رئيساً للقِسم لمُدة عَشر سَنوات و تَتّلمَذ على يدِه الكَثيرون فى هذا الفن حتى جاء عام 1937م عمل أبو سيف مُساعداً للمُخرج نيازى مُصطفى فى فيلم ” سَلامة فى خير ” لنجيب الريحانى و حِسين رياض و فى بداية عام 1939م و قَبْلَ سَفَرِهِ إلى فرنسا لدِراسة السينما عَمِلَ أبو سيف كمُساعد أول للمُخرج ” كمال سليم ” فى فيلم ” العَزيمة ” بُطولة حِسين صِدقى و فاطمة رُشدى و الذى يَتّصَدَر قائمة أفضل 100 فيلم مِصرى فى القَرنِ العِشْرين و فى آواخر ذات العام عاد مِن باريس بِسببِِ الحَربِ العالمية الثانية و أخْرَجَ فيلماً قصيرا لـ ” إسماعيل يس ” فى عام 1942 تَحتْ اسم ” نِمرة 6 – العُمر واحد “و فى عام 1946م قام أبو سيف بِتّجرِبتهِ الأولى فى الإخراجِ السينمائى الروائى فى فيلم ” دايماً فى قلبى ” المُقتبس عن الفيلم الأجنبى ” جِسر واترلو ” مِن بُطولة عَقيلة راتب و محمود المليجى و مِن بَعدِه أفلام ” المُنتقم ” و ” مُغامرات عَنتر و عَبلة ” و ” شارع البهلوان ” و ” زال الشر” و فى عام 1950م عندما عاد مِن إيطاليا عَقِبَ إخراجه النُسخة العَربية مِن فيلم ” الصَقر ” بُطولة عِماد حَمدى و سامية جمال و فريد شوقى و قد تأثر بتيارِ الواقِعية الجَديدة فى السينما الإيطالية و أصّرَ على أن يَخوض هَذه التّجرُبة مِن خِلالِ السينما المِصرية .. يُذكر أن أبو سيف قد قدّمَ للسينما العَديدَ مِن الأعمالِ الهامَةِ بَلَغَ عَددَها 41 فيلماً تم اختيار 11 مِن بينهم كأفضل 100 فيلم فى العالم مِن بينها 3 أفلام بين العَشَرة الأوائل و هُم ” شباب امرأة ” عام 1965م و جاء فى المَركز السادِس و ” بداية و نهاية ” عام 1960م فى المَركز السابع و ” الفُتوة ” عام 1957م فى المَركز العاشِر علاوة على مُعظم أعمالِه الأخرى التى تُعدُ مِن كِلاسيكياتِ السينما المِصرية كان أبرزهت ” فَجر الإسلام ” و ” ريا و سْكينة ” و ” القاهِرة 30 ” و ” الزوجة الثانية ” و ” السَقا مات ” و ” المُجرِم ” و ” المواطن مِصرى ” و ” بين السما و الأرض ” و ” شيئ من العذاب ” و ” لا وقت للحُب ” و ” مُجرم فى إجازة ” و ” الاُسطى حسن ” و ” لك يوم يا ظالم ” و ” المُنتقم ” نهاية بآخِر أعْمالِه ” السيد كاف ” عام 1994م و يُذكر عن فيلم ‘‘ لك يوم يا ظالم ‘‘ أن أبو سيف عِندما عَرَضَ سيناريو الفيلم على المُنْتِجين رفضوه بالكامل ! ما اضطره لإنتاجِ السيناريو بنفسِه بعدما باع سَيارتِه و مَصاغِ زوجته ليُحقق الفيلم الذى عُرض عام 1951م بإسْلوبِه الواقعى المُتّمَيز و اقترابه من الجُمهور نَجاحاً جَماهيرياً و نقدياً كبيراً .. يُحسب لأبو سيف أنه بالرغم من اتجاهِه للسينما الواقعية لكن ذلك لم يّجْعَلَهُ يَتَغافَلَ عن نَواحِِ أخرى فقدّم الفيلم الرومانسى ” الوسادة الخالية ” و كان لديه مبدأ مُهماً فى تعامُلِه مَع المُمثِل و هو تّوظيفه لا توجيهه ! مع قُدرة كَبيرة على مِعرفة مَتى يكون المُمّثِل فى مَسارِه الصَحيح و متى يّنْحَرِفَ عَن هذا المَسار و لذلك استطاع أبو سيف أن يَصِلَ لهذِه المُعادَلةِِ الصّعبةٍ بالجمعِ بين الأفلام الجَماهيرية و الأفلامُ ذات القيمة العالية اضافَةّ لاشتِركِه فى الإشراف على كِتابة السيناريو لجَميع أفلامِه ! لأنه كان يَعْتَبر كِتابة السيناريو أهم مَراحِل إعدادِ الفيلم حَيثُ مِن المُمْكِن عَمَلَ فيلماً جيداً بسيناريو جيداً و إخراج سيئ و لكن العَكسِ غير مُمْكِن على الإطلاق لذا كان يُشارِكْ ليّضمَنَ أن يَكونَ كل ما كَتَبَهُ السيناريست مُتّفِقاً مَع لُغتِه السينمائية و لم يَكتف بِذلك بل كَتَبَ أيضاً عَن السينما و مِن مؤلفاته ” فن كتابة السيناريو ” و ” كيف تكتبْ سيناريو سينمائى ” و ” فن و بَحَثَ عَن السينما و الطَبَقة العامِلة ” و ” بَحَثَ عَن السينما و الاشتراكية ” .. أخْرَجَ أبو سيف للسينما العراقية فيلم ” القادِسية ” عام 1982م و الذى اشْتَرَكَ فيه العَديدِ مِن الفنانين العَرَبَ كما كان أبو سيف هو أول مُخرج مِصري يدخُل تاريخ السينما العالَمية بعد أن عُرِضّتْ له أعمالاً فى مّهرجانات ” نانت ” و ” مونبلييه ” و طولون و باريس و بوادبست و فيينا و ميونخ و غيرها و تَحّدَثَ الناقِد الفِرنسى ” جورج سادول ” عَنه قائلًا ” أبو سيف يُعدُ واحداً مِن أفضَلَ عَشَرة مُخرجين فى العالم ” و كَتَبت الباحثة السينمائية الألمانية ” أريكا ريشتر ” عنه قائلةً ” يعتبر أبو سيف بحق أستاذ الفيلم الواقعى فى مصر و تمثل أفلامه العمود الفقرى للفيلم الواقعى العَربى و تحدد بظهوره اتجاهاً حَساساً فى تَطّور السينما العَربية ” و وصفته جمعية النُقاد الفرنسية بـ “مخرج عالمى متميز ” .. عُيّن أبو سيف رئيساً للشركة العامة للإنتاج السينمائى فى الفَترة مِن عام 1961م و حتى عام 1965م و تولى إدارة المؤسّسّة المِصرية العامة للسينما فى مُنْتَصَفِ الستينيات و كان هَمَهُ إيجادِ جيلٍ جَديد يكتب السيناريو الجيد لذا أنشأ معهد السيناريو و كان عَميداً له و عَمِلَ اُستاذاً فى المّعْهَدِ العالى للسينما و هو أول سينمائى مِصرى دعا لإنشاء نِقابة للسينيمائيين و كان عُضواً بِلجنة السينما بالمّجلس الأعلى للفنون و الآداب و لّجنة الفُنون بالمَجالِس القَومية المُتّخّصِصِة و مّجلس إدارة صُندوق دّعْمِ السينما و مّجلسٍْ إدارة غُرفة صِناعة السينما .. يُذكر أخيراً أن أبو سيف قد حَصَلَ على العَديدِ مِن الميداليات و الأوسِمة كان أبْرزها ” ميدالية الريادة مِن وزارة الإعلام ” و ” وسام الفُنون 1963م ” و ” جائزة أحْسن مُخرج من الدولة ” و ” جائزة أحْسن مُخرج مِن الجامعة العَربية ” و ” الجائزة العالمية ( عصا شارلى شابلِن الذهبية ) بسويسرا عام 1968م ” و أخيراً ” وسام العُلوم و الفُنون مِن الطبقة الأولى عام 1990م ” .. كان أبو سيف قد التقى أثناء فترته باستوديو مصر بزوجته السيدة ” رَفيقة أبو جَبَل ” و أنْجَبَ مِنها أربعة أبناء و ظل ينعم بحياة اُسرية هادئة مَعها و أبنائه إلى أن تُوفى فى 22 يونيو عام 1996م عَن عُمرٍ ناهَز على الـ 81 عاماً بعد مَسيرة حافِلة حَفَرَ بها لِنَفْسِه مَكانّةً مُتَمّيزة ضِمن أساطير السينما المِصرية و العَربية أيضاً .. قال عنه الناقد الفنى ‘‘ احمد رافت بهجت ‘‘ ( عَمِلْتُ مَع هذا الرَجُل لسَنَوات اكتشّفتُ فيها كم كان مُثقفاً و يَبْحَثُ دائماََ عَن تّطويرِ نَفسِه ثقافياََ الى جانبِ المَجالِ الحِرَفى و كُل الجّمعياتِ السينمائيه و الثَقافيه التى وجدت فى فتره الثلاثينيات و الاربعينيات و الخَمسينيات كان عُنصُراََ مُشْتَرَكاََ فيها بِمُشاهَدة الأفلام أو تحليلها و كِتابه نَقْدٍ عليها أو إحْضارِها لعَرضِها و عَمِلَ نَدوات بالإضافه لاحتِرافِه المونتاج و الاخراج و عندما كُنْتُ مَسؤولاََ عَن مجله السينما و المسرح كان يَمُدنا بمقالات و احياناََ كان يُتّرجِمْ مَقالاتِِ أجنبيه مِن أجْلِ انتشارِ السينما و كان بالإضافه الى ثَقافَتِه النَظَريه كان يُقّدِمْ أعْمالاً تّسجيليه و أعْمالاً قَصيره و هو يكادُ يكون أول مُخرج يّسْتّوعِبْ لُغه السينما بجَميعِ أشكالِها و عِندما تَجلسَ مَعَهُ تّشعُر بتواضعِِ شَديدْ رغم ثقافَتِه وَ عَظَمَتِه و كان هذا يُشعِرنى بِسَعادة كبيره عندما كُنْتُ أجْلِسَ مَعَهُ ) .. رَحِمَ الله صَلاح أبو سيف و تَجاوَزَ عن سيئاته و أسْكَنَهُ فسيح جَناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: