أخبار عاجلة

د. نيفين عبد الجواد تكتب :البوصلة بعد حزيران

ونحن على البر يكون من السهل معرفة الاتجاهات ومن ثم نتمكن من تحديد المواقع والمقاصد والأهداف، ولكن ونحن في عرْض البحر بعيدًا عن اليابسة فعلينا الاستعانة بالبوصلة خاصة إذا كانت السماء ملبدة بالغيوم أو يكثر فيها الضباب، بينما إذا كانت السماء صافية والرؤية واضحة فإنه يمكننا معرفة الاتجاهات الأربعة بدون استخدام البوصلة، إذ علينا فقط التطلع نحو السماء سواء كنا في البر أو وسط أمواج البحر، فمن السهل آنذاك مراقبة الشمس واتجاه الظل نهارًا و مراقبة النجوم ليلًا.

ومثلما تكفي معرفة اتجاه واحد فقط لتحديد بقية الاتجاهات الأربعة سواء عن طريق البوصلة أو بدونها، فإنه أيضًا من السهل تبين أحوال الشعوب وما تتمتع به من حرية وكرامة وعدالة إذا تمكنا من معرفة ملامح السلطة التي تحكمها والتي تخضع لها، وإذا استطعنا الإلمام بطبيعة القوانين والشرائع التي تسير وفقًا لها حياة الناس بمختلف مستوياتهم، ومدى قوتها وفاعليتها وطبيعة علاقتها بالسلطة الحاكمة. فالدول التي تتبنى نظمًا ديمقراطية في الحكم ليست بالضرورة متبرئة من ملامح الاستبداد البينة، بل إن الديمقراطية ذاتها قد تعوق تحقيق العدالة في بعض الأحيان.
ومن هنا إما أن تكون سلطة النظام والقانون فوق أية سلطة للأفراد أو المؤسسات أو الحكومات، أو أن يكون النظام والقانون لعبة في يد كل ذي سلطان ومن ثم تكون الشعوب في قبضة من أعطى لنفسه الحق في تشكيل النظام واللهو بالقانون، فتكون الحريات منحة، وتكون المساواة معجزة، وتصبح العدالة حكرًا في الآخرة ولا يمكن تحققها في الدنيا. فكيف إذن يمكن للشعوب أن تُخضِع كل ذي سلطان لسلطة القانون فيكون هناك نظام صارم وقانون عادل يخضع له الجميع سواء كانوا من أهل السلطة أو من عامة الشعب؟!
لقد مرت البلاد منذ عام 2011م بالكثير من المحن، وضحى الشعب في سبيل التخلص من توريث الحكم الذي استمر طويلًا بمصير ودماء وأرواح الآلاف من خيرة أبنائه، وإذا كانت هناك فئة من الشعب قد أدركت خطورة المنعطف الذي قد تتعرض له البلاد بسبب الاستبداد الذي ليس بغريب على العباد منذ أقدم العصور، فإن الكثيرين غيرهم ربما لم يكن يعنيهم كنه الحاكم أو كيفية وصوله إلى الحكم بقدر ما كان يهمهم أن تستمر حياتهم على نحو آمن قد اعتادوا عليه وبنوا عليه مصالحهم الشخصية ومنافعهم الوقتية الزائلة. وبالمثل في عام 2013م عندما كانت البلاد في مواجهة شرسة مع الاستبداد الذي ارتدى ثوب الدين كبديل لثوب الوطنية العسكرية، كانت هناك أيضًا فئة ترفض انقسام الشعب وتقسيمه وتفتيته فوقفت في وجه من أشعل فتن الاشتباكات الأهلية غير عابئة به وبسطوته وسلطته وبقوة كل من يدعمونه ويساندونه.
وليس غريبًا أن تكون هناك فئة قليلة من الشعب تستشرف المستقبل، وترى الحاضر بأعين فاحصة وناقدة، وتتطلع لتغييره نحو الأفضل راجية الخير للجميع وليس لها وحدها. فلماذا تؤرق الحرية منام السلطة الحاكمة في كل زمان ومكان ما دامت تظن في نفسها أنها سلطة عادلة؟ وهل يمكن لتلك الفئة التي عرفت معنى الحرية وتمسكت بحريتها أن تتنازل عنها بسهولة دون أن تضحي من أجلها بكل ثمين وغالٍ؟! وبالفعل لقد شهدنا بأعيننا كيف قدم الشعب التضحيات من أجل الحرية والكرامة والعدالة دون مقابل، فهل تغير الاستبداد السلطوي؟ وهل بالفعل أصبحت سلطة القانون أقوى من أية سلطة أخرى؟
إن الاستقرار ورفاهية العيش هما من حق المواطنين الذين يتمتعون بكافة حقوق المواطنة في ظل أنظمة الحكم الديمقراطية الحالية، وقد تكون إقامة المشروعات الخدمية وافتتاح مشروعات الطرق والكباري والأنفاق والمشروعات السكنية أمرًا مألوفًا على مدار عقود طويلة سابقة، وما دامت معاهدات السلام مع العدو تفرض حالة من الاستقرار والأمن بعيدًا عن خطر الحروب وخسائرها، فإن المواطن الآمن ما دام قد وفَّر قوت يومه والأيام القادمة فسيبحث بعد ذلك عما هو أكثر رفاهية من لقمة العيش، فإما أن ينغمس في ملذات الدنيا فلا يكتفي باللقمة المتاحة له باحثًا عما هو ألذ وأطيب منها، أو أن يكتشف حقيقة الدنيا ويدرك قيمته كإنسان فيسعى إلى معنى جديد في الحياة يعزز من تلك القيمة فيبدأ بالبحث عن قيم مثلى كالحرية والكرامة والعدالة والحق والخلود.
ولقد شهد شهر حزيران عام 2013م رفضًا شعبيًّا لتقسيم البلاد وسخطًا عامًا على بث الفتن بين أهلها، فطغت شعارات الوحدة واستعادة الأمن والاستقرار على أية مطالبات بالحرية والعدالة والكرامة، والآن وبعد مرور ثمانية أعوام على جني ثمار الأمن والتمتع بالاستقرار، وبعد عودة المياه إلى مجاريها بيننا وبين الدول التي احتضنت وموَّلت الجماعات الإرهابية المنبوذة والهاربة من البلاد، أما آن الأوان كي تكون الحرية والعدالة والكرامة فوق أية سلطة قد تعتبر أنها هي النظام الذي لا يمكن معارضته؟
لقد امتلأت الشوارع والميادين من قبل –وأكثر من مرة– بمظاهرات ضد الحاكم المنتخب وأخرى مؤيدة له، وذلك عندما كان التظاهر حقًّا مكفولًا لكل صاحب رأي ما دام سلميًّا، ولكن بعد أن أصبحت مجرد فكرة المعارضة فكرة مرفوضة ومن قبيل الإرهاب، وبعد أن اختلطت المفاهيم وتم التلاعب بالمصطلحات ومعانيها، وبعد أن سقط الكثيرون بسقوط أقنعتهم، فأين هي البوصلة التي عن طريقها يمكن تحديد الطريق نحو الحرية بعدما ضلت الجموع في طريقها نحوها وتشتت الناس بين أكثر من سبيل متفرقين وغير متوحدين؟
إنها نفس البوصلة التي استعان بها الشعب في 30 يونيو ومن قبله في 25 يناير، تلك البوصلة الفطرية التي عن طريقها تمت رؤية الحقيقة دون تزييف أو تشويه أو تدليس، فتم تحديد الاتجاه والهدف والغاية، فهل ما زال الشعب يملك تلك البوصلة؟ وهل ما زال لديه القليل من تلك الحرية التي دافع عنها وحَلُم بأن تكون حقًا للجميع، بعد أن تم حرمانه من حرية التعبير في ساحات الميادين؟ وهل ما زال الوطن الذي يضم كل ذي سلطان جنبًا إلى جنب مع عامة الشعب هو المساحة الرحبة التي تكفل الحرية والكرامة والعدالة للجميع؟ أم سيظل هناك من يملك سلطة التحدث باسم الوطن مدعيًا الوطنية لنفسه وكأنها حكر له وحده ليفرض بشعاراتها سطوته التي قد تعلو فوق سلطة النظام العام والقانون العادل؟
لقد انصرف من انصرف من اليائسين والساخطين والمحبطين، وانكشف من انكشف من المنتفعين والكاذبين والمنافقين والمتلونين، فلم يعد هناك سوى أصحاب الهمم وذوي العزائم من الصادقين والصابرين والحالمين والأحرار، فهل هؤلاء رغم قلتهم وتفرقهم ستكون لديهم القدرة على حمل البوصلة بعد حزيران؟ إن الجموع التي احتشدت من قبل دون أن يكون لها قائد يتحدث باسمها كان من السهل تفريقها ومن الصعب أن يتم لم شملها من جديد، وطالما هناك تضييق على حرية الرأي وقمع للمعارضة فلن تكون هناك جدوى من أية حوارات وطنية خاضعة لهيمنة السلطة ولإدارتها؛ لذلك فهناك حاجة ماسة الآن للاستعانة ببوصلة ترشدنا إلى الاتجاه الصحيح خاصة ونحن نحمل فوق أكتافنا أعباء حريتنا مبحرين بها دون قيادة وسط أمواج عاتية وسماء ملبدة بالغيوم ومكدسة بالضباب، فهل ما زالت هناك بوصلة جيدة وسليمة تساعدنا في رحلتنا هذه على الوصول بسلام إلى بر الحرية الآمن؟!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: