د. نيفين عبد الجواد تكنب :الصمت القاتل

 

عندما تقف الأقلية في وجه الباطل مطالبة بحقوقها وأرضها ومضحية بحياتها من أجل استعادة وطنها المسلوب، بينما لا تملك الأغلبية سوى مشاهدة المجازر الإجرامية والإرهابية من بعيد وكأنها تُرتكب ضد كائنات أخرى دونهم وليست موجهة إلى بني البشر من إخوانهم، فهذا يعني أن الصمت سيقتل الحق مرة أخرى في مصافحة دموية وغير شرعية مع الباطل. وها هي أيدي الحكام، ومن ورائهم الشعوب المكبلة بالقيود والمحرومة من حريتها، ما زالت تصافح من يقتلون وينهبون ويعيثون في الأرض فسادًا ويحسبون أنهم هم المصلحون. فإلى متى سنوالي أهل الباطل ولا نتخذهم أعداءً لنا؟!
أَهْونُ الأشياءِ في شِرعتِها
أُمّةٌ تُمحى وشعبٌ يُلتَهمْ
…..
في حِمَى الحقِّ ومن حول الحَرَمْ
أُمّةٌ تُؤذَى وشعبٌ يُهتَضَمْ
فزَع القُدسُ وضجّتْ مكةٌ
وبكت يثربُ من فرط الأَلمْ
ومضى الظُّلمُ خليًّا ناعمًا
يسحبُ البُرْدَيْنِ من نارٍ ودَمْ
يأخذ الأرواحَ ما يَعصِمُها
مَعقلُ الحقِّ إذا ما تَعتصِمْ

الشاعر المصري “أحمد محرم” [1877-1945م]

لقد صمدت الصحفية الفلسطينية “شيرين أبو عاقلة” [1971-2022م] مع زملائها في وجه الرصاص الإسرائيلي لمدة ربع قرن كي تنقل ما تراه من مشاهد القمع والقتل وسفك دماء الأبرياء من أهل بلدها وتهجيرهم من وطنهم وتعذيبهم في الأسر إذا ما قاوموا، ولكنها لفظت أنفاسها الأخيرة وهي مرتدية سترتها الصحفية بعدما نقلت خبر الاشتباكات المتكررة –والأخيرة وليست الآخرة– بين قوات الاحتلال الإسرائيلي وفصائل المقاومة الفلسطينية في مخيمات جنين بالضفة الغربية المحتلة. فلماذا أصرت تلك المرأة العربية التي أصبحت “أيقونة الصحافة العربية” على ذلك الصمود في وجه الاحتلال البغيض، بينما آثر غيرها الهروب من مواجهته أو مجرد العزم على مقاومته؟!
إن الجنسية الأمريكية التي كانت تحملها الصحفية الفلسطينية “شيرين أبو عاقلة” لم تمنع عنها غدر الكيان الصهيوني بها؛ وذلك لأنها كانت تفضحه أمام العالم أجمع، فيا تُرى ما فائدة تلك المحاولات لنقل الحقيقة ما دامت القدرة على نصرة الحق في وجه الباطل لم تعد متوفرة لدى أولئك الذين إذا ما توحدت كلمتهم فسيحررون أوطانهم وينتصرون على أهل الباطل؟
مصرُ ناجِي من فِلسطينَ الرُّبَى
وابْعثي صوتَكِ من أعلى الهَرمْ
وإذا أعوز هَمٌّ أو أسًى
فاستمدِّي الهمَّ من هذا القَلمْ
وخُذِي مَعْنَى الأَسَى عَنْهُ فما
لكِ من مَعناه إلا ما نَظمْ
الشاعر “أحمد محرم”
يقول الأديب والمفكر المصري “عباس محمود العقاد” [1889-1964م]: مضى الفراعن والأوتاد راسخة .. كالطود بين جذور الأرض والزمن، فهل ذلك الاستبداد العام والمهيمن على الأرض الآن هو سبب السلبية التي استفحلت في حياة الشعوب فلم تعد لديهم أية قدرة على الحركة الحرة؟ وماذا بعد أن يكون كل شيء سيَّان عند الناس، فلا تكون هناك أية مقاومة أو اعتراض على الظلم ولا يكون هناك أي فرق بين النور والظلام أو بين الحق والباطل، فكل شيء سيان؟!
إن قيل بالحق أو البهتان
دعهم يقولون، وقل: سيان
سيان مهما افترق الضدان
سيان مهما اختلف الخصمان
سيان ألفٌ هي أو ألفان
سيان بيدٌ هي أو مغان
سيان نور أو ظلام فان
سيان من يلهو ومن يعاني
قلها ببرهان ولا برهان
وأنت أنت أحكم الزمان
وإن تصدوا لك بالنكران
أو ضحكوا سخرًا فقل: سيان
عباس محمود العقاد

لقد قررت “شيرين” أن تشهد بالحق وأن تقف في وجه الباطل من خلال عملها ومهنتها التي أتاحت لها أن تؤدي رسالتها فماتت وهي واقفة على قدم ثابتة إلى أن أردوها مُدرَجة في دمائها بعدما وجَّهوا رصاصهم القاتل نحو رأسها لأنها تلك الرأس التي لا يريدون لها أن توجد في مواجهتهم. فماذا عن أولئك الذين سلَّموا كلياتهم لغيرهم أو لأهوائهم وشهواتهم مقابل ثمن زهيد لن يتيح لهم أن ينالوا في يوم من الأيام ذلك الشرف الذي نالته “شيرين أبو عاقلة” باستشهادها؟ فهل حقًّا قد خسرت “شيرين” حياتها بلا مقابل؟ أم أنها قد كسبت كل دقيقة أمضتها من حياتها في صراع متجدد مع الباطل بقدر استطاعتها وبأكثر الطرق سلمية؟
وهل سننصر “شيرين” بعد موتها مثلما حاولت هي أن تنتصر للحق في حياتها؟ أم سنخذلها مثلما خذلنا من سبقوها من الشهداء الذين طوينا صفحات بطولاتهم من ذاكرتنا كي لا تحرك فينا أية هبَّة قوية في وجه أعداء الحياة والإنسانية والسلام؟
كلكم كلكم مع الغالب الظالم لا تعدموا من الظلم رغما
لو وقفتم يومًا إلى جانب المغلوب ما فاز غالب قط ظلما
عباس محمود العقاد

لقد سطع وجه “شيرين” أمام الجميع وسط تلك الظلمة الحالكة المحيطة بنا لأنها تمسكت بحبل الحرية فتحررت روحها من جسدها منذ بداية عزمها على الوقوف في وجه الباطل وذلك قبل أن تفارق الحياة رميًا بالرصاص الغادر الموجه مباشرة إلى رأسها. فهل بموت “شيرين” سيصمت كل صوت ينصر الحق أمام الباطل، أم سيظل هناك دائمًا صوت مدوٍ للحق في وجه الباطل ولن يستطيع القضاء عليه كل رصاص الاحتلال وكل مقذوفاته النارية؟
لا تُنكروا الحقَّ إنّ الحقَّ قد سطعا
أشقى الشُّعوبِ وأولاها بمرحمةٍ
شَعبٌ تَلقَّفَهُ الغاوونَ فانْخدعا
….
يا رافعي علم الجهاد تقدّموا
ودعوا صفوف المُحجِمين وراءَ
خُوضوا الكريهةَ حاسرين فإن طغت
لُجَجُ الملاحمِ فاركبوا الأشلاءَ
لستم بني الشهداءِ بورك عهدهم
حتى تكونوا مثلهم شهداء
الشاعر أحمد محرم

فأيا مُحطمًا قيده والأغلال .. مالك قد رهبت عدوك وراقت لك الأغلال؟
كيف ما زلت تحيا حياة العبيد .. حتى نسيت ما كان للحرية من جلال؟!
رحم الله “شيرين أبو عاقلة” التي خضبت بدمائها الزكية أرض وطنها، والتي لطخت بنفس تلك الدماء الطاهرة كل يد آثمة شاركت في اغتيالها وكل فم عاجز لسانه عن نصرة الحق.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: