للرجال وجوهٌ أخرىٰ .. بقلم : خالد جهاد

(للرجال وجوهٌ أخرى) ..

ارتبطت المرايا بالنساء، وبإهتمامهن الدائم بجمالهن وإطلالتهن.. مساحيق التجميل وخصال الشعر المتناثرة والعطور التي تظهر في انعكاس الصورة تماماً كما تظهر الوجوه، فلا يبقى للرجل شيء أمام هذا الإختراع المسمى ب”المرآة” سوى الحقيقة، أو تبادل النظرات الخجولة بينه وبين روحه التي تظهر أمامه لتحكي له مافشل في أن يحكيه للآخرين، فيتأمل الزمن الذي مشى خطواته على طرقاتٍ ممتدة بين عينيه في رحلة ٍ من صمت الوجدان الذي لا يأبه بثرثرة اللسان لأنه جمهورية ٌ مستقلة عن قلبه، له حساباته ومصالحه وأحياناً واجباته، فيقول ما يخدمه لا مايشعره، في حالة اغترابٍ حقيقي بين ما يتمنى أن يعيشه وبين مايجب أن يفعله، لأنه يتوهم طوال الوقت بأنه يمثل دور البطولة بينما هو ممثلٌ ثانوي في قصة أحدهم، يجتهد كثيراً ليطور أدائه ويتفانى في تأدية “مهمته” أملاً في الوصول إلى حلمه الذي يكتشفه سراباً كلما اقترب منه، فيتحول وجهه الذي يطالعه في المرآة إلى مجرد “وجهٍ مستعار” مثل الشعر المستعار يغيره بحسب الحالة والأشخاص ليواري خيباته وأحزانه وسطوره السرية التي تكتب عواطفه في نظرات عينيه الممتلئة بالقلق والشك والخوف..

الخوف.. فعلاً الخوف هي الكلمة التي تجسد ما نشعر به لكننا اعتدنا على الحديث بشكل لا شعوري عنه كصفةٍ ملتصقة بالمرأة، كونها كائناً رقيقاً ولا مشكلة من أن تعبر عن مشاعرها لأنها “امرأة”، يمكنها أن تبكي وتتألم وتذرف الدموع وتحكي عن الحب بشكلٍ عادي، بعكس الصورة النمطية التي سرقت من الرجل إنسانيته دون أن يدري وصادرت حقه في التعبير عن ما يتعب روحه، لأنه يجب أن يكون “قوياً” و”صلباً”، لا يبكي لأن “الرجل لا يبكي” ولا يجب أن يبوح بحبه لأن الحب “ترف”، والحب يجعل الإنسان “ضعيفاً” والضعف ليس من صفات “الرجال”، وفيما يتغنى الشعراء عبر التاريخ الإنساني بالحب لا ندري لماذا ينسى الناس أن أغلب الشعراء كانوا رجالاً، وأنهم عبروا عن مشاعرهم وأن الأحبة كانوا يتبادلون القصائد، لماذا في هذا العالم المتغير تتغير مفاهيم ٌ كثيرة بعضها محق وبعضها لا يجب تغييره إذا استخدمنا عقولنا دون الإنسياق خلف تياراتٍ مختلفة لكلٍ منها أهدافه، ولا تتغير النظرة نحو ما يجب أن يكون عليه “الرجل”..

فأين انسانيته، أحزانه، مشكلاته، مخاوفه، أحلامه، خيباته..ولماذا يدفعه المجتمع إلى الجمود الذي يتضاعف أحياناً عندما تصطدم عواطفه بقسوة (البعض) من النساء اللواتي تجدن أن المشاعر ليست شيئاً “واقعياً” أو “عملياً” مع متطلبات الحياة اليومية، وقد تكون هذه المرأة أحياناً حبيبته أو زوجته أو حتى أمه أو أخته لأنهن اعتدن على صورةٍ معينة للرجل يرفضن عكسها وإن كن يحببنها، مما يدفعه إلى الإنزواء والصمت الطويل، والتحديق في المرآة ليرى روحه عاريةً مع ملامحه التي غيرها الزمن، واستبدلت وجهه الحقيقي بوجوهٍ أخرى كثيرة، يتنقل بينها مثل الأماكن بعد أن رفض الجميع رؤيته..ماعدا المرآة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: