نسيم قبها يكتب : توسيع الجبهات في وجه روسيا

انقلابا الاستراتيجيا  في سياسات بعض الدول الأوربية منذ الحرب العالمية الثانية بات واضحا وواقعا مؤخرا   ،  مثل التحول الألماني إلى تعزيز القدرات العسكرية، وإعلان كلٌ من السويد وفنلندا مؤخرًا سعيهما للانضمام إلى الحلف الأطلسي؛ لضمان أمنهما أمام تهديدات روسيا.
وفي مقابل التحذيرات الروسية لكل من السويد وفنلندا بعدم السير في طلب الانضمام إلى الناتو، رحب الرئيس جوزيف بايدن ووزيرا الخارجية والدفاع الأميركيين بشدة بالطلب السويدي والفنلندي معتبرين ذلك بمثابة زيادة قوة لحلف الناتو. ومن جانبها لم تفارق بريطانيا الموقف الأميركي، حيث توجه رئيس وزرائها بوريس جونسون في زيارة إلى كل من فنلندا والسويد يوم 11/5/2022، ووقع مع الجانبين السويدي والفنلندي تعهدًا أمنيًّا بحماية الدولتين. هذا وقد رحبت كلٌّ من ألمانيا وفرنسا بمساعي السويد وفنلندا للانضمام إلى الحلف عبر تغريدة للرئيس الألماني وبيان رئاسي فرنسي. وفي خِضم الاحتفال بطلب السويد الانضمام إلى حلف الناتو وفي موقف يشي بإذعان السويد والدول الأوروبية للإرادة الأميركية قال المعارضون اليساريون في السويد إن الحكومة تعدو مثل باقي القطيع في نفس الاتجاه.
ومن جانب آخر وعلى خلاف موقف كل من أميركا وبريطانيا وبقية دول أوروبا الغربية، أبدت تركيا معارضتها الصريحة لانضمام السويد وفنلندا. مبررة ذلك بسبب ما أسمته بـ”مخاوفها الأمنية المشروعة” وهو ما صرح به الوزير التركي جاويش أوغلو في لقائه يوم 18/5/2022 مع وزير الخارجية الأميركي في نيويورك، وذلك وسط تكهنات بأن الموقف التركي إنما جاء انحيازًا لروسيا المنخرطة في حرب مع الغرب. وبخاصة وأن تركيا قد أطلقت حزمة شروط لقاء تغيير موقفها من انضمام السويد وفنلندا إلى الحلف الأطلسي. مما يدل على أن الرئيس أردوغان قد استغل الفرصة للاستثمار في ضم فنلندا والسويد إلى الحلف لتحقيق مكاسب نفعية وسياسية تُخفف من استهداف الاقتصاد التركي وتحد من تسخير الدول الأوروبية والولايات المتحدة لقوى المعارضة في تقويض النظام التركي. بالإضافة إلى استثماره للمسألة في طي ملف العقوبات التي حرمت تركيا من امتلاك التقنيات الحربية ومنظومات الدفاع الجوي وطائرات (إف 35) الأميركية على إثر صفقة صواريخ “إس 400” مع روسيا، واستثماره أيضًا في تحقيق اختراق وتثبيت للواقع الذي فرضه عسكريًّا على حزب العمال الكردستاني وذارعه السوري “قسد”، واستكمال المنطقة الآمنة بعمق 30 كيلو مترًا في الشمال السوري، معتمدًا على موقفه “المتوازن” من الحرب الروسية الأوكرانية، وانشغال روسيا في الجبهة الأوكرانية والحملة الأميركية الأطلسية وتداعياتها الاقتصادية على كل من روسيا وأوروبا. حيث أعلن أردوغان في خطاباته الأخيرة أن تركيا لن تقدم دعمها لانضمام الدولتين إلا بعد تنفيذ

مطالبها بشأن حزب العمال الكردستاني والعقوبات المفروضة على بلاده. وقد بالغ في تصلبه حيال انضمام فنلندا والسويد لعضوية الناتو، حيث صرح يوم 16/5/2022 بقوله “لا داعي لزيارة الوفدين الفنلندي والسويدي إلى تركيا إذا كان الهدف منها إقناعنا بقبول انضمامهما للناتو”. ما يعني أنه يحاول عرقلة انضمامهما مؤقتًا لكسب الموقف الروسي حيال توسيع المنطقة الآمنة في الشمال السوري لتقويض فكرة الكيان الكردي، والإفادة من تلك المنطقة في تشجيع اللاجئين السوريين للعودة إلى ديارهم، وسد ذريعة المعارضة التركية التي لا تزال تعزف على وتر اللاجئين لتأليب الشعب على الحكومة. وهذا ما يُفسّر قوله: إن “تركيا ستميز مجددًا في هذه المرحلة، بين من يحترمون حساسياتها الأمنية، والذين لا يكترثون سوى لمصالحهم، وأنها ستصوغ سياساتها مستقبلًا على هذا الأساس”. وهو خطاب موجه لكل من روسيا وأميركا وأوروبا. إذ لا يخفى أن مواصلة روسيا والنظام السوري لغاراتهم على إدلب والشمال السوري إنما هو تذكير لأردوغان بعدم الابتعاد كثيرًا في مواقفه إزاء الإملاءات الأميركية.
أما موقف أميركا من عزم أردوغان على التحرك في الشمال السوري، فقد جاء على لسان المتحدث باسم الخارجية الأميركي نيد برايس والذي قال: “إن واشنطن تشعر بقلق بالغ إزاء التصاعد المحتمل للأنشطة العسكرية في شمال سوريا” وطالب بـ”التزام تركيا بالبيان المشترك الصادر في أكتوبر/تشرين الأول 2019 بخصوص العمليات العسكرية الهجومية في سوريا”. كما جاء الرد الأميركي أيضًا من خلال سعي السفارة الأميركية في أنقرة عبر بيان لها إلى توفير غطاء وحماية لمظاهرات قوى المعارضة للتشغيب على أردوغان، ومن خلال استنفار علي باباجان وأحمد داوود أوغلو وإطلاق تصريحات تدعو المعارضة إلى رص الصفوف في مواجهة أردوغان في انتخابات العام المقبل، وكل ذلك يأتي في سياق الضغط على أردوغان وتليين موقفه حيال عضوية السويد وفنلندا وثنيه عن التحرك العسكري المزمع في الشمال السوري، وفي سياق التحضير لتقويض فُرص حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المقبلة. سيما وأن الولايات المتحدة ترى بتعنت أردوغان ابتزازًا؛ لإدراكه أهمية ضم السويد وفنلندا إلى حلف شمال الأطلسي، وأثره على تطويق روسيا، وعلى أمن القارة الأوروبية التي ستواجه بؤرة توتر جديدة في المستقبل على إثر النزاع الروسي الفنلندي الحدودي المجمد، والقابل للانفجار وتعميق حالة عدم اليقين بين روسيا وأوروبا.
وأما الموقف الروسي حيال طلب انضمام السويد وفنلندا للحلف الأطلسي، فقد أعلن الرئيس بوتين يوم 16 أيار/مايو الجاري: أن “روسيا ليس لديها مشاكل مع السويد وفنلندا” لكن “توسع الناتو على أراضيهما سيتطلب

ردًا من جانبنا”. وأضاف: إن “توسع حلف الناتو هو مشكلة مصطنعة لمصلحة واشنطن”. ويتضح من موقف بوتين أنه لا يملك سوى التنديد والتهديد الذي لن يمنع من انضمام الدولتين، بقدر ما يبعث برسالة مزدوجة إلى كل من جورجيا وأوكرانيا اللتين يشكل توسع الناتو فيهما تهديدًا خطيرًا للأمن القومي الروسي، وإلى الدول الأوروبية التي تدرك أهداف الولايات المتحدة من توسيع الحلف، وتدرك تداعيات ذلك على الأمن الأوروبي بكل جوانبه. وفي هذا السياق صرَّح المتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف للصحافيين أن “توسيع الناتو واقتراب الحلف من حدودنا لا يجعل العالم وقارتنا أكثر استقرارًا وأمنًا”.
وأما التعهدات الأمنية التي أبرمتها بريطانيا مع كل من السويد وفنلندا فتهدف إلى ربط الدولتين بحلف الناتو من بوابة بريطانيا، ريثما يجري ضم الدولتين إلى الحلف رسميًا؛ ذلك أن بريطانيا عضو في حلف شمال الأطلسي، والتزامها بحماية فنلندا والسويد، يرتب تدخلًا أطلسيًا بمقتضى المادة الخامسة في ميثاق الحلف، والتي تنص على أن أي هجوم على إحدى الدول الأعضاء هو هجوم على جميع أعضائه. كما تسعى بريطانيا من خلال التظاهر بالكفاءة العسكرية والقدرة على الحماية والردع إلى المنافسة والتأثير في القرار الأوروبي من بوابة حلف الناتو بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، وهو الدور الذي أوكل إليها من قبل واشنطن كما تبين من مناوراتها السابقة في البحر الأسود واتفاقياتها الأمنية الأخيرة مع اليابان، سيما وأن الاتفاق الذي أبرمته مع السويد وفنلندا جاء في سياق الحرب الروسية على أوكرانيا، وهو الأمر الذي يُظهر بريطانيا كدولة كبرى بدأت العودة للسياسة الدولية، وهو ما يمنحها مكانة دولية أكبر من حجمها الحقيقي.
وأما على صعيد الأهداف الأميركية، فلا يخفى أن توسيع حلف الناتو بضم فنلندا والسويد، سيحقق جملة أهداف، منها توسيع الجبهات على روسيا وتشتيت انتشارها العسكري ومركزة استراتيجيتها العسكرية حول الدفاع، وتوجيه الاقتصاد الروسي في الاستثمار العسكري واستنزاف الاقتصاد الروسي وإبعاده عن الصناعات المدنية ذات الأبعاد التنافسية، والقضاء على فكرة إنشاء قوة عسكرية منفصلة عن حلف شمال الأطلسي، نظرًا لعجز الدول الأوروبية عن التغطية الدفاعية لخواصر أوروبا الرخوة في الجبهات الشرقية والجنوبية، والجبهة الشمالية الجديدة، والتي تمتد على مسافة 1300 كيلو متر على الحدود الفنلندية الروسية وحدها. وهذا بالإضافة إلى أن توسيع حلف الناتو سيعزز تبعية الدول الأوروبية للولايات المتحدة ويعزز سوق السلاح الأميركي الذي تعتمد عليه دول الحلف، والذي يَدُرُّ مئات المليارات من الدولارات على الخزانة الأميركية. ولهذا لم يكن سعي الولايات المتحدة لتوسيع الناتو وإدامته بعيدًا عن ضغوط المجمع العسكري النافذ في صنع القرار الأميركي؛ وهو ما أكده القاضي المحامي العام السابق للجيش الأميركي، تود بيرس في حديثه عن سيطرة شركة “لوكهيد مارتن” على سياسات الأمن القومي للولايات المتحدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: