د. نيفين عبد الجواد تكتب :قيود وأغلال

 

الخوف قيد، والجهل قيد، والهوى قيد، والوهم قيد، والشهوة قيد، والاغتراب قيد، والضعف قيد، واليأس قيد، والظلم قيد، وفي ظلمة القلب قيد، وفي ظلمة الروح قيد، وفي ظلمة البصيرة قيد، حتى الحب له أغلال؛ بل إن الاستقامة قيد، والصدق قيد، والعدل قيد، والمسؤولية قيد، والإيمان قيد، والطريق إلى الحقيقة بكل ما فيه من عقبات لا يفرض طوال الوقت سوى العديد من القيود برغم كل ما يمنحه من حرية غير ظاهرة. أي إن الحياة برمتها ليست سوى مجموعة من القيود التي تُفرَض علينا أو نُلزِم بها أنفسنا، فأين السبيل إذن إلى التحرر من كافة القيود والأغلال؟!
إن الخوف من كل شيء إذا سيطر علينا فلن يهدأ بالنا ساعة واحدة، وسيتحول بالتدريج خوفنا إلى رُهاب يمنع عنا الاستمتاع بالحياة، وعندئذٍ لن نقوى على المواجهة وسنفقد قدرتنا على المقاومة، أما إذا ازدادت ثقتنا بأنفسنا وبقدرتنا على تحقيق أهدافنا فسنتخطى الصعاب التي تمر بنا وسنتغلب على ضعفنا وخوفنا، فلن يخيفنا المرض، ولن يقهرنا الألم، ولن تفجعنا النوازل والملمات، ولن يرعبنا الموت، ولن يُرهِبنا طاغية أو مستبد. وبالتالي كلما نجحنا في استدعاء شجاعتنا وقوة إرادتنا فسنقف بثبات أمام العواصف مهما كانت عاتية، وعندئذٍ سنخرج من عتمة الخوف ومجاهله المظلمة إلى سعة النور والحرية ورحابتهما.
والتمسك بتحصيل العلم هو أهم ما يساعدنا على التغلب على الخوف من أي شيء ما دام سيقضي على جهلنا وسيخلصنا من الأوهام والخرافات، أما اللجوء إلى الدين فمن المفترض أن يقضي على خوفنا من كل شيء ما عدا خوفنا من خالقنا وخشيته في السر والعلن. ولن يمنحنا التدين تلك القوة وتلك الشجاعة وذلك الصدق في الإيمان إلَّا إذا كان تدينًا حقيقيًّا وليس مجرد تدين ظاهري يهدف إلى نيل إعجاب الآخرين واستحسانهم من أجل البقاء بسلام ضمن السرب الذي قُدِّر الوجود فيه والعيش في محيطه دون سواه. وذلك النوع من التدين الحقيقي هو تدين مستنير وواعٍ يقوم على التحصيل والفهم وعلامته هي انشراح الصدر ونور في الوجه ودوام الاستبشار بنعمة من الله وبفضله؛ لذلك فهو لا يعرف التضييق أو التشدد، ولا يقوم على القهر أو التزمت، بل يسير في طريق الاستنارة ودوام التعلم من أجل التفكير السليم وبحرية.
فبالرغم من أن الدين بالقطع يفرض القيود الملزمة من حلال وحرام، ويُحتِّم على المؤمن الصبر والتصبر والتحمل والرضا أملًا في الثواب وحسن العاقبة، إلَّا إنه في المقابل يُحرِّر المرء من قيود اليأس والقنوط والتشاؤم، والحسرة والسخط، والعزلة والأنانية، و الكِبر والطمع، ويفك أسره من أغلال الشهوات والأهواء، ويجعله أقوى من من السقوط في الزلات والنزوات، وأقدر على التخلص من استعباد الأموال وسائر متاع الدنيا القليل مهما كانت وفرته والزائل مهما طال زمن التمتع به.
وقد يظن البعض أن الدين الذي لا يتخلى عن العلم والتعلم من أجل التفقه والتفكر إذا ما أتاح للمؤمنين التحرر من كل ما سبق من قيود وأغلال فسيظل هناك قيد العبودية الذي حتى وإن كان للإله الخالق وحده فهو في النهاية قيد يعوق الحرية الكاملة للإنسان. وقد يكون من حق الإنسان أن يجنح بخياله نحو التحرر الكامل حتى من العبودية لخالقه، ولكن هل ذلك هو المعنى الحقيقي للحرية؟ وهل الإنسان وهو ذلك المخلوق الضعيف مهما بلغت قوته سيقوى على ذلك النوع من التحرر؟! لقد حاول الكثيرون ذلك بالفعل، ولكن هل نجحوا في ذلك الأمر؟! إبليس نفسه حاول التمرد على طاعة خالقه، فماذا كان مصيره؟ لقد عاد في النهاية خاضعًا مُتذلِّلًا لا حول له ولا حيلة رغم إصراره على العصيان وعدم التوبة أو الرجوع طوعًا، فإذا به في النهاية وبعد إغواء كل من هم على شاكلته من بني آدم ليس له مفر أو مهرب من خالقه فيعود إليه كَرهًا لينال عقوبته المؤجلة.
لذلك فإن التدين إذا غلَّف حياة المؤمن بظلمة الكبت والقهر، وإذا أحاطها بالقيود التي يتم التحايل عليها من أجل التفلت منها في الخفاء أو في العلن، ليس هو التدين الذي يوفر للإنسان القدر الكافي من حريته. أما إذا كان التدين قائمًا على الاستنارة والتحقق والإدراك والفهم، وإذا كان يُغلِّف الالتزام بأوامر الدين ونواهيه الحب بدون إكراه أو إجبار بل بالرغبة في الطاعة عن اختيار وبقدر كبير من الوعي، فسيكون فيه قدر كبير من الحرية سواء في الإيمان ذاته أو في إلزام النفس بما يترتب على الإيمان من طاعة وخضوع. وستتجلى تلك الحرية كلما تخفف المؤمن من أحمال التقديس البشري الذي قد يصل إلى حد التأليه ولو بدون قصد.
وهكذا فإن قيود الإيمان إذا لم تكن قيودًا مقبولة بمنتهى الحرية وبعد اختيارٍ واعٍ لهذا الإيمان وذلك التسليم المترتب عليه فستكون مُكبِّلة لأية حركة حرة وفعالة، ولن يكمل الإنسان بإيمانه هذا مهما عظم طريقه المنشود نحو الحرية بمعناها الشامل.
فالعبودية بما فيها من خضوع واستسلام وإعلان للضعف لا تليق بالإنسان وهو ذلك الكائن الفاعل والمفكر والمخترع والباني للحضارات، إلا إذا كانت فقط للإله الذي خلقه فسوَّاه فعدَله، والذي يميته بعدما أحياه، والقادر على أن يعيده للحياة بعد موته، فماذا عن قبول الإنسان للاستعباد بشتى أنواعه والرضوخ له؟! وماذا إذا جاء الإنسان النبأ العظيم بقيامته للحساب على عمله وأنه يوجد ثواب وعقاب على كل مثقال ذرة من أعماله؟! عندئذٍ سيكون الإيمان مسؤولية، والعمل مسؤولية، ويقظة الضمير مسؤولية، والحق مسؤولية، والعدل مسؤولية، والصدق مسؤولية، والحرية مسؤولية، والحياة برمتها أمانة في عنق كل حي ومسؤولية ملقاة على عاتقه، وبالقطع في كل مسؤولية قيد يعوق الحرية ولكنه في المقابل يُحرِّر الإنسان من قيود الفناء والعدم والعبثية، ومن قيود نفسه وشهواتها وشطحاتها، ويمنح لحياته المعنى الذي به تكون ذات قيمة ومغزى ما دام لكل بداية نهاية ولكل مخلوق خالق ولقصة البشرية بقاء وخلود.
فإذا كان هناك وعد ووعيد، وإذا كان هناك يقين يزيل كل شك، وإذا كان هناك عِلم تفقهه القلوب وتبصر حقائقه، وإذا كان هناك سكينة للروح بعد طول اغتراب، وطمأنينة للنفس بعد طول اضطراب، ونور للدرب بعد تعثر المسير، فسيكون حينئذٍ للحرية معنى آخر نوراني وغير مادي تلمسه النفس الإنسانية قلبًا وجسدًا وروحًا فتنفك معه كل القيود والأغلال المادية والمعنوية بعد أن اقترب صاحبها ممن كان أقرب إليه من حبل الوريد، وبعد أن كانت رحلته في الحياة هي رحلة من أجل التطهر من الذنوب والخطايا بعد التغلب على كل ضعف كان فيه فيصبح قويًّا بخالقه الذي ابتلاه واختبر قوة إيمانه ومحَّص صدقه وتاب عليه ليتوب كي يرجع إليه حُرًّا مثلما خلقه حُرًّا، فإذا بالحقيقة المُشاهَدة والمُعاشَة بعد الإيمان بها غيبًا هي قمة الحرية التي لا ينالها سوى من يجاهد من أجلها.
وطالما أن الحياة ذاتها هي ذلك القيد الكبير الذي يطوق عنق كل حي ما دام هناك اختيار بعد تفكير وما دام هناك إيمان أو كفر، فإن التخلص من الحياة لن يكون سوى مجرد هروب من ذلك الاختيار بعدما أصبح قيدًا، بينما التمسك بالحياة برغبة حقيقية في النجاح فيها وعدم الفشل في الوصول إلى الحقيقة المطلقة –التي هي حتمًا موجودة– سيكون هو أول طريق التخلص من ذلك القيد العظيم نحو الحرية المنشودة.
وكلما انفكت في ذلك الطريق أغلال الخوف واليأس والجهل والشك والهوى والوهم والكِبر والطمع والأنانية البغيضة ولم يعد هناك سوى إبصار الحقيقة بعد الاهتداء إليها، فلن ينفع الإنسان بعد مفارقته الحتمية للحياة وقيودها سوى الإيمان الغيبي بالحقيقة وبالحق وبالعدل، ولن يصدق ذلك الإيمان إلَّا إذا كان العمل صالحًا بسبب ذلك الإيمان. فإذا ما هلك كل الطغاة والجبابرة ولم يعد هناك سوى العدل والقِصاص فلن تكون هناك سوى الحرية الكاملة في كنف مَلِك الملوك وبالقرب من مالك المُلك الذي يسجد له من في السماوات ومن في الأرض طوعًا وكرهًا، والذي لن تكون هناك حقيقة سواه ولن يكون في البُعد عنه سوى التيه والضلال أو العدم والفناء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: