قراءة نقدية بقلم الأديب السوري أحمد اسماعيل للقصة القصيرة ” خواء ” للأديب السوري نبيل نجار

قراءة نقدية
بقلم الأديب/ أحمد اسماعيل
للقصة القصيرة: خواء
للأديب/ نبيل نجار
__________
عين
على الخواء في القصة القصيرة للكاتب السوري أ. نبيل نجار

مقدمة ونظرة لعلماء النفس والفلسفة
قبل الشروع في هذا النص الفاخر سأقوم بإنعطافة إلى آراء الفلاسفة وعلماء النفس بمعنى الخواء لأن النص قبل كل شيء يصدر حالة نفسية تتمثل عند الزوج و عند الزوجة
يقول أرسطو: الطبيعة تكره الفراغ و الحياة أيضا لا تحتمل الفراغ و لا تأبه بالفارغين، لأننا في سباق أزلي أبدي نحو النهاية المجهولة المشوقة التي نفني أعمارنا في سبيلها.
وقبل الحديث عن الفراغ دعوني أتحدث عن العشوائية، فهي مرض ملازم للفراغ و دليل دامغ على وجوده، و العشوائية تكون في التفكير و التصرف، لذلك نجد اي مصاب بها كما يقول المتنبي
(كريشة في مهب الريح ساقطة لاتستقر على حال من القلق) .
كل يوم بحال و فكر، ولذلك نجد المبتلى بهذا النوع من العشوائية متخبطا كل يوم مع صديق و كل يوم مع حبيبة، وهنا تطرق الكاتب لذلك من خلال الزوج وعلاقاته في الفضاء الأزرق و النفاق الأدبي الذي يعيشه.
الروح و العقل ركنا كيان الإنسان إذا حدث فراغ في أي منهما فهذا يعني خللا جوهريا سوف يحدث
أولا الفراغ الروحي : يفقد فيه الإنسان الإحساس بالأشياء، فالفراغ يحرمه لذة البكاء و الإنتشاء بقبلة و الفرحة البريئة بأبسط الأشياء الجميلة وتكون نتيجة للعشوائية التي تكلمنا عنها سابقا تارة و تارة نتيجة صدمات القدر الأخرى.
الفارغ روحيا ضحية و ليس جلادا، قد يكون ضحية ذاته المتخبطة كما في حالة الزوج أو ضحية لقدره المتوحش كما في حالة الزوجة، وشفاء الثاني ممكن لكن شفاء الأول صعب كما يراه علماء النفس، وهذا مانجده جليا و واضحا في النص فالزوجة انتصرت على أوجاعها و قدرها و فازت لكنها بقيت في حالة بحث عن فوزها بزوجها.
والزوج بقي في خوائه و لم يصدق فوز زوجته بل و فوق ذلك شكك في نزاهة المسابقة ثم في النهاية إلى خواء أكبر يحمل معه اكتئاباته و هروبه من واقعه
ثانيا: الفراغ العقلي
وهو ليس خطيرا بقدر خطورة النوع الأول و يمكن أن نعبر عنه ببساطة قولنا : أن الحياة مخرج عبقري يوزع الأدوار على أساس الإمكانيات وبلا مجاملة والاقتناع بهذا الأمر هو ما يخرج الإنسان من دوامة الخواء
وهذا متمثل بالقصة من خلال دور الزوجة التي رفضت عرض الزوج المتوج دائماً بالأوسمة الفارغة و كتبت معاناتها كقصة
كل هذا الذي تحدثنا عنه هو فراغ يأتي من داخل الإنسان، لكن هناكنوع من الفراغ يأتي من خارجه يفرضه عامل الزمن و الوقت وفي ذلك أذكر مقولة برتراند راسل
( الوقت الذي تستمتع به ليس وقتا ضائعا، و الفراغ الذي هو اللاشيء هو أن تقضي عمرك دون أن تفعل شيئاً و دون أن تسعى إلى شيء أو تحس بشيء)
ستكون بهذه الحالة أبعد عن نفسك و دورك في الحياة و هذا ما أراد الكاتب أن يسلط الضوء عليه من خلال الزوج فانغماسه بالفضاء الأزرق جعله بعيدا عن نفسه و عن واجباته في الحياة و عن زوجته و جنينها.
السؤال الذي يطرحه النص عميقا ماسبب موت الجنين و
ولماذا أهملت جنينها في فترة الحمل رغم شغفها برؤيته مبصرا للضوء
لماذا كتبت عنه الزوجة كمعاناة
ياترى لو استمع الزوج لاوجاع زوجته هل كانت بادرت بالكتابة عنها
بلا شك كل الأطباء يركزون على الحالة النفسية للأم و يشددون على عدم التوتر
لاحظوا براعة الكاتب و هو يعبر عن الفكرة باختزال رائع
( أو ربما أشرت إلى الكوابيس الزرقاء التي أفقدتني فيها صرخات طفلي الصامتة لحظات نومي النادرة)
هذه العبارة تشخيص كامل للمأساة
بداية بالكوابيس الزرقاء التي يسببها الزوج من علاقاته مع الجنس الآخر فأشد مايصيب الزوجة بالكوابيس تلك العلاقات الفارغة و قد أشار الكاتب إليها بمجاز آخر بقوله
( قلوب حمراء لاتسمن و لاتغني من جوع)
هذه العلاقات جعلت الزوج فارغا و بعيدا كليا عن بيته وحياته الطبيعية وهذا كان واضحا من خلال السرد فحتى فرحة الفوز لم يشاركها مع زوجته بل ابتعد إلى عالمه الافتراضي الفارغ
التشخيص الثاني و هو لحظات النوم النادرة و هذا نتيجة مراقبة الزوج و تلف أعصابها و هو يسقط مرة تلو الأخرى في الفراغ، وكل الأطباء يشيرون إلى أهمية النوم لاكتمال نمو الجنين و خروجه بصحة جيدة للحياة.

الخواء لغويا
هو الفراغ بين شيئين (معجم المعاني)
و في( معجم لسان العرب) بمعنى خالية أو ساقطة
يقول تعالى : فهي خاوية على عروشها أي خالية وقيل ساقطة على سقوفها
والكاتب هنا ببراعته جمع المعاني من خلال عتبته العنوانية
فالفراغ ظاهر في السرد بحالة الزوج و الزوجة و الجوائز في الأزرق و ظلالها
أما المعنى الثاني و هو ساقطة فقد اخذت بمعنى مجازي من خلال انهيار و سقوط العلاقة الزوجية و فقدانها أبعادها بترك الزوج زوجته و عدم اقتناعه بما يحصل و هروبه لواقعه الافتراضي المزيف و استمرار حالة المأساة عند الزوجة
فالزوجة هنا لم تكن تريد بديلا عن جنينها الميت هي في خوائها تبحث عن حل لإنقاذ زوجها من خوائه
حتى فوزها لم ينتشله من ضياعه
كيف تبحث عن بديل و المأساة يمكن أن تسقيها كأسا أكبر مرارا…. هي هنا في سقوط مستمر كما حال زوجها
فبين المطلع و الخاتمة يرصد الكاتب المفارقة بين الفوز و السقوط والفراغ في لغة مدهشة قوامها المأساة و الألم

اللغة البنائية للسرد
1_ الدخول المذهل للسرد من خلال كلمتين فزت! ؟ معقول! ؟
مع مزيج من التساؤل و التعجب و الذي أمسك المتلقي بكل ملكاته و أحاسيسه و جعله يتلمظ ليعرف ماهو طبيعة هذا الفوز و أسبابه و نتائجه.
2_ استخدام الكاتب لغة المفارقة و منحه مسرحا ساخرا من خلال اللعب على وتر النجاح في الواقع و في الفراغ في مواقع من النص.
3_ أشار الكاتب على فكرة الاعتماد على الذات بعيدا عن فكرة القوالب الجاهزة البعيدة من خلال عرض الزوج للزوجة أخذ أحد قصصه لتشارك بها و رفضها العرض بل و فوق ذلك إشعال التحدي في ذاتها لتصنع الفارق.
4_ استخدام رائع للتناص في السرد من خلال محاكاته للمثل ( من يضحك أخيرا يضحك كثيرا)
و هذا ما رسمته حرفية الكاتب من خلال قوله في المطلع
( يومها ضحك، ضحك حتى كاد ينقلب على قفاه) أما الخواتيم فكانت من خلال تصرفات الزوج و أقواله و تدرجاتها و الإخراج الفني الرائع لها بعد صدى فوز زوجته.
5_ لعب على وتر المونولوج الداخلي و خاصة مع لحظات الولادة التي كانت حالة ألم و سببا في فراغ روحي كبير للزوجة
6_ تسليط الضوء على الجائزة و الرجوع إلى حالة الخواء في الخاتمة المدهشة من خلال قول الزوجة ( أنا لم افز…) فهنا هي على نقيض الزوج تبحث عن زوج تشاركه نشوة فوزها
فالزوج يشارك أوسمته و جوائزه كل من يحبه في تصوره في عالم الأزرق.
فالزوجة رغم كل من هنأها من الخارج لم تظفر بتهنئة زوجها لذلك هي في حالة خواء جديدة و يمكن أن تكون أقوى و أكبر.
والدليل تفسيرها للفوز ( لم أفز بل فازت مأساتي)
فهل انتهت مأساتها ابدا فها المأساة صارت متوجة على عرش حياتها و تذيقها مرارا أكبر

تحية للكاتب الذي برع في رصد هذه الحالة النفسية بكل أبعادها
وقبلة على جبين صباح أطل علينا بكل هذا العطر
محبتي للرائع أ. نبيل نجار و طوق ياسمين

بقلمي أحمد اسماعيل /سورية
________
نص القصة:
خواء
ـ فزت!؟ معقول!؟.
أطلقت صيحة انتصار رافعة قبضتي اليمنى، لم ألمح في غمرة فرحتي اصفرار وجهه وشحوب ابتسامته وفتور كلمة مبروك التي خرجت مبتسرة مغتصبة. زوجي.. الكاتب الكبير، الذي تتسابق صفحات الفيس على إبداعاته، وتغص صفحته بإشعارات التكريم والفوز في المسابقات.
كان يفوز دائماً، نعم يفوز بتلك المسابقات المجانية التي لاتمنح إلا شهادات وإعجابات وقلوب حمراء لاتسمن ولاتغني من جوع، أما هذه المسابقة فقد كانت لها سمعتها الأدبية بجائزة ضخمة ويتقدم لها الآلاف من كل البلدان.
قال لي يومها وهو يفاضل بين قصتين من قصصه: تعرفين، أفكر بارسال واحدة باسمي وواحدة باسمك، هكذا تكون فرصتنا بالفوز أكبر.
قلت له: ولماذا تكتب عني؟ سأكتب واحدة بنفسي
يومها ضحك، ضحك حتى كاد ينقلب على قفاه!.
ردة فعله على فوزي مرت بعدة مراحل؛ ابتدأ بالإنكار فلم يصدق أن اسمي هو الذي تصدر منشور التتويج، فكر أنه تشابه أسماء رغم أن صورتي مرفقة، ثم تحول للتبرير بالتحيز، قال: بأن الحكام ينحازون للنساء يتبرعون بالتقييمات المرتفعة لأي كعب عالٍ وصدر ناهد.
لاحقاً انتقل للمقاومة السلبية خاصة عندما انهالت علي مكالمات التهنئة والتبريكات، أهمل مظهره، أرخى لحيته، وبدأ بالغياب عن المنزل على غير العادة.
صدقوني لم أكن أفكر بالفوز أصلاً عندما كتبت ولا
عبرت ببالي الفكرة، صحيح أن سخريته المريرة استفزتني، ولكنني عندما بدأت الكتابة انجرفت، لم أستطع التوقف كقارب صغير يقترب من شلال.
صورت ـ في قصتي ـ مشاعري أثناء حملي، فرحي بتلك الهبة الإلهية التي سكنت أحشائي، احساسي بطائر القطا الصغير الذي أنار عتمة رحمي عندما اتخذه عشاً بعد فراغ طويل، نبضات قلبي الراقصة التي تقاسمناها نغمات فرح وانتظار، كثيراً ماكنت أشعر بأن بطني يشع بذلك الألق الملائكي الناجم عن معجزة الخلق فأسارع للمرآة لأناظر النور المنبعث.
حركات جنيني، نبضاته، معاناتي كل شيء استعذبته وأحببته حتى آلام المخاض احتملتها بشوق رغم أنها كانت ترجني تصهرني وتشقني.
عندما أخرجته الطبيبة كنت فعلاً أظن أنني سأرى كائناً نورانياً يملأ الغرفة بالضياء، إشعاع الفرح الذي منحني إياه كاد يغشي بصري.
الطبيبة القاسية صفعته على مؤخرته بعد أن قلبته
اختلجت شفتاه الرقيقتان، تحركت أرنبة أنفه، فتح فمه وصاح..صرخ ولكن صرخته لم تحرك الصمت
صرخة بلاصوت جعلت الينابيع تتدفق في صدري.
كررت الضرب برفق على الظهر بلاجدوى، لونه بدأ يتحول للأزرق المرعب وصار يختلج كسمكة على شاطئ، ركضوا به للحضانة وتركوني، كلهم ركضوا، أخذوا كائني النوراني وتركوني.
وعندما عادوا، عادوا بدونه؛ أعينهم.. تمتماتهم تربيتاتهم المواسية كانت تطفح بالخواء.
ربما أقول ربما ألمحت في قصتي أن صدري المتصلب تحول لحجر رحى يفتت قلبي بدورانه، أو ربما أشرت إلى الكوابيس الزرقاء التي أفقدتني فيها صرخات طفلي الصامتة لحظات نومي النادرة.
أو ربما صرحت فيها باتهاماتي لنفسي بالإهمال لأنني نسيت في غمرة فرحتي بحملي نسيت أن أكمل تكوين رئتيه، أو بالتوحش عندما أتخيل رحمي وحشاً بأسنان التهم أعضاء طفلي التنفسية.
كتابة تلك القصة صدقوني فجرت ذلك السد الذي جثم على عقلي فبكيت، كسيل، كطوفان انفجرت دموعي!.
هل فهمتم لماذا فازت قصتي؟ أنا لم أفز، لم أفز بل مأساتي.
نبيل نجار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: