دراسة تحليلية للأستاذ باسم الفضلي_العراق في نص/الأديبة السورية جوليا علي

{ صوت الشاعرة القناع }
دراسة تحليلية في نص ” من ؟؟ ”
للأديبة السورية ” جوليا علي ”
النص ..:
(( إلامَ تُضرِمُ الصّمتَ في حَلْقِ الهشيمِ
وتعلنُ انتهاءَ صلاحيّةِ الصّوتِ المزّمّلِ بذُعري؟!
أوَتدري..
أوَتدري؛ أيّها الطّاعنُ في اللّظى،
لِمَ اختبأ السّؤالُ خلف خاصرةِ الماء؛
وخِلسَةً- على حين قشعريرةٍ –
بايعَ الجوابَ السّعيرُ؟
أوَتدري كيف أجهشَتِ ال “آخُ”
حين حزّتِ المناجلُ أعناقَ السّنابل؟
أَما فَضّ بكّارةَ صمَمِكَ زعيقُ البيادر !؟
وما قضّ مثواكَ الدّبيبُ حين استباحَ النّملُ الحَبَّ ممهوراً بالدّم !؟
وقتَ أُفولِ الدُّنا
من أقصى أصقاع الجمرِ وحُمْرِ الشّمائل
انتعلتُ اللّهيبَ
أخطو صحوةً حافيةَ الشّهقةِ
.. قد آنَ أوانُ اللّاوصولِ
وأمْسُ الخوفِ يقايضُ العَرْضَ في رحْمِ الدِّراب الهاربة من مواقَعَةِ اليوم؛ كيلا تتوالدَ الفصولُ..
تُسدَلُ ستائرٌ حالكةُ الغَدِ
ولمّا تنتهِ المسرحيّة…))

الدراسة … :
نحن امام نص ( قناع ) كما ستكشفه دراسني لاحقا،لكن بتقنية قلما طرقها الشعراء الماهرون بادواتهم التعبيرية ؟ فمن المتعارف عليه ان النص هو ما يكون قناعاً لذات كاتبه كي يجري على لسانه مايتحاشى الكاتب التظرق اليه علانية ، اما مع هذا النص فصوت الشاعرة هو القناع لآخر (سأشير اليه بالآخر الاول ) تستر خلفه ، ليؤدي ( أي هذا الصوت المقتع ) دور ذلك الممثل / الراوي ، في اول عرض للفنون المسرحية في اليونان القديمة .
سأبدأ بعتبة النص العنوانية / من ؟؟ المشفرة ، فمن هو هذا الـ ( من )؟ الذي يمثل مفتاح النص ؟ أهو ( الاخرالاول ) اعلاه ام هو ( اخر ثانٍ ) تقنع منه الاول اتقاءً لغضبه وقهره أم ( اخر ثالث ) وهو من سيحرر الاول من قناعه ويفضح قاهره؟
لنفكك بنيته النحوية في سياق جملته الاعرابية :
من : استفهامية لعاقل، يحدد سياق الجملة الاعرابية دلالته و محله الاعرابي ، وسواء أكان هذا المحل مبتدأ او مايُقدم من ( خبر ، فاعل ، مفعول به ) فموقعه يكون دائماً في بداية الجملة كونه من الفاظ الصدارة الكلامية / المقاربة الدلالية : صدارته الكلام بهذه القوة يعني علو او خطورة شأنه في في صيرورة الحدث النصي رغم
سنبحث عنه في حشايا النص لاحقا ماهوية ( من ) هذا ؟
فمن هو هذا الـ ( من )؟ الذي يمثل مفتاح النص ؟ أهو ( الاخرالاول ) ام الثاني و
ما السبب لهذا التقنّع ؟ ام ربما هو اخر ثالث يميط القناع ويحرر الاول من قهرية الثاني
لنفكك بنيته النحوية في سياق جملته الاعرابية :
من : استفهامية عن عاقل ، يحدد سياق الجملة الاعرابية دلالته ، وموقعه يكون في بداية الجملة دائماً كونه من الفاظ الصدارة الكلامية ، مهما كان محله الاعرابي ( مبتدأ او ممايقدم جوازاً او وجوباً / خبر ، فاعل ، مفعول به )
باقي الجملة محذوف مما يتيح لنا تقديره / مبتدأً ، اي مسند اليه
المقاربة الدلالية : صدارته الكلام بهذه القوة التي عززها حذف باقي جملته ، يعني ان لدلالته كبير الاهمية في صيرورة الحدث/ المعنى النصي ، وسنبحث في حشايا النص لاحقا ، عما يمكننا من مقاربة هذه الدلالة.
سيكون الاشتغال التحليلي بدايةَ على ايجاد مقاربات معنوية للاخر الثاني لسببين :
– انه الطرف المقصود بالخطاب الاستفهامي الذي يمثل محور الحدث النصي رغم غيابه
– انه متضام تنافرياً مع الاخر الاول و معرفة دلالته ، تمكننا من معرفة الاول كونه ضديده
لنحلل الصيغ الاستفامية اعلاه :
– (إلامَ تُضرِمُ الصّمتَ في حَلْقِ الهشيمِ ) : لانسقية (تضرم / الصمت) في ظاهر السياق المقطعي، يضمرضديده
فالضرام يكون للنار ولاتعالقا دلاليا بينه وبين (الصمت ) في السياق اللغوي ، لكن كلا من اشارتي جملة ( تضرم الصمت ) متعالقة مع ماتشاركها حقلها الدلالي في جملة (حلق الهشيم ) وكما يلي : الضرام / الهشيم ، الصمت / حلق
هناك اذن ازاحة دلالية في ( حلق الهشيم ) و ( تضرم الصمت ) :
( الحلق ) بالاحالة المقامية/ خارج النص هو : آلة ( الكلام / الصمت) في كائن بشري ، فتكون الاشارة / الهشيم ذات دلالة مزاحة عن الفقراء الجياع ، فهؤلاء يبلغ بهم افتقادهم لابسط اسباب العيش درجة انهم يفقدون نضارة ابدانهم يمسون كالنبات اليابس اي ان حلق الهشيم = حلق الجياع
والجملة ( تضرم الصمت ) : سبق التطرق للضرام ، والاشارة الصمت كما ذكرت متعالقة مع الحلق فهو في السياق المقطعي : صمت الجياع ، وصمتهم على الجوع يزيد من رغبتهم بالصراخ طلبا لسد حاجتهم واحتجاجاً ضد من حرمهم خبزهم ، لكن
( الاخر الثاني ) يجبرهم على الصمت / المسكوت عنه يمنعهم الاحتجاج ضده ،لأنه هو سبب جوعهم ، فيكون بفرضه هذا الصمت عليهم كمن يشعل النار / يضرمها ، في حلق ابدانهم الجائعة / الهشيم
المقاربة لدلالة الاخر الثاني : سلطوي يقمع من يعترض على ظلمه
( وتعلنُ انتهاءَ صلاحيّةِ الصّوتِ المزّمّلِ بذُعري؟ ) :
في هذا المقطع يقر (الاخر الاول) بخوفه / ذعري، من هذا السلطوي بقرينة (الصوت)
فانتهاء صلاحية الصوت = الصمت الطويل المطبق، كان بأمر من الاخر السلطوي ، لانه يحرص على اطالة صمت المعترضين على جوره ، وان كان الصوت متلفعاً (بذعري)/ مؤجل حتى حلول الامان
ـ أوَتدري..
أوَتدري؛ أيّها الطّاعنُ في اللّظى،
لِمَ اختبأ السّؤالُ خلف خاصرةِ الماء؛
وخِلسَةً- على حين قشعريرةٍ –
بايعَ الجوابَ السّعيرُ؟
تكرار الاستفهام بقصد التأكيد لايقابل برد من المستفهم منه ، لإدمانه الغياب ، كما انه باعتباره قاهراً متجبراً ، لا ولن يعنيه ان ( يدري ) ما تسببه افعاله القمعية من آثار ونتائج شنيعة الضرر و الالم على حياة ومصائر ضحاياه ، مما يخرجه ( اي الاستفهام ) من كونه حقيقياً ، الى المجازي المتضمن معنى النفي فتكون دلالته : لاتدري
فهو قديم عهد / طاعن ، باشعال اعتى الحرائق/ اللظى ، وبالاحالة على / دلالة ضرام اعلاه ، تكون هذه الحرائق حسية التأثير على الاخرين : حرائق الاحلام ، الامان ، …او أي حاجة انسانية ينشدها المروَّعون المستضعفون ، وتوالي فعله ( اعني الاخر الثاني السلطوي ) القاهر الجائر بحقهم ، ادى الى تواريه خلف اسوار حصونه المنيعة اتقاء غضبهم وانتقامهم منه ، فهو غائب بجسده حاضر بعيونه واعوانه وأوامره ، وسياق المقطع يوحي ان ( السؤال ) هو ما راح اولئك المقهورين يطرحونه فيما بينهم عمن يرفع عنهم ذلك القهر / الظلم ؟ ، مع توالي عنائهم وشقائهم … واضطروا لإخفائه / اختبأ ، حيث لايطرق سمع عيون الاخر الثاني ،
– ( خاصرة ) : وسط الشئ ، ولما كان الماء بلا منطقة وسط لجريانه المستمر ، ناهيك عن شفافيته كسائل ، لذا فانه دلالة مزاحة عن (شريان الحياة ) ، فكان مخبأ ذلك السؤال المحرم هو في وسط شريان سائليه (الرابط الدلالي بينهما (الشريان) /
شريان الدم = شريان الحياة ) .
ودون اثارة انتباه الرقيب ( وخِلسَةً ) وقد انتابتهم ارتعاشة ( قشعريرة ) باعثها مزيج
من خوف وحنين ( من مسببات القشعريرة غير المرضية / احالة خارجية ) ، ضج غضبهم الدفين/ السعير بالاحالة على (ضرام) اعلاه ، يعاهد الجواب علَى الوَفاءِ له ( معنى بايع / سياق لغوي )
فتكون مقاربة دلالة الجواب باستدعاء مركباته السياقية :
خلسة + خوف وحنين + عهد وفاء + سعيرغضب = الثورة
ـ أوَتدري كيف أجهشَتِ ال “آخُ”
حين حزّتِ المناجلُ أعناقَ السّنابل؟
أَما فَضّ بكّارةَ صمَمِكَ زعيقُ البيادر !؟
وما قضّ مثواكَ الدّبيبُ حين استباحَ النّملُ الحَبَّ ممهوراً بالدّم !؟ :
التفكيك الدلالي :
– آخ : صوت المتوجع / بنيته الزمانية الدالة على الحاضر تعني ان التوجع مستمر الآن ومفتوح على المستقبل ، ولنفصل اكثر ما تضمره هذه الاشارة الاسم ـ فعلية :
– التوجع هنا يكون مصحوباً باطلاق صوتاً مسموعاً ( قد يرقى لدرجة الصراخ) اما بقصد استدرار عطف المسبب للوجع لعله يكف عن فعل الحاق الالم بالمتوجع ، وهذا القصد يتعارض مع ( بكّارةَ صمَمِكَ ) ، فالقاهر الجائر في صمم عن تضرعات مقهوريه ، واما بقصد اثارة انتباه ونخوة ( الاخرين ) ، وهم هنا من (بايعوا الثورة على الوفاء لها / الثوار المؤجلوا الفعل ) لحملهم على القيام ( بفعل ما ) حيال مسبب الالم ( لمنعه ) من الاستمرار بفعله الموجع الذي تتضمنه المقاطع :
– (حين حزّتِ المناجلُ أعناقَ السّنابل ) :
مقاربة المعنى : حز + اعناق = فعل ارهابي ( احالة خارجية / النحر الداعشي )
بذا تكون المناجل : حربة الذبّاح الملثم ، و السنابل ( بشتى رمزياتها ؛ الادبية : الخير ، السلام ، دوام الحياة وغيرها، الاجتماعية : اكثرها شهرة الشبع / ضد الجوع ، والدينية : سورة يوسف ) تختزل معاني الحياة وقدسيتها
– (زعيقُ البيادر / الدّبيبُ حين استباحَ النّملُ الحَبَّ ممهوراً بالدّم ):
الاشارة النمل بالاحالة الخارجية كائنات جحورية ( تعيش في جحور ) تحت الارض او بين الصخور بهذا هي تماثل جحورية اماكن اقامة اولئك الارهابيين ، اضافة الى تماثلهما (الحشودي ) الملبين بلا وعي او اعتراض لكل ما يُؤتمرون به ، فيستبيحون حتى المقدس في عرف الاخرين (الحَبَّ ممهوراً بالدّم / بذور الحياة المفتداة بالارواح )
والمقطع يشي بمن امر بالذبح (أَما فَضّ بكّارةَ صمَمِكَ / وما قضّ مثواكَ )
ولا يطلق مثل هذا الصوت ( آخ ) غير من يقع عليه ذلك الفعل المؤلم بشكل مباشر او على المحسوبين عليه بالانتماء او الولاء وماشابه ، حيث يكتفي من يشاهد عناصره ( الموجِع + المتوجِّع + صوت التوجُّع ) بالتأوِّه ( الصوت هنا مهموس لايكاد يُسمع ) او يكتفي برسم ملامح التعاطف او الامتعاض على محياه ، وباستدعاء بواعث تلك ( الآخ ) / حزّتِ المناجلُ أعناقَ السّنابل ،
زعيقُ البيادر ، استباحَ النّملُ الحَبَّ ) ، نجد ان السنابل ، البيادر و الحَب ، هي مما تنجبه الارض ( الانجاب = بذرة لقاح + رحم + تلقيح + جنين + ثمرة ) فهي مولودة من رحم الارض ، فالتوجع هنا يشابه توجع الام عما يلحق ابنائها من ألم واذى ، وبذار هذه البذور لابد له من فاعلين ( باذرين) ، يقيمون في هذه الارض / البذار ومايصاحبه قبلاً من حراثة ، ولاحقا من متابعة ومداراة بالسقي وسائر الخدمات الاخرى، تتطلب الاقامة في المكان ) ومن يتسم بهذه السمات هم اولئك المقهورون المار ذكرهم سابقاً ، فقوة ارتباطهم بالارض وصنعهم الحياة ، هما من مسببات قمع الاخر الثاني اياهم لتضاد معنييهما كما يلي :
هو/ يقوّض الحياة ـــــ مقابل ــــــ هم / يصنعون الحياة
ولكون ذلك القامع يمتلك قوة إلحاق الاذى والالم الموجِع بالاخرين دون خوف من رادع اوعقاب فهو اذاً يحكم هذه الارض ،
المقاربة المعنوية :
ارض + ساكنيها (مقيمين فيها) مقهورين + حاكم قاهر = وطن مستباح
بذا تكون الاشارة ( آخ) بدلالاتها الظاهرة والتحتانية هي بؤرة النص الدلالية لهذه المسوغات :
– انها فككت شيفرة العتبة العنوانية فحددت دلالة الاخر الاول / الوطن ، و الاخر الثالث / الثوار
– انها اكدت قِناعية صوت الشاعرة كما ذكرنا في مستهل الدراسة ، والسر الكامن وراء هذا التّقنع .
– انها ارمت اركان المعنى الكلي للنص :
وطن ـــــ حاكم جائر (قاهر) ـــــــ شعب مقهور
رغم انها ( اجهشت ) / اجهش سياقياً لغوياً يتعدى بحرف جر الباء : همَّ بـ ، شرع بـ ، وقطع ( الآخ ) عن التعدية الى \ما همت به من ( ردة فعل ) ازاء المسببات المفجعة الباعثة على التوجع بها ( أي التوجع بتلك الآخ ) ، بقصد الايحاء ( بتأجيل ) قرار البدء بالثورة كما اسلفت ، وهو تأجيل بسبب عدم اكتمال اسباب نجاح الفعل الثوري :
فضمير العالم في غفوة في الوقت الراهن (وقتَ أُفولِ الدُّنا) ، ولما تزل الصحوة الجمعية / الثورة فعل جمعي (حافيةَ الشّهقةِ )
يحف بها اللايقين من تحقيق غايتها الخلاصية (.. قد آنَ أوانُ اللّاوصولِ) ، فشبح اغتصاب الاحلام الخضراء مازال يراودها
( وأمْسُ الخوفِ يقايضُ العَرْضَ في رحْمِ الدِّراب الهاربة من مواقَعَةِ اليوم؛ كيلا تتوالدَ الفصولُ..)
وتلون بالقتام فجرها الآتي ( تُسدَلُ ستائرٌ حالكةُ الغَدِ ) .
لكن مازال هناك فصل اخير لم يعرض بعد في مسرحية ( الاواخر الثلاثة ):
( ولمّا تنتهِ المسرحيّة).
ـ باسم الفضلي العراقي ـ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: