دراجة بخارية أهم ادوات الطيار المصري
دراجة بخارية أهم ادوات الطيار المصري

المهنة “طيار”..متاعب العمل على الأرض لتوصيل الطلبات

بقلم/ ياسر سليم

الشتاء الماضي كان الأكثر صقيعا منذ عقود، ورغم ذلك لم تمنع إحدى أكثر لياليه برودةً “طارق حلواني” من القيام بواجبه الوظيفي، فاحتاط من الصقيع بما تيسر من ملابس ثقيلة، وتوجه للعنوان المطلوب.

وصل “طارق” وطرق الباب حاملاً في يديه المختبئتين في قفازين جلديين عبوات أدوية أطفال.

 كانت الساعة تشير إلى الثانية صباحاً، في درجة 11 حرارة مئوية، ذات ليلة ممطرة، أحالت الشوارع لطبقات من الطين، تلطخت به قدماه، بينما وجه “طارق” غاطس في كوفية وطاقية من الصوف.

اعتذر “طارق” ـ بشفاه ترتعد من البرد ـ عن التأخر بالطلب بسبب كثرة وضغط طلبات التوصيل خلال هذه الليلة، ثم قال إنه لم يقم بأكثر من واجبه، باعتباره طيارا.

 للوهلة الأولى يبدو اسم المهنة لافتا وجذابا، فمهنة الطيار، كما هو معروف عالمياً، من المهن ذات الطبيعة الخاصة والدخل العالي، وهي تتطلب شهادات دراسة وتدريب ذات مستوى رفيع.

لكنها في مصر لها استخدام إضافي، فمهنة “طيار” الواردة في هذه الإعلانات العديدة المنتشرة طلباً لتوظيف طيارين، توضحها تفاصيل الوظيفة حينما يعقبها لفظ “ديلفري”، أي سائق دراجة بخارية لتوصيل الطلبات للمنازل.

يفخر “طارق” إزاء من يسخر منه من أصدقائه حينما يمازحونه وينادونه بلقب “كابتن طيار”، مضيفاً: “أعمل بنظام محاسبة بالساعة مقابل ثلاثة عشر جنيها، إضافة إلى عمولة على كل توصيل، فضلا عما يمكن أن يجود به صاحب الطلب من بقشيش، أو ترك بقية المبلغ المدفوع للطلب”.

وتابع: “بإمكاني التعطل في الظروف المناخية القاسية، كما كنت أفعل حينما كنت أعمل لصالح أحد المطاعم، لكنني ـ منذ عملت في توصيل الأدوية ـ أضع نفسي مكان محتاج لدواء ولا يمكنه النزول لشرائه بنفسه، لذلك أقوم بواجبي اكتسابا للرزق واحتسابا لله في نفس الوقت”.

وفي ذروة انتشار كورونا، واحتياط الكثيرين منها بالمكوث في المنازل وتقليل الاختلاط، كان على “طارق” وزملائه النزول والاختلاط بالناس عن قرب، وكثير من هؤلاء من طالبي أدوية بروتوكول كورونا العلاجي، أي أن الطيارين معرضون للعدوى من هؤلاء المرضى، إذ يذهبون إليهم في منازلهم، وذلك كان من أخطر ما تعرض له الطيارون باعتبارهم فئة لم يلتفت المجتمع إلى مخاطر تعرضها للعدوى، كما جرى مع فئات أخرى على تماس مباشر بالمرضى.

                               نشأة الاسم

من غير المعروف كيف ومتى أُطلق لفظ “طيار” على ممتهن هذه المهنة التي تسمى عادة خارج مصر “مندوب توصيل”، يرجح عاملون بالمهنة أنها ربما جاءت من استخدام المواطنين لكلمة “يطير” تعبيراً عن السرعة في الذهاب والوصول.

وانتعش الطلب على هذه المهنة بالتزامن مع الإجراءات الحكومية بحظر التجول خلال ذروة انتشار فيروس كورونا منذ عامين، واعتماد كثير من المصريين في طلب احتياجاتهم على شركات توصيل الطلبات للمنازل، وهذه بدورها طلبت المزيد من “الطيارين”.

ونما سوق خدمات التوصيل في مصر بشكل سريع، ويتراوح حجمه بين مليون و 250 ألف إلى مليون و 450 طلب يوميا من المتاجر التقليدية والمنصات الالكترونية تستحوذ طلبات الطعام وحدها على 60 % منها، بحسب تقديرات لشركات عاملة بمجال التوصيل.

وتوسع الطلب على المهنة لتشمل الطيارين بالدراجات الهوائية، بعد البخارية.

وأبرمت وزارة الشباب والرياضة اتفاقية مع إحدى الشركات المتخصصة في توصيل الطلبات للمنازل، ضمن مبادرة “زود دخلك” لتوفير فرص عمل جيدة لتشغيل الشباب من الفئات العمرية المختلفة، للعمل في وظيفة طيار دليفري كعمل حر بالشركة، تحت إشراف الوزارة.

وتضمن الاتفاق بين الشركة والوزارة توفير الوظيفة بدراجة هوائية لكل شاب متقدم للعمل، بحسب بيان صحفي صدر عن الشركة في حينها، كما أتيح للشباب الذين يمتلكون دراجات هوائية التقدم لهذه الوظيفة.

وتطورت مبادرة زود دخلك إلى مشروع استثماري للشباب من مبادرة سابقة هي “دراجتك صحتك”، وكان الشاب يحصل في إطارها على دراجة هوائية بسعر مدعم، تحت إشراف الوزارة.

و90% من المندوبين لدى شركة مرسول لتوصيل الطلبات، على سبيل المثال، يستخدمون الدراجات النارية فى توصيل الطلبات مقابل 10% المتبقية موزعة على باقي وسائل النقل الأخرى ومنها الدراجات، وفق تصريحات صحفية لقيادات بالشركة.

                         الطيارون يتحدثون

“حسام حربي”، طيار ديلفري، تنقل بين عدة أنشطة بدراجته البخارية، لتوصيل طلبات تتنوع ما بين الوجبات الجاهزة، والبضائع المبيعة عبر الانترنت، والأدوية، يشرح قائلاً إن عوائد الطيار متقاربة بين معظم الأنشطة، حيث تتوازن الكفة بين كل نشاط حسب كثافة الطلب عليه، وما يقل الطلب عليه، يكون الاتفاق مع صاحب النشاط على مرتب بجانب عمولة التوصيل يعوض نقص العائد.

وبحسب “حسام”، يتراوح مبلغ توصيل كل طلب في البضائع المبيعة عبر الانترنت ما بين ثمانية وعشرة جنيهات، إضافة إلى ساعات عمل إضافية اختيارية لا تقل عن ست ساعات، وفي معظم الأحوال، يتلقى الطيار عمولاته أسبوعياً.

ومع ازدياد الطلب على الطيارين، هناك من يغريهم بمبلغ ترحيبي يصل إلى مائتي جنيه.

واستخلاصا من عدة مقابلات مع طيارين، يمكن استنتاج التفاوت بين الدخول حسب المهمة، وحسب طبيعة المواد المطلوب توصيلها، فتوصيل المواد الغذائية والوجبات تختلف عوائدها بالنسبة للطيار عن البضائع المبعية عبر الانترنت، وتلك تختلف بدورها عن الأدوية.

ويعمل طيارون في بعض الأنشطة لفترات تصل إلى عشر ساعات مقابل 180 جنيها في اليوم، بغض النظر عن عدد الطلبات التي قام بتوصيلها.

وتشترط بعض الشركات تنفيذ عدد معين من عمليات التوصيل يصل لمائتي عملية شهريا، لترتفع عمولة التوصيل إلى 16 جنيها مقابل العملية الواحدة.

وهناك شركات تمزج بين عدة أنظمة للعوائد، فيمنح مرتباً ثابتا إلى جانب عمولة لعامل التوصيل، وكل نظام له المقابل المناسب.

وبحسب طيارين، تحقق هذه المهنة الحرية لصاحبها، فهو مع الإقبال عليه من قبل شركات التوصيل، وامتلاكه أداة عمله، وهي الدراجة الهوائية أو البخارية، يكون في موضع قوة، إذ يمكنه التفاوض والاختيار بين بدائل عدة يختار أنسبها لظروفه.

وترتفع درجة المخاطر للطيار مع احتمال تعرضه لإصابات العمل عبر السقوط من الدراجة أو بسبب السرعة الزائدة أو الاصطدام، فضلا عن تشديدات يتعرض لها من رجال المرور، الذين يلتزمون بالتفتيش على إجراءات السلامة المهنية، مثل مواصفات الخوذة، ومدى ملائمة الدراجة للعمل بها.

وتقل فرص طياري الدراجات الهوائية عن البخارية في العمل والكسب، نظرا لانخفاض مساحة النطاق الجغرافي الذي يعملون عليه، لكن طياري الدراجات الهوائية هم أكثر إغراء لأصحاب الأعمال لانخفاض العائد المادي الذي يتحصلون عليه، بحسب حازم نوار، وهو طالب جامعي يعمل أحيانا في لصالح صيدليات لتوصيل الأدوية لطالبيها، في سبيل الإنفاق على نفسه.

يقول حازم إن الاتفاق في الغالب ألا يزيد النطاق الجغرافي للدواء المطلوب توصيله عن ثلاثة كيلومترات، وتفضل الصيدليات الصغيرة أحيانا أصحاب الدراجات الهوائية على البخارية، وتمنحهم مرتبات محددة مقابل فترة عمل تصل لثماني ساعات، لكن الدخل الأكبر يأتي من البقشيش الذي يتركه صاحب الطلب لعامل التوصل.

             نمو شركات التوصيل

انتعش خلال العامين الماضيين نشاط شركات التوصيل، وحققت إحدى الشركات نمواً كبيراً وصل إلى أكثر من 80% خلال عام 2020، وفق تصريحات لقيادات إحدى الشركات.

وسعت هذه الشركات للحصول على قرار من مجلس الوزراء إبان فترة حظر التجول بسبب فيروس كورونا من أجل السماح لمندوبي التوصيل بالعمل.

وحرص العديد من شركات التوصيل على تسهيل مهام الطيارين، فقامت بتزويدهم بمحافظ إلكترونية، تمكنهم من الحصول على مستحقاتهم المالية بشكل أسرع دون الحاجة للمعاملات النقدية المباشرة.

ويعمل لدى شركة واحدة من هذه الشركات حوالي 8000 طيار في جميع مناطق مصر.

ومع الإقبال على طلب الطيارين، لجأت شركات إلى توقيع اتفاقيات مع شركات بيع الدراجات البخارية، لتوفيرها بالتقسيط لمن يريد العمل ولا يملك دراجة بخارية.

وعقدت شركات توصيل عدداً من الدورات التدريبية للطيارين لتوعيتهم بكيفية التعامل مع العملاء وتطوير مهاراتهم العملية، مع السعي لزيادة الثقافة المرورية الآمنة للطيارين بأهمية الالتزام بقواعد وأنظمة السلامة على الطرق الخارجية والداخلية، مع تقديم حزمة من الامتيازات لهم، كتوفير وثائق تأمين ضد الحوادث لتعزيز أمن وسلامة الطيارين.

ودخلت المؤسسات الخيرية على الخط، بتوفير طيارين يذهبون لمن يرغب في التبرع بملابس أو مواد غذائية لجهة ما.

هل يكفي كل تلك الجهود لتمكين هذا النشاط الذي بات أساسيا ولا غنى عنه؟

الإجابة هي لا، بإجماع العاملين في النشاط الذين التقيتهم، فلا تزال هناك العديد من العقبات تكتنف توسيع هذه الشركات لأنشطتها في مصر، لكي تستطيع استيعاب المزيد من العمالة، ما يتطلب استماع الجهات الرسمية المختصة لمطالب أصحاب تلك الشركات والعاملين فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: